الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » هدية حسين : ليلة الكوابيس

هدية حسين : ليلة الكوابيس

ليلة الكوابيس
هدية حسين
كيف لا تكون هنا؟ أنا متأكدة أنها كانت بيدي بعد أن وضعت أكياس الخضار على مائدة الطعام في المطبخ.. ربما هناك، على تلك العروة التي كثيراً ما علقت عليها أي شيء، يحدث أحياناً أن أعلّق سلسلة المفاتيح مثلما أعلق الحقيبة أو الشال، أنا متأكدة من ذلك .. لا لستُ متأكدة من أي شيء، لأنني لا أتذكر أي شيء في هذه اللحظة، ما أتذكره أنني حينما عدت من التسوق، أخرجت سلسلة المفاتيح وفتحت الباب، وإلا كيف دخلت الى شقتي؟ ثم وضعت أكياس الخضار على مائدة الطعام، وبعد قليل حفظت بعضها في الثلاجة وقمت بتنظيف وغسل وتقطيع ما أحتاجه لوجبة الغداء، هذه هي الصورة الواضحة، أما سلسلة المفاتيح فلا أحفظ لها في ذهني أية صورة بعد أن دخلت الشقة، لكنني أطمئن نفسي أنني لم أفقدها قبل دخولي الشقة، وإلا لكنت الآن خارجها.
 أفتح حقيبة يدي، أعاين جيوبها، أقلب محتوياتها، أدخل المطبخ وأخرج الخضار التي وضعتها في الثلاجة وأفتش في الأكياس.. ثم أذهب الى زوايا الشقة، أمشطها زاوية زاوية فلعل المفاتيح قد سقطت في واحدة منها ولم أنتبه، لكن كل ما فعلته لم يوصلني إليها.
أيمكن أن أكون قد نسيتها معلقة في ثقب الباب من الخارج؟ لِم لا؟ يحدث هذا كثيراً معي، مصابة أنا بعدم التركيز، وبألعن من ذلك، بالسرحان والتوهّم ..أسرعت وألقيت نظرة فلم أر شيئاً، انتابني خوف، فربما رآها أحد الجيران وسرقها، إن صحّ ذلك فأخشى ما أخشاه أن يكون السارق هو ذلك الرجل الصربي ذو العينين الذئبيتين الذي يعاكسني كلما رآني، نهرته أكثر من مرة، لكنه بعد كل مرة يمعن في معاكستي مستغلاً كوني امرأة وحيدة..ترى ماذا سيفعل بالمفاتيح إن لم يكن قد بيّت نية سيئة ستنهي حياتي بلمح البصر، فقد يكون أحد القتلة الذين شاركوا بمجازر البوسنة والهرسك، ثم لما انتهت وشعر بأنه محاصر، هرب وطرق باب المفوضية ليخدع مسؤوليها ويحصل على اللجوء، لابد أن يكون مجرماً، فملامحه لا تخفي ما كان عليه، هكذا يبدو لي كلما تذكرت مجازر البوسنة والهرسك، ترى كم رأساً قطع، وكم امرأة اغتصب قبل أن يأتي الى  كندا؟ يرعبني ذلك الأمر، ماذا لو كان فعلاً هو من رأى سلسلة المفاتيح وراء الباب فسرقها، وقرر أن يفعل بي ما فعله بالنساء خلال ماضيه المرعب؟
كان الوقت ظهراً حينما فقدت المفاتيح، ولم أجد جورج مسؤول العمارة فتذكرت أن اليوم عطلته الأسبوعية، والان هبط الظلام فتناهبتني الهواجس، وتراءى لي وجه الرجل الصربي وهو يقتل ضحاياه هناك بدم بارد، تماماً مثلما قرأت عن جرائم القتل والاغتصاب إبان الحروب التي اشتعلت في ذلك البلد، ازداد خفق قلبي، وسحبتُ طاولة الطعام لأسند بها الباب، وضعت على حافتها قدحاً زجاجياً، سيسقط حتماً في حالة دفع الباب، الحذر واجب لامرأة تعيش بمفردها وتضيّع مفاتيحها.. لم يطمئن قلبي، عشت ليلة طويلة الأرق كثيرة الكوابيس كان الصربي بطلها يصول ويجول ويراودني عن نفسي ويهشّم رأسي.
 وماذا بعد أن انتهت الليلة الأولى إذا لم أجد سلسلة المفاتيح؟ على جورج أن يفعل شيئاً، نزلت مسرعة، لكن باب الإدارة ما يزال مغلقاً، وإذا كان ثمة طلبات للسكان فما عليهم الا أن يكتبوها ويدفعون الورقة من أسفل الباب، لقد نسيت ذلك يوم أمس، وها أنا أفعل: السيد جورج، فقدتُ سلسلة المفاتيح وبضمنها مفتاح شقتي 621 ، أرجو المساعدة بالسرعة الممكنة.
كررت محاولات البحث في الشقة دون جدوى، وبعد ساعة نزلت ثانية لعل جورج قد جاء.. على بعد خطوات رأيت باب الإدارة مفتوحاً فاطمأن قلبي، وما إن وقفت عند عتبته حتى شاهدتُ وراء مكتب جورج رجلاً آخر، سميناً أصلع ذا عينين جاحظتين وأنف مفروش، ألقيت عليه التحية وسألته: أين جورج؟
عقد ما بين حاجبيه، ولمعت عيناه، ثم رد على سؤالي بسؤال:
ـ من هو جورج؟
ابتسمت، وأردت أن أقول له: ومن أنت؟ إلا أنني قلت:
ـ جورج مسؤول العمارة.
مط شفتيه وقال:
ـ أنا مسؤول العمارة منذ اليوم، استلمت العمل بعد أن انتهى عقد كارل مسؤول العمارة السابق، هل أنتِ حديثة عهد بالسكن؟
شعرت بما يشبه الدوار، ما الذي يقوله هذا الرجل، ومن هو كارل، فأنا أسكن هنا منذ عام، وحينما جئت كان جورج هو مسؤول العمارة .. ولما بقيت صامتة ولم أرد على سؤاله، قال:
ـ إسمي بيتر.
وسكت للحظات، ثم أردف وهو يتفرس في وجهي:
ـ هل يمكنني مساعدتك؟
تجاهلت عدم معرفته بجورج وذكره اسم كارل الذي لا أعرفه، إذ ربما تشابك عليه الأمر بين عمله السابق وهذا العمل.. وقلت:
ـ  فقدت سلسلة المفاتيح، وبضمنها مفتاح الشقة، هل يمكنني الحصول على نسخة ثانية؟
أشار لي بالجلوس، ثم مد يده الى الدرج وأخرج ورقة، دفعها باتجاهي وقال:
ـ اكتبي طلباً بذلك.
ـ أخبرته بأنني كتبت الطلب هذا الصباح ودفعته  من أسفل الباب.
على يمينه حزمة أوراق، تناولها وسألني عن اسمي، وراح يقلبها ويقرأ، ولما انتهى هز رأسه قائلاً:
ـ لا يوجد اسمك بين الطلبات.. اكتبي الطلب ثانية.
كتبت الطلب مرة أخرى فقال:
ـ انتظري مني مكالمة هذا اليوم.
خرجت من الغرفة ومايزال الدوار يمرجحني، وقفت بانتظار المصعد وأنا أتساءل أين اختفى جورج، ولما انفتح خرجت ماري إحدى المؤجرات، تبادلنا السلام سريعاً ويبدو أنها كانت على عجل، ومع ذلك استوقفتها لأسأله عن جورج، نظرت إلي بعينين مستفهمتين وقالت:
ـ جورج؟ عذراً، لا أعرف شخصاً بهذا الاسم.
الدوار صار غثياناً.. مضت ماري بعد أن كررت اعتذارها، ورحت أنا الى شقتي أمشي مترنحة مثل مخمور، دخلتها بغير ما يقين في كل شيء، جلست وراء طاولة الطعام منهكة تماماً، في هذه اللحظة أظنني سمعت باسم كارل، وبينما كنت أحاول تذكر ملامحه أحسست بشيء صلب تحت قدمي، انحنيت لمعرفة ذلك الشيء، فإذا به سلسلة المفاتيح.. وبدل أن يغمرني الفرح، شبكت أصابعي على رأسي، وأجهشت بالبكاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *