الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » هدية حسين : اليد الدافئة

هدية حسين : اليد الدافئة

اليد الدافئة
هدية حسين
أجلس في شقتي الصغيرة مطمئنة، لا أبحث عن أجوبة لأسئلة حائرة أو مُلغّزة، لقد انكسرت الحيرة وتلاشت بعد أن نفضتُ عن نفسي أكوام الأحجار كما تنفض الشجرة أوراقها اليابسة، أعرف أنني أسِفتُ كثيراً على ناس أحبوني وغادروا الحياة قبل أن يسعفني الوقت لأقول لهم بأنني أحبهم، وأسفتُ أيضاً على أنهار من الدموع، ذرفتها على ناس لم يكونوا على قدر محبتي لهم، الأسئلة والأجوبة مضت في زمنها، وأنا الان أعيش بلا متعلقات، بعد أن أخذ كل شيء مر بي ما يستحق وما لا يستحق، فالذين دخلوا قلبي كثيرون، والذين خرجوا منه أو أخرجتهم أكثر، والذين عمّروا بذاكرتي أقل، وهذا يكفيني.
وقفتُ ذات يوم على ضفاف بحر لا نهاية لحدوده، تامّلتُ موجه المتلاطم وهو يجرف كل ما يصادفه، ورميت إليه كل المتعلقات، بقايا حزن وأسى، ووجوهاً كثيرة، وشظايا انفعالات، وآثار تشوهات، وصدى صخب وضجيج، فأخذ تلاطمُ الأمواج كل شيء وطواه، ولم يبق الا الزبد الذي يذهب جفاءاً.. وعدت بلا منغصات، ولا أفراح كاذبة، ولا أحزان طاعنة، ولا معارك طاحنة.
ما عاد الحزن يمزقني، ولا الفرح يسلب عقلي، ولم تعد الأحجار التي توضع في طريقي تمنعني من تجاوزها فثمة طرق أخرى للمرور وللعيش بعيداً عن كل ذاك الصخب المفتعل والحياة الضاجة بالأكاذيب، أثمّن قدرتي على الصبر، وعلى فن التغاضي عن الأشياء التي تزعجني، لقد فعلت ما عليّ فعله، وأما النتائج فلست مسؤولة عنها.
ظلمة الليل ماعادت تؤرقني، ولا كوابيسه تفزعني، ولا الضلالات تُضلني، ولا صعوبات العيش تفقدني توازني، ولا الذاكرات تعيد لي سحنة الوجوه التي أرادت كسري فما انكسرت، لقد أخرجت من رأسي كل الأسمال، وفتحت له النوافذ ليتعطر ويتطهر بسكينتي لا باستكانتي، ولم يحدث أن أضعت بوصلتي فقد كنت أصوّب وجهتها الى ما أريد لا الى ما تريد برغم العواصف التي تهب من حين الى حين وتمزق أشرعتي.
حتى أسراري لم تعد أسراراً، فلقد انتشلتها من جب أعماقي لكي لا تعذبني، وبلسان صريح أفشيتُ نصفها لأصدقاء صدوقين، والنصف الثاني وهبته لشخصيات ورقية كسوتها لحماً ودماً وتركتها لتواجه مصيرها بعيداً عني، فلم تعد أسرارها أسراري.
أمشي اليوم بخفة فراشة لا تحوم حول النار، لا شكوى ولا نجوى ولا انتظارات تمتص رحيق العمر، أمشي وأردد بيني وبيني أغنية أديث بياف:

لا.. لن أندم على شيء
لا الخير الذي لقيته
ولا الشر الذي احتملته
نسيتُ الماضي
لقد دُفع الثمن
اليوم لا أقف في محطات الانتظار من أجل من يأتي أو لا يأتي، ولا ألتفت لمن يترصدني في المنعطفات ويفحُ بالوشايات، وإذا كان ثمة اعتذار عليّ أن أقدمه لمن يستحق، فليس أكثر استحقاقاً إلا لنفسي.. أعتذر لها عن كل الحماقات، والمماحكات، وإضاعة الوقت، والنأي المقصود وغير المقصود عنها وعني، أعتذر لها عن طول المسافات التي باعدتنا، وعن كل الأوهام القديمة التي عشتها والأحلام التي تشبه الكوابيس، وأعرف تماماً، بالاطمئنان الذي هي عليه الآن، بأنها قبلت اعتذاري، وصالحتني، لقد اكتشفت معدنها، وأخرجتُ جوهرها بعد أن خرجتُ من بين القوسين وأعلنتُ السلام عليها، وعاهدتها على أن نظل معاً حتى آخر العمر، متجاهلتين الكثير من المرارات، مكتفيتين بالقليل من السعادات، متقاسمتين حالة الاطمئنان، مبارِكتين سراج القلب الذي لا ينفد زيته، مُبجلتين قول جبران خليل جبران: إذا شعرت بالحاجة الى يد دافئة أمسك بيدك الأخرى فلن يُهزم شخص يؤمن بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *