تابعنا على فيسبوك وتويتر

المصدر: صحيفة البيان
• دنيس جونسون ديفز
التاريخ: 31 ديسمبر 2012
أقبل صديق إلي ذات يوم في قلب القاهرة، وسألني عما إذا كنت أعرف ما حدث لديزموند ستيوارت، ثم أبلغني أن المرض قد استبد به، وتم نقله إلى المستشفى الأميركي في القاهرة.
مضيت إلى المستشفى، حيث بدا المسؤولون هناك مترددين في السماح لي برؤيته، وسألوني عما إذا كنت قريبا له، فقلت لهم إنني صديقه فحسب، وعندئذ قالوا إنني ينبغي أن أجعل زيارتي قصيرة، حيث إنه ليس في حالة طيبة على الإطلاق. وعندما تم المضي بي إلى حجرته، أبلغني بأن المستشفى في ما يبدو لا يعرف ما الذي حل به، وأنه كان يقضي أمسية مع أصدقاء له، ثم داهمه المرض فجأة.
كان ديزموند ستيوارت واحدا من الإنجليز القلائل في ذلك الوقت، الذين كانوا يهتمون بحركة الأدب العربي الحديث، وقد ترجم رواية “الأرض” للروائي المصري عبد الرحمن الشرقاوي، كما ترجم نماذج من الشعر الحديث. وكان قد أمضى سنوات عديدة في العراق عمل خلالها بالتدريس في جامعة بغداد.
وكتب مقالا عن الشعر العراقي قدم فيه ترجمات لقصائد عديدة، من بينها قصيدة لشاعر لم أكن قد سمعت عنه قط، ولما كان الشك قد ساورني سألت ديزموند حول هذه القصيدة على وجه التحديد، فاعترف لي ضاحكا بأنها من نظمه، وأنه قد ابتكر الاسم ابتكارا. وكان ديزموند قد ألف العديد من الروايات، ولكنه كان مشهورا أيضا باعتباره صحافيا، وعرف بشكل خاص بدفاعه عن القضية الفلسطينية، ومعارضته القوية لإسرائيل.
لم أمكث طويلا معه في تلك الزيارة، ثم بعث لي برسالة يطلب مني فيها أن أزوره ثانية في المستشفى، وخلال هذه الزيارة الثانية، ألمح إلى أنه ربما كان الإسرائيليون مسؤولين عن المرض الذي حل به، وأبلغني أن السعوديين يعدون طائرة لنقله إلى إنجلترا، وطلب مني الاتصال بوالدته وإبلاغها بأنه سيكون في طريق عودته إلى انجلترا عما قريب.
سمعت بعد ذلك أنه أمضى بعض الوقت في مستشفى بإنجلترا، وأنه قد خرج منه، وكان التطور التالي في هذه الملحمة هو أنني تسلمت رسالة من صديقي الكاتب جمال إبراهيم، الذي كان يقيم عادة في سويسرا، يقول فيها إن ديزموند قد اتصل به، ويطلب مني أن ألقي نظرة على صورة للرسالة كان جمال قد تلقاها من ديزموند، حيث إنه لم يكن واثقا بأنه قرأها على الوجه الصحيح.
جاء في الرسالة (التي كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية)، أن الإسرائيليين قاموا بمحاولة لاغتياله، ولكنهم في هذه المرة لم يكللوا بالنجاح.
لم يحدث شيء بعد ذلك، إلا أنه عقب أشهر قليلة كان لدي موعد مع نعيم عطا الله، مالك دار النشر اللندنية “كوارتيت بوكس” التي نشرت عددا من ترجماتي، وعلمت منه أن ديزموند كان يستقل سيارة أجرة في لندن، وعانى فجأة من نزيف ونقل في التو إلى مستشفى، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة هناك. أعربت عن دهشتي وحزني حيال ذلك، واستفسر مني نعيم قائلا: هل علمت أن ديزموند قد جرى تسميمه منذ بعض الوقت في القاهرة؟
أبلغت نعيم عطا الله بأنني قد زرت ديزموند في المستشفى في القاهرة، ولكنه لم يقل شيئا عن تعرضه للتسميم، وأن المسؤولين في المستشفى أنفسهم لم يعرفوا ما الذي أصابه، وكل ما عرفوه هو أنه كان مريضا بشكل خطير.
كان من الواضح أن الإسرائيليين كانوا مصممين على القضاء على ديزموند، فقد عمل مراسلا في العالم العربي لـ”ميدل إيست”، وكان معروفا بوجهات نظره المعادية بشدة لإسرائيل.
كما عرف عنه أنه قد عانى الكثير من المشكلات مع الشرطة في العراق الذي أقام فيه سنوات عدة، وربطته صلة صداقة وثيقة مع الكاتب والروائي جبرا إبراهيم جبرا، وكان يحظى بترحاب وتقدير المثقفين في القاهرة نظرا لعدائه لإسرائيل، وأيضا لتقديره الأصيل للعديد من الأعمال الروائية التي كانت تصدر في العالم العربي.
وقد نشر العديد من الدوريات الأدبية الصادرة بالعربية، مقالات تحمل تقديرا كبيرا لديزموند ستيوارت لدى الإعلان عن وفاته المفاجئة. وفي ذلك الوقت، كان ديزموند واحدا من قلة قليلة من الأجانب الذين يعرفون اللغة العربية، والذين كانوا يكرسون بعضا من وقتهم وطاقتهم لتعريف العالم بالأدب العربي الحديث.

*عن صحيفة البيان


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"