مهدي شاكر العبيدي : شيء عن دزموند ستيوارت (ملف/1)

شيء عن دزموند ستيوارت
مهدي شاكر العبيدي
اوستن -تكساس

       كانتْ فترة خمسينيات القرن الماضي من تاريخ العراق الحديث تحفل بالوقائع والحوادث على صعيد الاجتماع والسِّياسة والثقافة , عبر تسارع الزَّمن مؤذنا ً بالتحوِّل والانتقال من حال إلى حال ، ومع ما اكتنف الأجواء العامة من إلواءٍ    وكبتٍ ، وما تعرَّضَتْ له الصَّحافة من مضايقة ومصادرة ، فيمهد ذلك لنتيجة مؤشرة غلبة الركود والجمود على الحياة الثقافية ، فإنَّ المجال كانَ منفسحا ً ومواتيا ً أمام بعض الأساتذة الوافدينَ إلى العراق من أقطار شتى عربية وأوربية لأنْ يملأوا الفراغ الناجم عن تواري الأدباء والكـُتـَّاب العراقيينَ وإيثارهم الصَّمْتَ غالبا ً ، وكذا شهر اسم دزموند ستيوارت الذي تعاقد مع حكومة العراق يوم ذاك للمحاضرة في الآداب الإنكليزية بكلية الآداب والعلوم .

       ويبدو أنَّ هذا الرَّجل الإنجليزي كانَ في أوَّل خطواته للاشتغال بالاستشراق ، فقد عُرفَ بالحيوية والنشاط ورغبة الاختلاط بالمجتمع وتعرُّف عاداته وتقاليده ، وتمتين أواصره بالفئات المستنيرة حتى تسنى له أنْ يحسنَ العربية ويجيدها نطقا ً وكتابة ، وتنامَتْ لديه الرَّغبة في الترجمة من اللسان الإنجليزي إلى العربي وبالعكس ، فينتهي من ترجمة رواية ( الأرض ) للكاتب المصري عبد الرَّحمن الشَّرقاوي إلى لغته الأم ، لأنـَّه :ـ ” وجد الصُّورة العامة لقريةٍ في الدَّلتا مرسومة بصدق ” .

       ونفيد من مقالة الأستاذِ كاظم سعد الدِّين المنشورة بمجلة ( الأقلام ) في عددها المزدوج ( 11 و 12 ) الصَّادر في سنة 1996م , معقبا ً على كتاب الأستاذ سامي مهدي ( عن المجلات العراقيَّة الرِّيادية ) ، معلومات ضافية عن هذا المستشرق الفياض الحيوية ، فقدْ انعقدَتْ صلاته بأحد رجال السِّلك الدِّبلوماسي العراقيينَ وهو علي حيدر الرِّكابي ، وما أعرفه عنه ترجمته لكتاب ( عن يقظة العرب ) قبل أنْ تظهر له ترجمة ثانية من قبل ناصر الدِّين الأسد وإحسان عباس ، هذا الدِّبلوماسي يعود له الفضل في تمكين دزموند ستيوارت من ترجمة أربع قصائد للشُّعراء عبد الرَّزاق محيي الدين وبلند الحيدري وإبراهيم طوقان إلى الإنجليزية ، وأضاف إليها جملة مقالات عن الأوضاع التي يحياها العراقيونَ وقتَ ذاك ، وضمَّنها جميعا ً كتابه ( بابل الجديدة ) بالاشتراك مع صنوه جون هايلوك الذي أدركته مدرسا ً بدار المعلمين الابتدائية في الأعظمية أواخر عام 1949م ، واستيقنتُ من إحسانه العربية حين تطلبني راجيا ً إغلاق باب قاعة الامتحان ذات يوم والنفس غريرة .

       وهو مؤلف لكتاب ثان باسم ( غريب من جنة عدن ) الذي هو بالأصل رواية عن مغنية مشهورة وعنوانه الأصلي ( الإنجليزي غير المرغوب فيه ) ، وفعلا ً غدا هذا الرَّجل غير مرغوب فيه من لدن قومه الإنجليز ، وخصوصا ً لأنـَّه خرقَ وصاياهم بلزوم الاحتفاظ بمسافة بينه وبين أهل البلد ، وأخلَّ بتوجيهات الفئة الحاكمة في العراق كذلك ، ولأنـَّه ضَمَّنَ كتابه ( بابل الجديدة ) فصلا ً عن السَّلام الملكي العراقي ، فلمْ يكنْ له صدى حسن أو يغدو  موقع رضا واستحسان بعض المسؤولينَ والمتنفذينَ ، فألغوا العقدين ِ المُبْرَمَين ِ بينهم وبين ستيوارت وقرينه جون هايلوك . ووضعوا حداً لتجواله في الاحياء الشعبية ليتسمع ما يلوكه سواد الناس وبسطاؤهم من بذاءات وشتائم اذا تشاجروا واعتركوا، وتصير هي من (محفوظاته)، فما أروقها وألطفها من هوايةٍ.

       وفي مقالةٍ له عن ( الأدب العربي وهلْ هو قابل للتصدير ؟ ) ،يتحدَّثُ فيها عن العوائق والصعوبات التي تواجه المترجمينَ الغربيينَ ، فيخلص إلى أنَّ الغرب يتجاهل عموما ً الشِّعر العربي الكلاسيكي لأسبابٍ مختلفةٍ منها طغيان الشَّكل على المضمون في الشِّعر العربي بوجهٍ عام ، ومعنى ذلك اتسامه بالضَّحالة والسَّطحية ونزر الثروة الفكرية إذا قورن على صعيد وتراث سوفيكليس ، ومنها افتقاره إلى وحدةٍ تربط أطراف القصيدة ممَّا يألفه الرَّجل المثقف الغربي وريث آداب اليونان والرُّومان .

       وكذا يغلو دزموند ستيوارت ويكابر في إثبات حجَّته غير ملفٍ في تراث أبي العلاء المعرِّي وابن الفارض وابن عربي والكندي ، بعض الاستثناءات فيلفيه أملأ بالعمق والخصوبة والحكمة والنظر الفلسفي واكتناه أعماق الإنسان ، فهلْ تأدَّتْ مهمته الاستشراقية غاية ما يكون التأدِّي دسا ً وتشويها ً وافتراءً وتحريفا ً ؟ .
غير أنه اصدر بلندن عام 1960م مجلة متميزة بموضوعاتها بأسم (أصوات) استقطب للكتابة فيها جمهرةً من الادباء المرموقين ومعهم صفوةٌ لم يسمع القارئ العربي في العراق وأنحاء اخرى من ديارات العرب بما هم عليه من نبوغ وكفاية وتجويد في كتابتهم، وطويت بعد صدور بضعة اعداد منها ، وأبين ما نشرته فيها جملة اعمال قصصية للكاتب العربي السوداني الطيب صالح، ودراسة استطلاعية بخصوص منجزات الفنان جواد سليم كتبها صديقه جبرا ابراهبم جبرا، ومبحث غاية في الأسارة والجودة عن صاحب المثنوي جلال الدين الرومي بقلم احد المستشرقين، وآخر ما قرأته له في مجلة حوار إبان عام 1967م مقالةً عن مدينة القاهرة التي تعرف كيف تسهر ليلها.

شاهد أيضاً

علي چاسب*: رواية “رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم في أستحضار الغائب العراقي (ملف/63)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *