طالب الخزاعي : وفيقة السياب القديمة قصائد الشاعر تقدم الجواب (ملف/11)

إشارة :
“لميعة” البقية الثمينة الباهرة، وطنيةً وشعرا، لكن المغدورة – كالعادة – في بلاد القطة التي تأكل أبناءها: “لا أعرف لي منشأ غير الطين الرافديني في جنوب العراق ولا أعرف لي أصلا غير الجذور السومرية البابلية. أربع وعشرون سنة في أميركا لم تغيّر منّي شيئا ولم اشعر بانتماء حقيقي غير انتماء العراق” .. لميعة اللمعة الشعرية والجمالية والوطنية في ظلام العراق الخانق، علمتنا أن نشتاق لنهرينا العظيمين وفي بردهما الجنّة. تتشرف أسرة موقع الناقد العراقي بأن تعد ملفا عن شاعرة العراق الكبيرة “لميعة عباس عمارة” داعية الكتّاب والقرّاء إلى إثرائه بالمقالات والصور والوثائق. تحية لشاعرة العراق والعرب الكبيرة لميعة عباس عمارة.

وفيقة السياب القديمة
قصائد الشاعر تقدم الجواب
طالب الخزاعي

شاعرة عراقية بامتياز فهي تنحدر من سلالة إتخذت من الماء وهو أصل الحياة مكاناً لعبادتها وحياتها , وقومها من تلك الأقوام الموجودة بالعراق قبل أن يكون العراق عراقاً , ولأنها جنوبية فهي مترعة بالحنان الذي تستمده من بلل مياه الأهوار , وهي شاعرة حلقت في الفضاء طويلاً كطيور الماء في بلدتها الأولى .تعود أصول الشاعرة لميعة الى ميسان في جنوب العراق حيث أنشأ السومريون حضارتهم ,لكنها فتحت عينيها في بغداد حتى صار التبغدد جزءاً من حياتها تتمثله وتدافع عنه ,فكان أنتماؤها الى بغداد قوياً , بعد إن إغترب أبوها الرسام بعيداً عن العراق , وحين سعت أليه أدركته لكنه مات بعد شهرين من ذاك اللقاء , فعاد إنتماؤها الى العراق أقوى فصار هو الأب والأم والحبيب .

تشاء المصادف أن تنتزع هذه الشاعرة الرقيقة من العراق كنخلة أجتثت من أرضها , وهي اللصيقة بها حد الوله لتنبت في أرض غير أرضها وناس غير ناسها وسماء غير سمائها . تقيم الشاعرة لميعة اليوم وقد تجاوزت السبعين في أمريكا .

تعيش مثل نبت بري فتتذكر بغداد ولياليها فيها وأيامها مع السياب الذي كناها بوفيقة في قصائده حسب ما تعترف هي بذلك ويبدو أنه سلك طريقة الشعراء القدامى في عدم الإفصاح عن أسم الحبيبة . بدأت الشاعرة كتابة الشعر في وقت مبكر من حياتها منذ إن كانت في الثانية عشرة , وكانت ترسل قصائدها إلى الشاعر المهجري “إيليا أبو ماضي ” فهو صديق والدها المغترب هناك ونشرت لها مجلة السمير أول قصيدة وهي في الرابعة عشرة من عمرها وقد عززها بنقد وتعليق مع إحتلالها الصفحة الأولى من المجلة إذ قال ” إن في العراق مثل هؤلاء الأطفال فعلى أية نهضة شعرية مقبل العراق؟ ..” وتحقق توقع الشاعر وصارت تلك الطفلة شاعرة رائعة فيما بعد . عندما درست الشاعرة في دار المعلمين العالية صادف إن إجتمع عدد من الشعراء في تلك السنوات في تلك الدار, السياب والبياتي وسليمان العيسى وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم .

وكان التنافس الفني بينهم شديداً و وتمخضت عنه ولادة الشعر الحر الذي لا تكترث الشاعرة كثيراً في مسألة الريادة فيه .بدات بنشر قصائدها في الصحافة العراقية والعربية وكان أسمها يتردد بين شعراء تلك المرحلة .وممن أشاروا الى شاعريتها المستعرب الفرنسي البروفسور “جاك بيرك” فذكرها في كتابه الذي صدر بفرنسا عن الشاعرات العربيات فذكرها ونازك الملائكة وفدوى طوقان ..

فقال :

لميعة عباس عمارة شاعرة الرقة والجمال والأنوثة التي لا تنتهي لا تخلوقصائدها من لذعة, وهي حقاً كذلك كما إنها تتميز بالذكاء وسرعة البديهية , فحين كرمتها الحكومة اللبنانية بوسام الأرز تقديراً لمكانتها الأدبية لم تتسلم الوسام “لأن الحرب الأهلية قائمة ” وكتبت تقول :

على أي صدر أحط الوسام

ولبنان جرح بقلبي ينام

من يقرأ قصائد الشاعرة لميعة يتوقف عند ملمحين أساسيين .

الأول سعيها للتعبير عن إنوثتها امام الرجل بوصفه صنوها لا عدواً لها تحاول إستفزاز رجولته وإثارته والثاني هذا الأعتزاز بأنتمائها العراقي الواضح بعيداً عن المزايدات الوطنية و إنه التعبير عن ذلك الأرتباط الروحي بأرض تعرف مدى عمقها الحضاري وأصالته , وكثيراً ما تغنت ببغداد , فبغداد هي العراق , تقول :

لأن العراقة معنى العراق

ويعني التبغدد عزاًوجاها

ولتعلقها بلهجتها العراقية تستهل احدى قصائدها بمفردتين محليتين هما “هلا وعيوني ” فتغني لقرى العراق ومدنه وناسه وتجد كل شئ جميلاً فيه حتى قمر بغداد ترى إن له خصوصية وإن كان مشتركاً بين الجميع .أما سبق لحبيبها القديم الشاعر السياب أن قال ” حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق “

تقول لميعة :

“هلا “و”عيوني” بلادي رضاها

وأزكى القرى للضيوف قراها

بلادي ويملأني الزهو أني

لها أنتمي وبها أتباها

لأن العراقة معنى العراق

ويعني التبغدد عزاً وجاها

أغني لبغداد تصغي القلوب

وألفي دموع الحنين صداها

وإن قلت بغداد اعني العراق

الحبيب بلادي بأقصى قراها

من الموصل النرجسية أم الربيعين

والزاب يجلو حصاها

إلى بصرة الصامدين نخيلاً

تشبث من أزل في ثراها

وأسكنت نفسي أقصى البعيد

وقلت غبار السنين علاها

فما نستني عيون النخيل

ولا القلب والله يوما سلاها

وأعرف إنه قمر للجميع

ولكنه قمر في سماها

وصف الشاعر السوري شوقي بغدادي الشاعرة لميعة بأنها شاعرة الرجال , فقال :

إذا كان نزار قباني شاعر النساء فإن لميعة شاعرة الرجال . إن هذا الوصف لها وصف مناسب جداً لسيدة الشعر لميعة فهي مولعة بالرجل تصف شغفها وتعلقها به من دون تردد , وتحاول إستفزاز رجولته حين يكون غير مكترث , تقول لميعة :

ما زلت مولعة تدري تولعها

مشدودة لك من شعري ومن هدبي

من دونك العيش لا عيش وكثرته

درب طويل فما الجدوى من النصب

وهي تفصح عن هذا الغائب الحاضر الرجل ,وهو ربما كان حبيباً أو أباً لكنه الرجل .

عد لي صديقاً ,أخاً ,طفلاً أدلله

عد لي الحبيب الذي كم جد في طلبي

عد سيدي تلك دون الشمس منزلة

أحلى المناداة عندي سيدي وأبي

وفي توظيف لرموز دينية وتاريخية واضحة تشكو عذاب الحب ببوح جميل يقترب من الديالوج الداخلي لجرأة مفرداته كما في قصيدة ” رهينة الدارين”

يعلم الله إنني أتعذب

رهبة من مشاعري أترهب

لا تقل لي ” أحب “

هذا بعينيك إشتهاء

ونزوة

سوف تذهب

لست أيوب

لن تطيق وصالي

هو شئ من الخرافة أقرب

أن تراني وحشية التوق للحب

وتبقى معي الرفيق المهذب

أبعد الشعلتين كفيك عني

لا تلامس هذا الكيان المتعب

أنا رهن الديرين

أنساني الحرمان جسمي

ولذتي أن أصلب

تعمدت الشاعرة بمياه دجلة حيث ولدت في بغداد وترعرعت على مياه الفرات وبين هذين النهرين العظيمين شيدت مجدها الشعري ,وقد كانت شاعرة تمتلك من الجرأة والتمرد ما سبق عصرها وهي التي أكملت الجامعة في الخمسينات , تعيش هذه الشاعرة غريبة في الولايات المتحدة تلوك غربتها وحدها وكلما زارت بلداً عربياً قالت هذه فرصة أن لا أموت في إمريكا , هذه السومرية التي ما زالت تتميز بصوت أنثوي يمنح إلقاءها سحراً أخاذاً .

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

خزعل الماجدي: خطورة الشعر تأتي من سعيه لأن يكون البديل الدنيويّ للدين
حاوره: زاهر موسى (ملف/9)

إشارة : من المهم القول إنّ المشروع الشعري للمبدع والمفكر الكبير الدكتور “خزعل الماجدي” قد …

في ذكرى رحيله.. الشهيد الشاعر “رعد مطشر”.. نصوص (ملف/1)

رعد مطشر • من مواليد بغداد، عام 1963. • أغتيل في حادث مؤسف بتاريخ 10/5/2007 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *