ميساء نبيل عبد الحميد : الغربة والاغتراب في روايات (غائب طعمة فرمان) (ملف/11)

إشارة :
تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم.

رسالة تقدمت بها ميساء نبيل عبد الحميد إلى مجلس كلية التربية ـ جامعة تكريت وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها
الفصل الثالث
( المخاض)

دخل غائب في تجربة روائية جديدة بعد إصداره راويتي (النخلة والجيران) و(خمسة أصوات)، إذ كتب ملخصاً لمعاناته الشخصية مع الظروف ومع السياسة في داخل الوطن في رواية أسماها (المخاض)، وتعد هذه الرواية أكثر رواياته تعبيراً عن الاغتراب، وبالأخص عن حالته هو من بين سائر رواياته.
أصدر (غائب) رواية (المخاض) في عام (1974)، إلا أن أحداثها تجري بعد (ثورة 14 تموز 1958) وتحديداً خلال عام 1959، عندما كان على حد تعبيره: “الناس كلهم يتحدثون في السياسة”( ). فقد كانت تلك المرحلة تمثل مرحلة مخاض صعب ومعقد، سواء من الناحية السياسية أم من الناحية الإجتماعية، وتميزت بصراع الأحزاب على السلطة وتغييرات سياسية حادة. ذلك أن مجيء سلطة سياسية جديدة، في أسلوب حكمها وتوجهاتها وتوليها مقاليد الحكم في العراق، سرعان ما تبين للناس أنها لم تكن بذلك القدر من الكفاءة، بحيث تتمكن من تخليص الشعب العراقي مما كان يعانيه من مشكلات سياسية واقتصادية وإجتماعية، وهذا ما جعل (غائب) معبئاً بشتى تجارب المعاناة والتي أزاحها عن صدره بصبها في مجرى أحداث رواية (المخاض) حيث يقول: “في هذه الرواية قد سكبت، بالفعل، عصارة أعماقي حتى أن بعض المشاهد تعبير عن مونولوج داخلي: البطل الذي يتذكر فترة مكوثه خارج الوطن وكيف كانت تراوده المخاوف من الغربة”( ).
وقد صرّح (غائب)، في عدة لقاءات ومقابلات أجريت معه، بمدى إرتباطه بهذه الرواية، لاسيما من حيث خوض تجربة الاغتراب خارج الوطن، وتجرع مرارة المنفى، إذ يقول (غائب) عنها: “إذا كان لابد من أن تكون لي رواية تربطني بها صلة خاصة فهي (المخاض) – لأن ذلك متصل بالشعور بالمنفى”( ).
كما صرّح (غائب) بالدافع وراء كتابة هذه الرواية، مؤكداً صلتها به ومدى تعلقه بها، إذ قال: “في (المخاض) كان الدافع إحساساً في الغربة شعرت به يكويني”( ).
إن أحداث رواية (المخاض) تجري (زمانياً) في زمن حكم (عبد الكريم قاسم) وهي مرحلة أحدثت ضجة هائلة في أوساط المجتمع العراقي، أما من حيث (المكان)، فكما هو معروف عن (غائب) إن مسرح أحداث رواياته، يكاد يكون ثابتاً، وهو: (بغداد)، تلك المدينة التي طالما تعلق بها وسعى للتواصل معها، لكن هنا – في هذه الرواية، نلاحظ أن (غائب) عمد إلى المزج بين مدينته التي عاشت بين أضلاعه، وبين المنفى الذي يقع عقبةً في طريق بطل الرواية (كريم)، إذ يذكر (غائب) في هذه الرواية أزقة (بغداد) وشوارعها، وينتقل منها ليذكر أجواء بلاد غريبة، وشوارع أغرب في مدينة بعيدة كل البعد عن وطنه وهي (الصين).
ويمكن القول إن مسرح أحداث هذه الرواية يتوزع على أمكنة عديدة وهي تشمل:
1. (الجامعة) والمقصود بها تحديداً: جامعة بغداد اذ يعلن (كريم) مع زملائه الإضراب عن الدراسة في كلية (الآداب)، قبل أن يشرع في غربته، وحين يلتقي ببعض طلبتها بعد عودته من (الصين)، وهي (أي الجامعة) ذلك الحرم المقدس للعلم، والصرح الثقافي والحضاري.
2. (الوكالة) وهي مقر عمل (كريم) عندما كان يعمل مترجماً في (الصين).
3. (بيت السائق نوري) الذي يمثل البيت العراقي القديم، في أحد أحياء بغداد القديمة والضيقة، والتي يعيش فيها بطل الرواية (كريم) بعد عودته من بلاد الغربة.
4. بعض الأمكنة المقيدة التي ترغم بعض شخصيات الرواية على التواجد فيها، كالسجن والمعتقل.
أما مجال الأحداث فهو مفتوح غير مقيد، لأن قسوة ظروف بطل الرواية جعلته – يخضع للترحال وعدم الاستقرار، فبعد أن كان ملتصقاً بتراب وطنه العراق، اضطر للرحيل واللجوء إلى عدة بلاد، لحين إيجاده المستقر الثابت. وبذلك شملت رحلته التنقل عبر محطات عديدة: لبنان، وسوريا، ومصر، وصولاً إلى الصين، والأخيرة كانت محطته الأخيرة في رحلته السندبادية. ولكن (المكان) الذي ظلّ يشغل بال البطل الرئيسي في الرواية: (كريم) – كان (بيته) الذي فقده، غير ان تركيزه ما لبث أن تحول ليشمل (البيت الذي سكنه) بعد عودته من بلاد الغربة، وهو بيت (نوري) سائق سيارة الأجرة الذي نقله من المطار، والذي يمثل، أيضاً، أحد شخصيات الرواية الرئيسية.
تعد رواية (المخاض) رواية عن الاغتراب، والترقب، والحنين، واللهفة للوطن على نحو تام، وقد وظّف (غائب) تلك المشاعر في شخصية البطل (كريم)، وفي سلسلة الذكريات التي طالما تحيي فيه هاجس الإنتماء والوطنية.
وتتضمن الرواية شخصيات عديدة، مرتبطة مع بعضها برباطٍ وثيق، أغلبها تشترك في رحلة البحث عن الوطن الضائع أو المفقود لديها، فـ(كريم) الطالب في (كلية الآداب) هو الشخصية الرئيسية في الرواية، أو بطلها، و (نوري) – سائق سيارة الأجرة، وزوجته (هدية) ربة المنزل البسيطة، هما الشخصيتان اللتان تليان في أهميتهما شخصية البطل (كريم)، وهناك إضافة لذلك شخصيات أخرى ثانوية، تتداخل في أحداث مهمة تشهدها حياة البطل، أبرزها: صديقا (كريم) في العراق (مهدي) و(محسن)، رفيقاه في رحلة الكفاح والنضال السياسي، و(اسماعيل) الصحفي القادم من الأردن، وصديقتيه وزميلتيه في العمل، في المنفى البعيد، (آمنة) و(ماجدة) العراقيتين الأصل، المغتربتين عن وطنهما، وتضاف إليهما صديقته الصينية وزميلته في العمل، والتي تتشارك معه في أحاديث عن الوطن وإشعال فتيل الحنين له في قلبه المكوي بنار الاغتراب.

ولعل ما يجدر ذكره في هذا السياق، أن معظم أحداث الرواية، وحوارها السردي، يكاد ان يختصر بين شخصين أو ثلاثة، هي الأهم تواجُداً وحضوراً في الرواية، وتتمثل في البطل (كريم)، و(نوري) السائق، وزوجته (هدية).
تسرد لنا الرواية قصة شاب يساري مثقف يدعى (كريم)، ينحدر من أسرة ميسورة الحال، له شقيق واحد. وفيما كان (كريم) طالباً يواصل تعليمه في كلية الآداب دفعه وعيّه السياسي، وشعوره الوطني إلى خوض تجربة جديدة مع زملائه، اذ شاركهم في احدى المرات بإضراب جماعي عام 1954، وما لبث ان عادت عليه تلك التجربة بما لم يحسب له حساباً، إذ قررت السلطة فصله من الكلية، بل ومن الوطن أيضاً. الأمر الذي اضطره إلى السفر والتغرب، بسبب تدهور الأوضاع السياسية وعدم استقرارها. ومن ثم فقد بدأ برحلة مليئة بالمعاناة وألم الفراق، تعددت خلالها محطاته، وإنتهت في آخر المطاف بــــ(الصين). وقد أمضى فيها ستة أعوام من الاغتراب الخانق والحنين للوطن واللهفة للحظة الرجوع. وعندما حانت تلك اللحظة، بعد طول انتظار وترقب أرسل (كريم) رسالة إلى أهله في العراق يخبرهم فيها بموعد رجوعه. ولكنه عندما وصل إلى مطار الوطن الحبيب فوجيء بعدم وجود أي فرد من أسرته قبالته، فلا أحد يستقبله بأحضان دافئة، وزغاريد فرحة متشوقة للقاء ذلك الغائب العائد، فلا يجد مناصاً سوى أن يستقل سيارة أجرة، ليذهب إلى محلته وبيته ويفاجيء أهله بحضوره، غير مدرك أن (الوطن) يحمل له من المفاجآت ما لم يتوقعه، ذلك أنه حالما وصل إلى (محلته) حتى وجدها عالماً غير الذي شبّ عليه، فقد هُدمت بيوتها وإستحالت (المحلة) إلى فسحة واسعة يتوسطها شارع عريض تتجول فيه السيارات (وهذا ما حدث في الواقع مع غائب حين زار العراق في إحدى زياراته الأولى)، ولم يعرف (كريم) إزاء صدمة التغيير الحاصل في محلته ما الذي يتعين عليه فعله. فما كان منه سوى الركون إلى سائق سيارة الأجرة (نوري)، الذي كان بدوره يعاني من اغتراب سياسي، نتيجة لظروف السياسة الراهنة التي تخيم على البلاد، ويبدأ (كريم) رحلة اغترابية جديدة، لكن حاضنتها هذه المرة ليست (الصين) وإنما (وطنه – بغداد) – قلب العراق.
وبعد ذهاب وإياب، وسؤال لا يجد له جواب، يتطوع (نوري) أو يشرع بإنتشال (كريم) من حالة اليأس، والبؤس والاغتراب التي هيمنت عليه، ويقرر اصطحابه معه إلى بيته، ويعرّفه على زوجته (هدية)، ويهيئآن له في بيتهما غرفته وأجواء بيته الذي يفتقده ويفتقد أصحابه. ويسعى (كريم)، بعد أن توفر له مأوى شبه ثابت، إلى البحث عن خيط يوصله إلى أهله الذين رحلوا، أو رُحلوا، إلى مكانٍ آخر لا يعرفه ولا يجد أحداً يعرفه، فيلتقي بأصدقاء مرحلة النضال قبل رحيله، ويحاول التعرف على ملامح (بغداد) الجديدة، التي حلت محل بغداد التي فارقها واغترب عنها وظلّت في مخيلته يحلم بها أياماً وليال عديدة.
وتنتهي الرواية ببعض النهايات السلبية، منها إيقاف (نوري) السائق عن العمل، وذلك بسحب إجازة سوقه بأمر قضائي نتيجة حادث سير تعرض له وأصاب فيه فتىً يافع. يهيمن على (نوري)، جراء فقدانه عمله ومصدر رزقه، شعور بخواء هذه الدنيا. فبعد أن كانت مهنته تقطب جروح الزمن له، وتخفف عن معاناة حرمانه من حياة أسرية لم يحظ فيها لا بولد ولا تلد، فانها ما لبثت ان انتهت بشيخوخة حافلة بالتعاسة، جراء العجز والعوز، واجترار ذكريات قسوة الحياة.

أما بطل الرواية (كريم) فانه ينجح في التقاط رأس خيط لربما يوصله إلى عائلته المفقودة، في وطنه الذي صار غريباً عليه. إذ إنه يلتقي بأحد أبناء محلته القديمة، صديق أيام الطفولة ويتشبث بتلك الطفولة، علّه يجد مواطن الذكريات الخالدة في مخيلته المزدحمة بشتى الذكريات.

والواقع، انه مما يلفت الانتباه ان (غائب) قد أظهر من خلال أحداث الرواية، ومسار حياة الشخصيات فيها، بعداً سياسياً واضحاً، حين بيّن ما تسببه السياسة من معاناة وتدهور ظروف الحياة والأحوال المعيشية للشعب الذي يخضع لقرارات لم يشارك في اتخاذها، أو لم يقتنع بها، ووقف أمام واقع سياسي مفروض عليه. ومن خلال ذلك عبّر عن الانعكاسات السلبية للسياسة على المثقف العراقي، وحاول من خلال ذلك إبراز وطنية الفرد العراقي وانتمائه لوطنه ومدى تأثير ذلك في حياة البعض ولجوئهم للاغتراب خارج الوطن، ثم الحنين للوطن وشدة الانتماء التي تدفعهم للرجوع إلى الأرض التي تركوها، بقناعة أو مجبرين على تركه، ولاسيما عندما تتسع رقعة الاغتراب لتشمل خارج الوطن وداخله، فبطل الرواية (كريم) هو من أولئك الذين عانوا من مرارة المنفى وتجرعوا الاغتراب، على مراحل متتالية، خارج الوطن وداخله، وخلال رحلتهم السندبادية المستمرة دون توقف، بل وحتى وصولهم إلى محطة انطلاقهم الاولى – الوطن الأم.

ولنحاول، الآن، التعرف على الشخصيات الرئيسية للرواية، وأولها، (كريم داود).
هو شاب مثقف، متعلم، نشأ وتربى في بغداد، في حي بسيط وبيت قديم، ينتمي إلى عائلة ميسورة الحال، مؤلفة من أب وأم وصبي آخر شقيق له. يتميز (كريم) بحبه لوطنه وانتمائه الشديد له، وذلك كان سبباً لرحيله عن مواطن الأحباء، والتعرض لقسوة المنفى والاغتراب، فقد كان (كريم) طالباً في (كلية الآداب) وشارك في إحدى المرات باضرابٍ طلابي مع بقية زملائه، ظناً منه بأنه قادر على إحداث تغيير، أو فارق، أو نيل مبتغى، الا ان الاضراب الذي شارك فيه ما لبث أن خاب ظنه فيه، إذ تعرض نتيجة لاشتراكه به للفصل من الكلية، بعد إعتقاله، الذي يتذكره غالباً بتفاصيل مكان الإعتقال: “فتح الباب الحديدي المشبك، ودخلت الساحة الصغيرة، وقفل الباب من دوني. أنا أعرف هذا الموقف أيضاً بحجراته الثلاث المطلة على باحة صغيرة؛ حجرتين كبيرتين متجاورتين إلي يسار الداخل، وغرفة صغيرة في أقصى الجانب الأيمن قرب المرحاض والمغسلة”( ). وبعد ما مرّ به (كريم) من جراء الإعتقال، اضطر إلى مغادرة (الوطن) والابتعاد عن الأهل وعن مواطن الذكريات الملونة، بادءاً رحلة متعددة المحطات، لا استقرار فيها بدأت بـ(سوريا) وأفضت إلى (لبنان) ثم إلى (مصر) وانتهت بـ(الصين). وفي تلك المحطة الأخيرة بدأت حياة (كريم) في المنفى البعيد، والتي دامت ستة أعوام مليئة بمشاعر الاغتراب والحنين والشوق للوطن ولأهله الذين يفتقدهم في كل حين.
حاول (كريم) قدر الإمكان، التأقلم مع واقعه الجديد والتكيف مع تفاصيل المجتمع الذي يحيط به ويختلف تماماً عن المجتمع الذي شبّ عليه. فقد تعرف إلى أصدقاء جدد، ووجد عملاً بسيطاً، خلف آلة كاتبة، يطلق ما يضيق به صدره على مفاتيحها، محاولاً خلق سبب يعينه على الاستمرار. لكن محاولاته من أجل التأقلم مع ذلك الواقع المفروض عليه باءت بالفشل، ذلك أنه كان يشعر دوماً بالاحباط والاغتراب، وبتوغل اليأس إلى صدره، وكان يشكو حاله هذا إلى صديقة صينية، تعرّف إليها في غربته تلك، كانت تستمع إلى شكواه بآذان صاغية:
“- حدثني من فضلك؟ ماذا أنت في وطنك مناضل أم شقي؟
– مناضل؟ هذه الكلمة في وطني تستحق قص الرقبة. كنت متذمراً فقط.
وقد اضربت مع الطلاب على قضية اعتبرتها عادلة فطردت من كليتي.
– وبعد ذلك تركت وطنك؟
– لم أتركه أنا، بل هو الذي تركني.
– وأين كنت قبل ذلك؟
– أتسكع على أبواب العمل في لبنان ومصر”( ).

كان الجلوس في المقهى هو الملاذ الوحيد لـ(كريم) والذي ينفس فيه عن ما يعتريه في تلك الأرض الغريبة عنه، وكان البعض يجد في جلوس (كريم) هناك مضيعة للوقت وهو في غنى عنها: “…. يا آنستي الصغيرة ليست المقاهي دائماً مضيعة للوقت، بل هي محطات للراحة وتماسك الأعصاب…. ألم يقولوا لك إنني أقفز مثلهم على طول الخط العام….”( ).

عاش (كريم) حياةً لم تنعم يوماً بالراحة أو الإطمئنان، فهو لم يتوقع بأنه سيعاني كل ذلك حين يغادر العراق “… وأحسست بالسوداوية تملأ جوانحي وانزويت مفكراً. من أنا؟ وأين أنا؟ ولماذا أنا هنا في مهرجان المرح والغبطة؟ بينما أنا في أعماق نفسي تعيس، حزين، مشرد، تفصلني عن بلادي آلاف الأميال” ( ).
لم تكن تؤثر فيه حتى المناسبات المفرحة، أياً كانت المناسبة، فذلك الشعور بالحرمان من الوطن والأهل وبُعد المسافة عنهم كان يفتك به ويبعده عن الأخرين:
“فتشت في زوايا ذهني عن أغنية لبلادي، طليقة كفيافيها حارة كشمسها، رفرافة كمياهها الثرة، صداحة كعصافيرها. ولم أجد في تلك الزوايا غير نشيد (نحن الشباب)… وصفقوا لي مجاملة. وسألني جاري ان أغنيتك تفيض بالثورة والحماس والحزن. قلت له: تلك هي أغانينا لا تعرف المرح ولا الفرح. وحقدت على نفسي، هل أن بلادي لم تعلمني أغنية فرحة أم كنا نعطي كل مداركنا للعمل؟… كوننا نعيش في مجتمعٍ مقهورٍ مأزوم”( ).

وما لبث (كريم) أن قرر إنهاء معاناته في ذلك العالم الغريب عنه، بعودةٍ كان يرتقب مجيئها بفارغ الصبر، فكتب، بكل عاطفة متقدة، رسالة يبشر بها أسرته بمجيئه للوطن، وحين عاد ولم يجد أحداً ممن كان يتوقع مجيئهم لإستقباله اهتز كيانه، لكنه برر تخلفهم عن المجيء، واستقل سيارة أجرة، وإتجه إلى مواطن الذكريات التي طالما حنّ إليها وإلى ساكنيها. ولكنه حين وصل شعر بإرتجاج في كيانه المعذب، فما كان يحلم به تهدم، ومن كان يرجو لقاءهم رحلوا ولم يبق منهم أي أثر ولا دليل، سوى مكان عام فيه شارع عريض تمر عبره السيارات. لا بيوت، ولا ناس، ولا أصحاب، ولا ذكريات، كلها أصبحت سراباً في سراب، ولكن لحسن حظه كان سائق سيارة الأجرة (نوري) ذو قلبٍ رحيم وعاطفة لا تصدق، فلم يترك (كريم) وحده ضالاً في بلادٍ توقع أنه سيتعرف عليها ويمتزج بها، لكنه اضطر أن يبيت في مكان غريب في وطنه الذي عاش في روحه وخياله طوال سنوات غربته الستة:
“والموجع أنني سأقضي ليلتي الأولى في وطني وحيداً في فندق عفن. ذلك عكس توقعاتي. كنت أتصورهم سيرضون عني عائداً محملاً بالهدايا.. ماذا كسبت من الغربة؟… ورأيت سوداويتي الشمطاء أمامي… استمعت بتلذذ أكثر إلى لغتي الجهيرة وهي تعربد في أفواه السكارى”( ).
لقد شعر بالندم على غربته، وعلى سنوات البعد التي أنهاها بعودة لم تقلل من معاناته وإنما زادتها تعاسةً وحزن ويأس، ولكنه نظر إلى جانب مشرق واحد فيها، وهو شعوره بالإنتماء الذي صار شعوراً خالداً في وجدانه، وتلك الغربة هي التي روتها وساعدتها على الخلود والبقاء، وهذه كانت، في نظره، الإيجابية الوحيدة لغربته:
“غربتي؟ ليست غربتي كلها شراً وقطيعة لقد تعلمت منها الشيء الكثير. فهي على الأقل جعلت للوطن في عيني معنى لم أعرفه طوال حياتي على أرض الوطن. وهو الإنتماء. كنت أحس وأنا على بُعد آلاف الأميال، بأنني منتمٍ إلى قطعة أرض، هي التي خلقتني وجعلت لي هذه البشرة، وهذه اللغة، وهذا المزاج، وهذه العادات وهذه التطلعات وهذه العيوب وأنا لابد عائد إليها يوماً… وها قد عدت…”( ).
ولا تلبث الذكريات تبدأ بالتضارب في خيال (كريم)، فيشرع بترتيبها بحنينٍ عارم، جاعلاً منها خريطة تعريف، يتعرف من خلالها على وطنه الجديد وعلى ما طرأ عليه من متغيرات وتجديدات:
“آه يا بغداد الصباح! أتذكرك الآن. كنت رطبة لامعة كزيتونة. شوارعك مبتلة، مجدرة بالأقذار. بيوتك مثل أفران مهجورة. وكانت مجموعة عجيبة من الأدخنة تتصاعد فيك، وكأنك عروس زنجية تتطيب في صباح دخلتها بألوان من البخور. أدخنة. أدخنة. أدخنة في كل مكان، منظورة، مسمومه، محسوسة، وكان الصمت الصباحي يغلف وجوه الناس… بغدادي كلها أسواق، ودكاكين تتثاءب، تفتح أجفانها أمامي. تقذف روائحها البائتة في وجهي. رائحة غبار طازجة، جنفاص بهارات. حنطة شعير… والناس يأكلون بنهم على الأرض أو وقوفاً، يا بغداد الأبخرة والقدور والصحون والأفواه والسعال ومغاسل الأيدي الفواحة برائحة صابون (أبو الهيل) هل تذكرينني”( ).
فيما كان (كريم) غارقاً في حل لغز المتاهة المتمثل في شوارع وأزقة بغداد جاء (نوري) سائق سيارة الأجرة التي استقلها (كريم) في المطار، لينقذه من حالة اليأس التي أحيت الأمل في عينيه المتلهفتان للوطن وما فيه، إذ اصطحبه معه إلى بيته البسيط الواقع في منطقة (حمام المالح) الشهيرة بضيق أزقتها، وفقر ساكنيها، وتاريخها العميق والقديم، ويستجيب (كريم) باستسلام لدعوة (نوري) الذي يعرفه بزوجته وكأنه جاءها بإبنٍ لم تنجبه هي: “جئتك بابن لك، عوضاً عن الذي لم ير الدنيا…”( ).
يتشارك (كريم) مع (نوري) السكن في البيت ذاته، الذي يتألف “من غرفتين يتوسطهما إيوان استخدم نصفه مطبخاً، وإمتلأ النصف الآخر بتخت عريض بلا ظهر، ولكن بمنكبين جانبين، أما الغرفة التي سوف يسكنها فهي مرتفعة عن الأرض، ولها شباكان، كبيران، مضاءة إضاءة رائعة، في ضلعها المقابل خشبة طويلة، تبدو كباب قديم، منصوبة على أربع قوائم من الحجارة، وكانت تشبه السرير، أرض الحجرة جافة تلوح بلاطتها المربعة بارزة، لابد أنها غسلت البارحة، ومن السقف المصفوف بالألواح يتدلى سلك كهربائي، كانت نهايته خالية من المصباح”( ).

الآن وجد (كريم) مستقراً ثابتاً، يلجأ إليه بعد كل نهار ينهيه بالبحث عن أسرته المفقودة، التي اختفى أفرادها بلا دليل يشير إلى مستقرهم الجديد، وهذا ما جعل شعوره بالاغتراب لا يبارح مكانه في وجدانه:
“والآن أعيش في بيت ليس في جدرانه صدى ذكرياتي، تماماً مثلما كنت في كل البلدان التي تسولت فيها طلباً للقمة خبز، أو نفس من دفء”( ).
في كل مرة يتذكر فيها (كريم) سبب غربته ومعاناته فيها كان يبررها بالعودة للوطن، لكنه الآن يشعر بالمشاعر ذاتها التي حلم بالتخلص منها حين تطأ قدماه أرض بغداد:
“كنت أستجدي خبز العطف هناك، أتدفأ في مواقد لم أشارك في إشعال نارها، أبسط يدي في خوف وارتجاف على نار لم توقد لي. أليس هذا هواناً. صعلكة، تسكعاً، صعلوك خاوي اليدين، خالي القلب، مسحوق الفكر… تسكعت بما فيه الكفاية وزيادة على الكفاية، والآن أتسكع في وطني أيضاً منبوذاً وبلا جذور”( ).
في إحدى جولات البحث عن الأهل المفقودين، والتعرف على الوطن والتجديدات الحاصلة فيه، يلتقي بصديق النضال القديم (مهدي عبدالصمد) الشاب الثوري المناضل، ويتعرف من خلاله على مجموعة من طلبة الجامعة، وينصت إلى نقاشاتهم السياسية التي أوضحت الوضع السياسي القائم آنذاك في البلاد.
ويظهر اغتراب (كريم) السياسي في حواراته مع تلك المجموعة بعد أن عرّفه (مهدي) بهم، ويظهر الحوار اغتراب الشباب المثقفين عن سياسة بلادهم وسخريتهم من مسار حكمه:
“- الأخ كريم مفصول في العهد البائد.
– ولا يزال؟
– لم تنحدر جمهوريتنا إلى هذا الدرك بعد.
– ستنحدر يا سيد مهدي، ستنحدر، هناك طالب في زنزانة الإعدام.
– سينتصر الشعب في آخر الأمر.
– لقد انتصر الشعب… كم مرة سينتصر؟…
– …
– الجمهورية كلها تٌسلَّم لغير أصحابها، بقي كتاب سلمى الهزيل؟
– …
– قبل ستة أشهر كانوا يتغطون بـ(اتحاد الشعب) والآن؟
– بجريدة (الثائر)”( ).
وحين يظهر اختلاف (كريم) عنهم في إدراك الأحوال السياسية الراهنة يوقظه (مهدي) بصراحة موجعة:
“…. يجب أن تعود إلى ذكرياتك الأصيلة هنا في تربة الوطن ولو كنت لا تعرف أين قذف بأهلك هذا الوطن….”( ).
إن اللقاء الذي جرى بين (مهدي) الهارب من النظام ومن أخيه، وبين (كريم) أحدث هزة نفسية لدى الأخير مما جعلته يفكر بما قدمه للوطن وبذنب التقصير تجاهه، فضلاً عن اغترابه الذي كاد يخنقه ويقطع الهواء عن رئتيه:
“وفي اللحظة التي فارقته إنتابي خجل وهوان حاد كنوبة جافة من الإنهيار العصبي. وكأنني حكيت له قصة تسولي من بلاد الآخرين”( ).
كما يتعرف (كريم) على صديق آخر يدعى (إسماعيل) وهو صحفي فلسطيني من الأردن، وبغيره من الأصدقاء الذين لم يشعروه بالراحة التي يفتقدها في وطنه وها هو يمضي اسبوعاً حافلاً من اللقاءات، واسترجاع الذكريات، والبحث عن المفقود دون جدوى في إيجادهم:
“في مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضي دخلت بغداد من مطار لم يستقبلني فيه أحد، تماماً مثل المطارات والموانيء الأخرى التي كنت أنزل فيها وحيداً في سنوات التشرد… لم أجد شيئاً مهماً خلال هذا الأسبوع، جولات… ورؤية بعض معارفي القدامى، كنت لا أود أن ألتقي بهم في الغالب… وبعضهم قال: لو بقيت هناك أحسن…”( ).
لقاءه بأصدقائه فتح عليه باب ألم حلم في إغلاقه برؤيتهم لكنه جوبه بما لم يتخيل مجابهته بعد غربته المكانية:
“وأشعرني ذلك بالغربة أكثر مما أشعرتني الغربة نفسها. فكنت أنزوي في مقهى أو أرتمي عبر دروب جديدة مسترجعاً حياتي في الوطن، وفي الغربة أن الناس كبروا والزمن شاخ أكثر من ستة أعوام… والحياة… لا تعرف ماذا يضمر لها المستقبل… وأخذت أنا أيضاً أترقب مثلهم. إن الإحساس الذي منيت نفسي به في الماضي الإحساس بالاستقرار والطمأنينة، ونسيان ما حدث لي في غير وطني، هذا الاحساس قد أفلت مني مثلما يفلت زورق من يد انسان وهو على الشاطيء… وأعيش على توقع شيء سيحدث لي… ويضعني في موضعي المفقود في مجتمعي. كنت أتعجب كيف تستطيع ستة أعوام من الغربة أن تقطع هذا القدر من الوشائج”( ).

بدأت ذاكرة (كريم) تفيض بذكريات يغلفها الحنين لبغداد وأماكنها جاعلاً من تلك الذكريات وسيلة نجاة من اغترابه ويأسه وتعاسته:
“حاولت أن أتذكر الأزقة التي خلفتها قبل ستة أعوام، كان هناك زقاق القصابين، تليه عرصة السكراب… رأيت دكاكيناً لا أظن أنها كانت موجودة يومئذ، وحيطاناً جدتها واضحة، وأبواباً جديدة، وشبتارات من ألوان غير مألوفة لي. شربكة ومتاهة لو أعرف لها رأساً من عقب، أطلال من يلتفت إليها قلب مني ولا عني… والساحة التي أمامه ليست بالساحة الرحبة التي كنت أتذكرها، غريبة علي تماماً، ومخنوقة برائحة التراب والخراب والقدم…”( ). ويبدأ بالمقارنة بين بغداد القديمة والجديدة التي لم يندمج معها بعد:
“… فرأيت سينما الزوراء قد حول إسمها إلى سينما الشعب، ومقهى المربعة قد أحيط بسياج حديدي قبيح. إلا أنني رأيت الحلاق الأرمني القديم…”( ).
وتكاد الحيرة، وقلة الحيلة، ووسائل البحث، تثبط من عزيمته في إيجاد اسرته التي غدر الزمان بأفرادها وشردتهم الظروف وألقت بهم إلى زاوية أخرى من زوايا مدينة بغداد لا يعرف إتجاهها. وهذا جعله يشعر بالسخرية من نفسه حين يفكر في حالته:
“… في بيروت قرأت أن للعراق في كل يوم ثورة، فلعل إحدى هذه الثورات قذفت بأهلي إلى شارع أعرض، وأقل قذارة من الأزقة التي تربيت فيها. ولكن كيف أجد هذا الشارع الملعون؟… أعلن في الصحف في الإذاعة؟ شاب في الثلاثين من عمره يبحث عن أهله والرجاء الإتصال بفندق الثورة!”( ).

رغم حسن معاملته (نوري) وزوجته (هدية) له، إلا أن (كريم) مازال يشعر بالحنين لوجه تلك المرأة التي تفاءل بقسماتها، وهونت عليه الكثير في حياته، والدته التي يتحسر ويتلهف لرؤيتها، هي وبقية أفراد الاسرة، لكنها تحتل المقام الأول، ويشبه بها كل إمرأة تلتقي بها عيناه، في رحلته للبحث عنها:
“كنت أقوم بجولة تائهة في حي من أحياء بغداد القديمة. وقد فضلتها على الجديدة… ما من ثورة قادرة أن تقنع أمي بالسكن في أطراف بغداد… وكم رأيت من نساء شبيهات بأمي، يجلسن على الأرض، أو يعالجن موقداً، أو يملأن قدراً من الحنفية، أو يكنسن الأرض…”( ).

وفي نهاية المطاف يلتقي (كريم) صدفة بإبن محلته القديمة، والذي يدعى (عدنان) وهو جندي، ومن شدة فرحه وغبطته لم يدر كيف يتصرف، أو ماذا يفعل، سوى أن يخبر صديقه الصحفي (اسماعيل) قائلاً: “اسماعيل هذا رجل من محلتي المفقودة”( ). مختزلاً في هذه الجملة شدة وعمق تعلقه بالمحلة القديمة وبالانتماء للوطن وما فيه من دوافع للإنتماء. وخلال محادثة أجراها مع ذلك الصديق القديم الذي بدا أنه من المنتفعين من النظام الجمهوري، يطرح (كريم) رأيه في السياسة والثورة بكل نضج وإدراكٍ سياسي، بعكس نظرته أيام تلمذته في الكلية:
“الفرق في فهمنا للثورة… أنت تعتبر الثورة ولادة تأتيك بالوليد سليماً جميلاً، لا كلفة ولا آلام ولا مشارفة للموت، فتلبسه أنت الثوب الذي يحبه، المعد له سلفاً. أما أنا فأعتبرها مخاضاً، وفي حالتنا مخاضها عسيراً، كل شيء تتوقع منه الآلام، الدموع، الدماء، معانقة الموت، وقد يأتيك الوليد سليماً أو كسيحاً أو حتى ميتاً”( ).

وإلى حين يفلح (كريم) في العثور على أسرته، فانه يبدو مقتنعاً بأمرين لا مناص منهما:
أولهما: الاستمرار في البحث، مع إستمداد الطاقة من ذكرياته معهم والاقتناع بالظرف المفروض عليه:
“… ولأنني مطرود من مائدة الحياة فسأظل أعيش على قمامة الذكرى… أنبش عن ذكرى القتها الحياة في مزبلتها مزبلة. وإلى متى تعيش على المزابل؟ تجعل مهدي يقرعك وكأنك يتيم أتى ذنباً. يجب أن تندمج يا كريم”( ).
وثانيهما: التكيف مع الواقع، والحرص على عدم الإنجرار لخوض تجربة سياسية على غرار التجربة التي خضع لها وغيرت مجرى حياته تماماً:
“… وأنا حتى الآن لا أحس بشيء ثابت حولي. ثورة، جمهورية، مشاريع، أحلام توقعات. عناوين جبارة في الصحف…”( ).

والشخصية الرئيسية الثانية، في الرواية، هو (نوري)، الذي يشغل حيزاً مهماً في فضاء الرواية، وخلال مسار أحداثها. ويمكن القول انه يمثل نموذجاً للفرد العراقي البسيط، الذي يعيش حياةً ملؤها الكدح والشقاء من أجل الحصول على لقمة العيش، تلك المسيرة الشاقة التي تبدأ بشباب مفعم بالأمل والحيوية وتنتهي بشيخوخة مبكرة حافلة بالآهات والحسرات وآلام السنين الماضية:
“كان نوري في الثلاثينات ملكاً (غير متوج) كانت له كل عام سيارة جديدة، وكانت السياقة رزقه وغرامه الذي لم يفتر ساعة، لم يتخذ السياقة سلماً لجمع المال، وللتدرج في السياقة ليصبح صاحب سيارات يستخدم السواقين الآخرين.. كان الجلوس وراء الدفة، وتحمل المسؤولية عن أرواح من يجلسون معه هما غاية المتعة عنده”( ).
يعمل (نوري) سائقاً لسيارة أجرة، وهو متزوج من امرأة تدعى (هدية) لم تنجب له أولاداً، فعمد إلى تعويض حرمانه من الخلف خلال عشقه لمهنته التي تعلق بها شديد التعلق، والتي كانت سبباً في شيخوخته المبكرة، لكنه كان مقتنعاً بمصيره، مستهدياً في حياته بحكمة موروثة مفادها: “البلام إذا مات على الشط وهو يبحث عن رزقه خير له من أن يموت في فراشه…”( ).

يعد (نوري) شاهداً على التطور الذي عرفته الحياة في المجتمع العراقي. فهو من أوائل سائقي سيارة الأجرة، وبعد أن كانت حياة الناس وتواصلهم تعاني من صعوبات وتعقيدات، صارت أكثر سهولة ويسراً بوجود تلك العربات ذات العجلات الأربع والتي بدت له منسجمةً مع ميوله المهنية، ومتوافقة مع بعض رغباته “فجاءت السيارات نعمةً للأحياء والأموات”( ).

وهو ذو شخصية فريدة من نوعها، إذ انه علاوة على حبه لمهنته، تعلق بالمقود الذي يمسك به غير حافل بما سيلاقيه من مخاطر في الطرق التي يقطعها، شغوفاً بالمجازفة والمغامرة وهو ما كانت زوجته (هدية) تعده أمراً ينطوى على المبالغة إلى حدٍ ما: “… نوري يحسب نفسه عنتر بن شداد، اللي يسمعه يقول حياته عدلة مثل الميل في العين… بس السوالف اللي جابت له البلية، وجعلته سائقاً عند الناس، بينما كان من أول أصحاب السيارات في بغداد…”( ).

لم يساور (نوري) شعور الحرمان من عاطفة الأبوة إلا بعد أن التقى بكريم واصطحبه للعيش معه ومع زوجته في بيته البسيط. ومن خلال الحوارات التي جرت بينه وبين (كريم) أفصح عن غربته السياسية وعن رفضه للسلطة القائمة في بلده، ومعارضته للسياسة التي تمارسها في إدارته:
“… حتى القتل الذي تراه اليوم تعوّد. نحن العراقيين تعودنا عليه من زمان، ومن زمن الحجاج الذي رأى رؤوساً أينعت وحان قطعها…
– تعصب!
– لمن يتعصبون؟ للشمر؟
– كل انسان يجر النار لخبزته.
– وخبزة الفقير مع من؟ أريد أن أسألك بالله.
– مع الجمهورية يا عم نوري.
– أنا لا أعرف جمهورية ولا بطيخ… أنا أعرف الناس اللي عندهم، واللي ما عندهم… الجمهورية هذه حجة، اسم، قطعة… قل لي، أسألك بالله من بكى على الوصي؟
… الجمهورية اسم، قطعة معلقة، غدا الموجودون في الجمهورية ينقلبون، تنقلب وياهم… يعني نحن اليوم مثل البارحة”( ).
ويبدو ان الوضع السياسي المتدهور الذي يهيمن على البلد قد أوصل (نوري) إلى قناعة تامة بأن السلطة الحاكمة لا تستحق سوى النكران وعدم الاعتراف بها، الأمر الذي فاقم من شعوره بالاغتراب السياسي حتى انه بلغ أبعد مداه:
“كان بامكانهم أن يقولوا: سر بنا في الطريق الذي تعرفه! صحيح نحن حكومة. ولكن لا نفهم في هذه الأشياء. يعني راح تنقص هيبة الحكومة إذا قالت ذلك لسائق؟ ولكن الحكومة حكومة في كل مكان وزمان تحكم وإلا ما سموها حكومة. من ذلك اليوم فكرت: ما راح أعرف الحكومة، ولا هي تعرفني. هي تمشي بدربها وأنا أمشي بدربي”( ).
لم تحل قناعات (نوري) السياسية هذه دون تورطه يوماً في مشكلة غيرت مسار حياته.فقد حدث أن دهس يوماً راكب دراجة وقذف به على بُعد أمتار منه، فبادر إلى نقل المصاب، ويدعى (ياسين) إلى المستشفى، فيما قررت الشرطة حجز (نوري) في سجن (السراي) وعندما مثل أمام المحكمة، والتي جاءها حاملاً الفتى المصاب على كتفه بعد أن قدم اعتذاره وتأسف من المصاب: “سامحني يا بني أنا الملعون إلى يوم القيامة”( ).
لم يتقدم الفتى بشكوى، لكن الحق العام أخذ بطائلته منه:
“حكمت المحكمة بغلق القضية، على أن يبقى الحق العام، وهو يقضي بأن تسحب من السائق (نوري حسين) إجازته لشيخوخته وضعف بصره”( ).
وبفعل الحكم الذي نطق به القاضي، خيمت التعاسة والمرارة على حياة (نوري) حتى أن (كريم) غالبه اشفاق شديد عليه، وأخذ يصف حالته وما آل إليه، مختصراً مسيرة حياته في كلمات قليلة يصف بها لصديقه (اسماعيل):
“يبدو أنه تعبان..
إنها الشيخوخة (يا اسماعيل) مثله في البلدان الأخرى يتقاضون تقاعداً. أما هو فلا أعرف أين ستذهب زوجته إذا توفي. انه صندوق معبأ بالحكايات. هذا كل ما كسبه في عمر طويل قضاه في شق الطرق للناس. خمسة وثلاثون عاماً قضاها في دروب العراق الترابية الوعرة الباهتة المعالم ينقل الناس، ويبشر بعالم الحضارة التي نتحدث عنها يا (اسماعيل) ولم يحصل من ذلك إلا على شيخوخة موحشة تتدفء بالذكريات ولا شيء آخر. لا مال، ولا أولاد ولا جاه لدى الناس ولا شيء غير ذكريات حياته”( ).
وكانت خاتمة ما آل إليه حال (نوري) هي العجز، والشيخوخة، بعد أن كان، في مقتبل حياته يضج بالعنفوان والقوة والشباب، حتى لكأنه (عنترة بن شداد) كما كان يتراءى في عين زوجته (هدية).

فضلاً عن الشخصيات الرئيسة التي ذكرناها، فإن رواية (المخاض) تشتمل على بضعة شخصيات أخرى – ثانوية، لعل أبرزها شخصية لها حضورها إلى حد ما في سياق الرواية وهي شخصية (مهدي عبدالصمد) أحد أصدقاء (كريم) القدامى في العراق، وهو مهندس منتمٍ إلى (الحزب الشيوعي) ومعارض للحكومة القائمة، ولكل اجراءاتها السياسية واسلوبها في الحكم، فهو يجد في نفسه صوت الشعب، الذي يفترض أن يسمعه كل الساسة.

يتميز (مهدي) بكونه شابا” متشبعا” بالسياسة، أو بالأحرى أن السياسة هي المحور الرئيسي في حياته، وشغله الشاغل الذي يصب فيه إهتمامه كله، لإعتقاده بأنه إذا ما تحسنت الظروف السياسية فستتحسن غيرها من الظروف الإجتماعية والإقتصادية، لأنها سلسلة متصلة ببعضها، تتأثر وتؤثر ببعضها البعض، ويصف (كريم) صديقه (مهدي) ومن هم على شاكلته من الشيوعيين بأنهم ذوو إمكانيات سياسية وشخصيات تتفوق بالكلام والكلمات التي تنطقها وإن لم تتسنم منصباً ما:
“… هؤلاء صنف من الناس يجيدون التحدث عن الأشياء الكبيرة المذهلة حتى لتخجل أن تفوه أمامهم بهمومك الشخصية… وتذكرت بعض كلمات مهدي وقلت لنفسي: إن هؤلاء الشيوعيين أساتذة في أن يجعلوك تخجل من نفسك. كنت أفكر بمهدي عبدالصمد. يقطعون عليك جميع السبل ويضعونك بالمصيدة مثلما فعل معي اليوم”( ).

والواقع أن (مهدي) انسان ثوري فار من خصمين؛ من أخيه الذي يريد قتله لأسباب لا يعترف بها:
“- أنا لا أفهم لماذا يريد أن يقتلك أخوك…
– الجميع يريدون أن يتخلصوا منا في أقرب وقت ممكن”( ).
والخصم الآخر متمثل بأزلام السلطة وجهازها الأمني والذي يتعقبه لأنه يتراءى له يشكل خطراً على سياستها ومسيرتها بسبب إنتمائه إلى حزب خطر معادي:
“اسمع يا كريم، أنا رجل شيوعي، وأنا لا يمكن أن أتصور نفسي خارج الحزب. لا، يعني هذا موتي، سأكون مثل سمكة على الرمل… ولكن أحس أن هناك خطأ في الموضوع، خطأً جسيماً نحن واقعون فيه ويجب أن نبادر إلى تصحيحه وإلا فسيهلكنا. سنذبح ذبح الخراف”( ).

وثمة شخصية، ثانوية، أخرى، لها حضورها في سياق الرواية هي شخصية (محسن) الذي هو أحد أصدقاء (كريم) والذي تعرف عليه في القاهرة، وكان من الأشخاص المتفائلين الذين يخففون عنه آلام الاغتراب وفراق الأحبة والوطن، لكن حاله ما لبث أن تغير بتغير الأحوال السياسية في القاهرة أولاً، وثم في العراق ثانياً، اذ عمد إلى إعادة بناء شخصيته ومراجعة مبادئه في الحياة، إذ صار لا يكترث لها، وغدا إنساناً مادياً لا يهتم إلا بمظاهر الأمور، بعد أن كانت جواهرها فقط هي التي تستقطب اهتمامهُ وتفكيره:
“… وزفر، وأحسست بأنني أمام شخص آخر غير الذي كنت أعرفه، محسن العابث الضاحك، الفرح بالحياة، الذي عاشرته في القاهرة. كان يخفف عني الكثير من تعقيدات الحياة قائلاً: لا تستعجل كل شيء أمامك. أما الآن، فقد رأيته يمسك بقدح القهوة الفارغ تقريباً، ويعاين فيه باحثاً عن آخر جرعة…”( ).

ويمكن عد (اسماعيل) أيضاً، من الشخصيات الثانوية التي لها حضورها المؤثر في سياق الرواية. و (اسماعيل) هو، أصلا، صحفي فلسطيني قادم من الأردن، ينضّم أيضاً إلى حلقة أصدقاء (كريم) في العراق، وهو من المتفائلين بالعراق وسياسته، رغم تشاؤم المحيطين به، وهو يفسر الأحداث والتغيرات السياسية في تاريخ العراق بطريقة ملفتة للنظر ومثيرة للإعجاب، توحي بشيء غريب، لربما لا نجده إلا لدى الصحفيين أمثاله:
“… لا تحسب هذه الحرارة تشاؤماً. ولكنها نابعة عن حب قلت لك إن في العراق إمكانيات هائلة. وهذا ما سأظل أؤمن به طوال حياتي، والعراقيون ثوريون بطبيعتهم. وأنتم مغالون في كل شيء. عندكم أول جزار هو الحجاج وأول ثورة اشتراكية ثورة القرامطة”( ).
ليست فقط أفكار (اسماعيل) أفكار مشرقة وتدعو للتجديد، وإنما مسكنه أيضاً، كان يقع في حي جديد، بعيد عن الأحياء الفقيرة الأخرى التي يعيش فيها معظم أبطال الرواية، ولعل ذلك يمكن عده دليلاً على المزج بين الحداثة والقِدم:
“دخلنا حديقة صغيرة ضيقة، يطل عليها بيت صغير، كبيوت الدمى، مكون من طابقين، إجتزنا ممراً إلى باحة البيت الخلفية، وارتقينا سلماً ملتوياً إلى الطابق الثاني حيث يعيش إسماعيل. كانت الحجرة مربعة، متوسطة الحجم تكتنفها شرفتان، إحداهما كبيرة تطل على باحة البيت، والثانية صغيرة تطل على الحديقة، والشارع وملعب لكرة القدم”( ).

يبقى مثال الغبن والاضطهاد السياسي الذي يُثقل كاهل الرواية برمتها، هو رجل بسيط، يدعى (سيد أحمد سيد هاشم) تم إلقاء القبض عليه إعتقاداً بأنه شخص آخر يدعى (حنا بطرس). ورغم الاختلاف الظاهر بينهما، إلا أن الأول لم يكن في إستطاعته تبرئة نفسه، إذ لم يكن حاملاً لأوراق تثبت هويته التي يزعمها أثناء إعتقاله، وكان يتوسل بزوار السجن لعل بإستطاعة أحدهم جلب هويته من بيته، ومما يثير الاستغراب انه تم إحضار هويته، ولكن لم يطلق سراحه، لأن الشرطة جعلت منه الرهينة، أو الطعم، الذي يصطادون به رجلهم المدعو (حنا بطرس) وإلقاء القبض عليه، وفي نهاية المطاف تم الافراج عن (أحمد)، ولعل في وسعنا أن نشير هنا إلى أحد أسباب الاغتراب السياسي لأبطال الرواية، وعدم إقتناعهم بالسلطة الحاكمة وسياستها واجراءاتها لأنها لا تمثل الشعب وانما تمثل كيانها والمستفيدين منها.

وتنتهي الرواية بأحداث مبتورة بعض الشيء، فكريم بعد أن يلتقي بصديقه وابن محلته (عدنان) يتأمل خيراً في إيجاد أسرته المفقودة ويستمر في عملية البحث عنهم، و (نوري) السائق ينتهي به الحال عاجزاً قابعاً في أجواء الذكريات التي سجلتها ذاكرته في سنوات حياته المنصرمة، وزوجته (هدية) تظل على وفائها لزوجها ومساندته، بعد أن ضاقت به الدنيا، أما (مهدي) فيستمر بالهرب من مطارديه دون أن يتخلى عن إنتمائه للحزب الشيوعي، أما بقية الشخصيات فهي أيضاً تستمر في إتمام مسيرتها في الحياة رغم ما تواجهه من ظروف صعبة، شائكة.

هوامس:

( ) د. نجم عبدالله كاظم: حوارات في الرواية، دار الشروق، ط1، عمان، 2004، ص87.
( ) غائب طعمة فرمان، الكتابة في المنفى، مجلة البديل، ع13، 1989، ص5-9.
( ) م. ن، ع13، ص5-9.
( ) هيئة التحرير مجلة الثقافة الجديدة، البدايات، التكون، الغربة، لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة الثقافة الجديدة، ع189، 1987، ص99-118، (وقد أعيد نشره في كتاب النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص440).
( ) غائب طعمة فرمان، المخاض، مطبعة الحرية، بيروت، 1974، ص293.
( ) غائب طعمة فرمان، المخاض، مصدر مذكور سابقاً، ص58.
( ) المخاض، ص55.
( ) المخاض، 324.
( ) المخاض، 325.
( ) المخاض، ص16.
( ) المخاض، 161.
( ) المخاض، ص73.
( ) المخاض، ص92.
( ) المخاض، ص92-93.
( ) المخاض، 140.
( ) المخاض، ص140.
( ) المخاض، ص132-133.
( ) المخاض، ص72.
( ) المخاض، ص140.
( ) المخاض، ص41-42.
( ) المخاض، ص41-42.
( ) المخاض، ص13.
( ) المخاض، ص28.
( ) المخاض، ص17.
( ) المخاض، ص42-43.
( ) المخاض، ص359.
( ) المخاض، ص280.
( ) المخاض، ص140.
( ) المخاض، ص322.
( ) المخاض، ص152.
( ) المخاض، ص125.
( ) المخاض، ص119.
( ) المخاض، ص129.
( ) المخاض، ص89-90.
( ) المخاض، ص252.
( ) المخاض، ص347.
( ) المخاض، ص361.
( ) المخاض، ص218.
( ) المخاض، ص72.
( ) المخاض، ص224.
( ) المخاض، ص228.
( ) المخاض، ص157.
( ) المخاض، ص191.
( ) المخاض، ص180.

شاهد أيضاً

توفيق الشيخ حسين: قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر د. صدام فهد الأسدي (ملف/3)

اشياء تسقط في الذاكرة اشياء تصعد في الأشياء افياء يفضحها النور، واشياء تخنقها الظلماء احياء …

الدكتور صدام فهد الأسدي: أنا ملك الأحزان دون منافس وقد ابتليت مذ امتلكت يراعا
حاوره: حيدر الاسدي (ملف/2)

حيدر الاسدي / من هو صدام فهد الاسدي الإنسان قبل أن يكون شاعرا وأستاذا جامعيا؟؟ …

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *