حسين ثامر الطاهر : خاطرة بين المسافات، وجوه محفورة في الذاكرة

خاطرة بين المسافات، وجوه محفورة في الذاكرة
حسين ثامر الطاهر
ناقد وفنان تشكيلي

جريدة (الزمان) الدولية – العدد 2526 في 15/10/2006

عناداً مع هيمنة ما يتساقط منا جراء اجتياح الموت لنا من قبل الموت المبرمج عبر ازمنته الموغلة بالاحباط والانكسار او التمترس مع او ضد الموت القسري الذي يحاول ان يلازم ذائقتنا التي بها تقد زليخات علي السباعي قبلاً ودبراً لقمصان اوراقنا العراقية الخالصة التي دثرت تقية الموت خلف قضبان الطغاة. هذا القد الذي طغي عليه صوت النواح، النواح علي امانينا نحن ابناء هذه الارض، فان نبرة الرثاء واضحة في مجموعة زليخات يوسف المميزة للقاص المبدع علي السباعي، فهو يرثي عالمنا، يرثي ما نحن، هذا الرثاء الذي يتسلل عبر صمت الفرح المخيب يغدو فاضحاً واضحاً حد النواح حين يرسم لنا خريطة احزاننا واحزان من معنا، اذ انه اراد منا ان نشاطره استنفار ذاكرتنا وكذلك سيرة المواجع العراقية والمسميات بأمكنتها وازمنتها.
هل اراد السباعي منا في مجموعته ان نشطب تقاويم صباحاتنا حين تركنا في جمل نصوصه نتشوق منها غياب النسيان وحضور ذئاب حديدية الانياب صنعت خصيصاً لوزارة المتاجرة بنا عراقياً؟ يجسد القاص المبدع علي السباعي في غالب قصصه انعكاس التأويلات الفكرية في المساحات الذهنية، فهو واضح في التعبير عن التحولات النفسية لشخوصه دون السقوط في مهاوي المباشرة او التقريرية، فالموت عالم مفعم بالغياب والحضور معاً يتمحور هذا الموت في عالم شخوصه بطريقة أو اخري، ففي قصصه جسد اخفاقات او تطلعات الانسان العراقي اذ انه يغترف من استلهامات الوعي الداخلي والخارجي بنمذجة ترميزية في كثير من الاحايين تشف عن حزن عراقي عميق وهم جنوبي ممزوج بالمرارة علي الرغم من تفاؤليتها. في مرار كثيرة، في قصص زليخات يوسف يبرز لنا بوضوح مستويان من التشكيل القصصي: الاول: تشكله لمعطيات القصة في جريان ومسار واقعي. والثاني: الحيز الترميزي داخل عناصر القصة.
استطيع القول هنا ان القاص تحفزت لديه المخيلة القصصية لخلق زمكانية رؤاه ودلالاته التي جرب عبرها وسائله السردية المتنوعة من التقاطه لانماط مناطقه وحتي ازمنته من مناطق وازمنة عاشها وتعايش معها او ينتمي اليها بكل مفرداتها، فهو يتعامل مع ارثها الحكائي المروي والمرئي وكذلك الخرافي حتي وان كان ذهنياً تخيلياً، فالأسماء لديه سواء اسماء شخوصه افراد القصة أم تلك الاسماء التي ضمنت فيها والتي تحتفظ بها الذاكرة لتصبح خيوطاً للنسيج الدلالي، أو اسماء الاماكن التي يتحرك ويتحركون من خلالها لتكامل سرده وهي من مكونات البناء التي هي ليست اطاراً تزينياً لعمله بقدر ما هي كيانات مستنطقة عبر حواس القص، ففائق حسن وجواد سليم وابن عربي او وليم او فلاهيرتي او ستار طاهر او يزيد بن عبد الملك، البهلول، قطام واينانا وعنتر وعبلة، وسيميا، ونيكيتا خروتشوف، الحبوبي، يوسف “ع”، زليخة وأسماء وأسماء اخري. كلها كيانات سارت مع سير السرد القصصي لديه لتشكل استرجاعاً في الذهن، صحيح ان هذه التسميات الصريحة تجعل القص فيه تسجيلية او توثيقية الشيء الكثير لكنه ابتعد عن سطوتها التفصيلية فجعلها مجردة من حدة ظرفيتها، فهو يبحث من خلالها، أي الاسماء، عن الجانب غير المرئي فيها لذا صارت منطلقاً لمخيلة افتراضية تلازمه سمة الافتراق والابتعاد عن التجسيد الواقعي اليومي التقريري لها. لذا نراه يتحرك علي مساحة من الارض يستخرج منها طيناً ممزوجاً ومعجوناً بوجوه نعرفها ليصنع منها وجوهاً جديدة.
لقد طوع القاص المبدع علي السباعي في مستويات القص الكثير من المادة الحياتية ليصنع منها تداخلاً حياتياً متماسكاً مع فنية النص فالشخوص لديه بمثابة مؤشرات موشورية تمر من خلالها انعكاسات التجربة الكتابية في اجواء سوريالية النصوص، فنراه يشرح ويفكك الجريان السردي في عملية معاكسة لبناءات القصة ليعيد البناء ثانية، فيفصل الشكل عن الوحدة المضمونية ليرجعنا إلي المضمون من خلال الشكل ذلك لانه قد يكون عايش شخوصه ذاتياً او انه عايشهم من خلال المخيلة في محيط الفهم الرمزي مع الاحتفاظ بمشروعية مواقعها ليخفي مباشرة العلائق في الوقائع النصية.
تري من أعطي زليخات يوسف قلماً لكل واحدة منهن واعد لهن متكأً يقطعن به رؤوس الفجائع والانكسارات؟ علي السباعي في زليخاته، زليخاتنا ومن خلال وجوه شخوصه التي تشبه إلي حدٍ كبير وجوهنا نحن لأنه يدرك اننا سنقف امام ادراك المواصفات العامة وغير المحددة مكانياً وحتي زمانياً لكنه من خلال حدوث وقائع شعورية واخري عيانية الحصول بنسيج فكري متجانس نراه ليرص في الذهن مسمياته بغية تلمس التمثل بإصرار المستلهم خارج الحدود وداخلها نحو وجود اشمل.مجموعة زليخات يوسف لعلي السباعي مرثية لنا نحن الذين سحقتنا السرف بدون مبالاة..

شاهد أيضاً

روح المواطنة في مواجهة الغزاة: رواية (أضلاع الصحراء)
شكيب كاظم

يوم أدرت حديثا نقديا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، تساءلت ما أكثر ما قرأ هذا …

هلال العطية: قراءة في نص مونودراما (القُبلة الأخيرة) للكاتبة منتهى عمران

نص مسرحي من جنس (المونودراما) يسلط الضوء على حياة أمرآه تعاني من الإضطهاد والتعسف ضمن …

قراءة وتحليل لقصة هادي المياح (اللص وحكاية الطلاسم)
جاسم السماري

هنالك موروثات تاريخية وأعراف ورثناها واخذت تتبلور في واقعنا من الاجداد الى الابناء ، كذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *