كريم القاسم : مـهـارة إلــقـاء الـشـعــر

( مـهـارة إلــقـاء الـشـعــر )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سألني بعض الزملاء :
كيف يمكن للشاعر أن يكون مُلقي جيداً للشعر؟
لذا اعرض هذا المقال المبسط والمفهوم مبتعداً فيه عن كثير من التشعبات والتفرعات الاخرى ،كَون مهارة الالقاء تتفرع فيها الابواب وتتنوع فيها الفصول ، وما يعنينا هنا هو الشعر فقط ، فنثرتُ مالديَّ من قصاصات الذاكرة التي دونتها على لسان من وضعوا لنا اللبنات الأولى في الاساس المعرفي مضيفاً اليها شيئاً مما نتواصل معه من حداثة ومعلومة جديدة لنستعرض فيه مايخص مهارة (إلقاء الشعر) ، وتوخينا في تقديمنا لهذا المقال أسلوباً سلساً مقبولا ـ ان شاء الله تعالى ـ يحيط بأسرار هذه المهارة المهمة والتي لابد أن يتقنها من يريد ان يحترف الإلقاء الشعري .
ولأهمية هذه المهارة فقد اهتمَّتْ بها كل الحضارات القديمة المتمدنة ، لذا فإن الالقاء يُعتبر فناً قديماً إهتم به اصحاب الحرفة وخاصة في عهد اليونان إن كان شعراً ام نثراً خطابياً أو ديوانياً حسب مقتضى الحال والمقام . والالقاء يتنوع من موقف الى آخر ، فنحن نقوم بفعالية الالقاء كل يوم وبعدة مواقف ، فـ (مرة نكلم طفلاً ومرة نكلم كهلاً ومرة نكلم حبيباً ومرة نستعرض كلاماً في مواقف الغضب والحزن و.. و..و.. الخ ) من المواقف التي تتضمن مختلف المعاني والانفعالات التي تحتاج ارتفاع وانخفاظ في نبرات الصوت بتدرجات كثيرة تناسب وتوازي معاني المفردات والجمل التي نطلقها ونلقيها . ولذلك تهتم الحكومات قديما وحديثاً بإرسال رسائلها الى الدول الاخرى عن طريق اختيار رجال ووزراء يحسنون الالقاء والإيحاء عن فحوى الرسالة للتأثير في المتلقي ، وهذه العتبة تعتبر من اهم العتبات التي يبتغيها من أراد ان يتعلم مهارة الالقاء . ولا نريد الخوض في كل مايخص هذا الفن كون المقال قد حُدِدَ بمهارة الالقاء الشعري فقط .
ليس كل مَن يلقي القصيدة على مسامع الجمهور يكون قد استطاع من ايصال فكرته المرجوة . وقد يكون الشاعر من اصحاب الوزن المستقيم وعارف بالخَبنِ والطيّ وعارفاً باسرار النظم وزحافاته ومحيطاً بكل حيثياته ، الا انه لايجيد مهارة الالقاء بل نجده مغلوباً على أمره في كثير من المحطات . وليس كل من ألقى الشعر ولو كان يمتلك صوتاً جهورياً كالرجل او رخيماً كالانثى يكون قادراً على جذب الحس وألتأثيـر في ذائقة المتلقي ، بل ولربما يكون قد أفلتَ العنان ووقع في أكثر من مطب ، حتى وإن كان النص جميلا بليغاً جاذبا . وسبب هذه الاشكالات كلها هو عدم التمرس والتدريب والمران ، فمثلا مَن يدرس علم النحو لايخلق منه شخصاً فصيحاً مالم يتمرس ويتمرن عليه ، وهكذا مع كل العلوم او المهارات الاخرى ، لأن المران هو الفعالية الساندة والتي تولد الخبرة والاحتراف .
يحتاج إلقاء الشعر ــ كأيّ فَـن ومهارة ــ الى أسس وضوابط لابد لمن يعنيه الامر ان يفهمها ويفهم اسرارها ــ وهي ليست بالصعبة او العسيرة ــ كي يستطيع الشاعر ان يرافق شعره لهذه المهارة ، فهي لصيقة للذات وغير متطفلة ، بل تظيف للشاعر أَلقاً وبريقاً جديداً يعينه على كسب ذوق الجمهور وسحر اسماعهم .
وبما انها مهارة ، إذا هي مقدرة لصيقة بالإكتساب اكثر الاحيان ، ولم تكن لصيقة للشاعر بالفطرة ، إنما تحتاج الى دراية ورعاية وتدريب ومران علمي دقيق كي تصبح مهارة جاذبة للذوق يمتلكها الشاعر .
إذاً الغاية المنشودة من القاء الشعر هي ايجاد قوة فاعلة للتأثير في احساس الجمهور من أجل إيصال رسالةٍ ما أو فكرة معينة من قبل المُلقي .
لنبدأ من لحظة تهيوء الشاعر لإلقاء قصيدته ……….
والآن نتسائل :
• هل يستطيع المُلقي ان يجعل اهدافه تصل بأسرع الطرق وايسرها الى المتلقي ؟
• ماهي مكامن القوة التي يمتلكها المُلقي كي يجذب الذوق والاسماع ؟
من هذين السؤالين ننطلق الى مايلي :
ان الالقاء يهتم بثلاث مثيرات :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المحتوى .
2- الحركة.
3- الاسلوب .
لقد وجدَتْ الدراسات الحديثة بأن تأثير المحتوى والمضمون للنص في الجمهور لايتجاوز نسبة 7% ، ونسبة تأثير الحركة للـيدين والعينين والحركات الجسمية الأخرى ، وانفعالات الوجه وايماءاته لاتتجاوز 55% ، وأما نسبة تأثير اسلوب المُلقي في الجمهورمن حيث الصوت والنبرات وكيفية التلاعب بها بما يناسب الحال والمقال فنسبته حوالي 38% .
من هذه الدراسة والاحصائية يتضح لدينا بأن الجمهور يتأثر بالحركة والاسلوب اكثر من المحتوى ، فما بالنا لوكان المحتوى عميقاً رائعاً وبديعاً مصاحباً لحركةٍ وإسلوب بديعين كذلك؟؟
من المؤكد سيكون الإلقاء في هذه الحالة اكثر جذباً وأسرع نفوذاً الى حس المتلقي والتأثيرعليه من اجل ايصال الرسالة والهدف المنشود .
هنالك عتبات مهمة لابد للمُلقي ان يمتلكها كي تصبح جزءً من حاله ، بل وأساس في ملَكَتهِ الذاتية … أهمها :
1- الخزين المعرفي/
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
لابد لمن يريد التمكن من هذه المهارة ان يمتلك خزيناً معرفياً ورصيداً ثقافياُ يعينه على ذلك ، منها ـ على الاقل ـ جانب من علم الاوزان الشعرية وعلم العروض وكيفية تلفظ الحروف بقوة او بجرس مختلف ، وكيفية اظهار الهمزة عند نطق حرف الالف عندما يتطلب الامر الى ذلك ، وكيفية الادغام ، وكيفية إبراز احد مقاطع الكلمة عند نطقها ولفظها عندما يحتاج هذا المقطع الى النطق البارز ، وهذه المعارف نسميها بـ (الايقاع والنبر) .
2- علامات الترقيم /
ـــــــــــــــــــــــــــ
تعتبر علامات الترقيم من العتبات المهمة جداً التي يجب الاهتمام بها لتنمية مهارة الالقاء ، فالشاعر يحتاج اثناء نطقه للعبارات والجمل الى توافقٍ منسجمٍ مع التوقفات المرسومة كي يكتمل المعنى عند استلام العبارة من قبل سمع المتلقي ، فكم من نصٍ راق ينحدر عند القاءه الى الرداءة بسبب الالقاء الغير منتظم والفقير الى علامات الترقيم . فالنسج الشعري يحتاج الى علامات تعجّب وتوقف واستنكار واستفهام ، وخاصة في شعر التفعيلة وفي ما يسمى بالقصيدة النثرية ، حيث لابد للشاعر ان يعرف كيف يغير نبراته عند الوصول الى هذه العلامات كي يتمكن السامع من فهم المعنى ، وهذه العلامات خير معين للشاعر لتجعله يعرف متى يقف ومتى يسترسل في الالقاء . وللاسف فالبعض يتوقف عندما تنتهي الجمله الشعرية ، والصحيح هو التوقف عند انتهاء المعنى ، لان التوقف في غير مكانه الصحيح يشوّش الافهام ويشتت المعاني . لذا فإن الشاعر اذا تمكنَ من معرفة رتبة وأسرار هذه العلامات فإنها ستعينه على عكس وتوجيه المشاعر بصورة صحيحة الى الجمهور بل واطلاق العبارات بما يناسب الموقف والمشهد الشعري الذي يروم ايصاله الى المتلقي.
3- تقنية الصوت /
ـــــــــــــــــــــــــــ
إن الله سبحانه وتعالى خلق التجاويف المتنوعة في اشكالها وحجومها في رأس الانسان كي تتنوع الاصوات والنبرات عنده . وللناس عاداتها في النطق فمثلا النطق عند البدوي يختلف عن النطق عند ابن المدينة ، فالبدوي يهتم بالتفخيم بحكم العادة حيث يمتليء الفم بصدى الصوت ، لذا فعندما نستمع الى نطقه للحروف او القاءه للشعر فاننا نفهم مباشرة بأنه القاء بدوي .
ولابد للشاعر أن يتقن اسلوب وفن هذه المهارة ، فإلقاء شعر العروض يختلف عن القاء شعر التفعيلة ويختلف عن اسلوب القاء مايسمى بالقصيدة النثرية بسبب إختلاف الجرس الموسيقي واختلاف الايقاعات ، والأمر يحتاج الى دراية بتقنية التنغيم واختلاف درجات الصوت عند النطق والمد والقصر، وكيفية سكب النغم بما يناسب المعنى ، وكيفية تغيير طبقات الصوت والتلاعب بالنبر الصوتي بانسجام دون تكلف ، حتى يبعد الرتابة ويفتت الملل عن حس المتلقي .
ولتقنية التنغيم سحرها الكبير في استمالة النفوس وانجذابها لروح النص الشعري مدحاً كان أم عشقاً ، و حزناً أم فرحاً أم غيرها من الاغراض الشعرية . ولابد للمُلقي ان يعرف بأن عليه ان يهتم بمخارج الحروف وأن يرسل الصوت الى الواجهة كي يصطدم بالاسنان والعظام ليصدر الرنين ، وكيفية توظيف الانف بالصورة الصحيحة لاخراج الاصوات . حتى يحس بأن الصوت يخرج صحيحاً معافى عند نطقه للحروف .
4- تقنية التنفس /
ـــــــــــــــــــــــــ
ونعني به دخول الهواء الى الرئتين واخراجه منهما عن طريق الأنف والفم ضمن عمليتي الشهيق والزفير ، وبفترات زمنية مطوَّلة او قصيرة مزامنه لنطق الحروف . وإن الاهتمام والتدريب على هذه التقنية تعين الشاعر على ايجاد سعة وفسحة مناسبة في هذا الفضاء لينسجم خاصة مع نطق حروف المد أو الاستمرارية في قراءة النسج الطويل ، حتى يصل الى علامة الوقف ، لكي يكتمل المعنى ويُفهَم ، إضافة الى كون التنفس العميق يزيل عامل الخوف والارتباك ، وينشط الدورة الدموية ، مما يساعد على جعل خلايا المخ في نشاط دائم ، وهو الامر الذي يحتاجه من يقوم بمهمة القاء الشعر ، وهذا ما أكدت عليه كثير من التجارب العلمية الحديثة .
5- التدريب على قراءة النص /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكل شخص طاقة او مهارة كامنة تحتاج الى تطوير، وكل مهارة لابد ان يصاحبها التدريب والمران والعمل الدؤوب كي تصل الى مرحلة الاتقان او قريبة منه ــ على الاقل ــ بعض الشيء ، وبما ان الإلقاء يعتمد على مهارة القراءة الجهرية ، اذاً فهو ملزم بتوضيح وتفسير معنى العبارة والفكرة المنسوجة في النص ــ المراد ايصالها للجمهور ــ عن طريق الايحاءات والحركات الجسدية المرافقة لهذه القراءة .
وتبنى فعالية القراءة على أسس وأركان مهمة وضرورية هي :
* قراءة صحيحة وخالية من كل خطأ .
* نطق الحروف بمخارجها الصحيحة .
* موائمة نغمة الصوت مع المعنى .
* الاهتمام والالتزام بمواضع الوقف .

هذه الاسس اعلاه تُمكِّن الشاعر مما يلي :
أ ـ هجاء المفردة ونطقها بالشكل السليم .
ب ـ ربط المفردات بمعانيها.
ج ـ تمكنه من التحكم في القاءه بحسب نوع الفكرة المخزونة في النص أو نوع المفردات والالفاظ المنسوجة .
د ـ تساعده على الانتباه والتركيز اثناء الالقاء .
هـ ـ تبعد تفكيره بمعاني المفردات ــ لانها ستأخذ منه وقتاً مطولاً ــ وإنما تعين على ادراك المعنى للجملة والعبارة التامة .
و ـ توفير الكثير من الوقت ، وتقديم الفائدة بصورة صحيحة ومقبولة .
6- حفظ النص /
ـــــــــــــــــــــــ
نحن نعلم إن القراءة تشترك معها الكثير من خلايا الدماغ والاعصاب الحسية المسؤولة ، اضافة الى حاسة البصر وخلايا التذكر ، لذا فإن مهارة الحفظ تكون غالباً مصاحبة للـ (إدراك والفهم) وهي تُعينُ على مايلي :
* ادراك المعنى لكل مفردة ولفظ ، مما تزيد من ثقة الشاعر بنفسه وتزيد من تمكنه في موائمة الحركات الجسدية ونبرات الصوت بما يوافق تلك المعاني .
* تذليل مشقة الإلقاء ، ومشقة المتابعة الذهنية لتشكيل المفردة ، وفهم حركاتها الاعرابية ، حتى لايكسر الوزن او يضعف النص اثناء الالقاء .
* تكييف الصوت وسياقه مع معنى المفردات والالفاظ ، كي لا يتشتت الذهن عن الهدف المرجو وهو الالقاء الجاذب للذوق والحس .
* يجعل الشاعر في حالة مواجهة بصرية دائمة مع الجمهور ليرى علامات الاعجاب او الانزعاج في نظرات الجمهور ، فيُغَيـّر إن أراد ذلك أو يُصلِح أمراً اذا احتاج الامر اليه.
* يستطيع ان يتفاعل ويندمج اكثر مع المعنى لكل عبارة يقرأها ويلقيها .
وقال الشاعر ابو العتاهية في هذا الشأن :
” مَنْ مُنِحَ الْحِفْظَ وَعَى … مَنْ ضَيَّعَ الْحِفْظَ وَهم ”
لذا فإن مهارة الحفظ لا تتعارض مع الفهم إطلاقاً بل كلاهما رديف للآخر .
• بعد التمكن من العتبات الآنفة الذكر ، يصبح الشاعر قادراً على إلقاء الشعر ، ولكن لابد لهذه الفعالية من إستعدادات وخطوات تعين المُلقي على انجاح مهمته وختامها بالشكل الصحيح ، وبإيصال هدفه الى الجمهور وهو محاطاً بإعجابهم .

خـطـوات الالـقــاء /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- التخطيط :
………………
هو نشاط ذهني يعتمده الانسان لتحويله الى نشاط حقيقي . ولكل عمل لابد من تخطيط ، فالشاعر الذي يروم القاء قصيدة ما ، عليه :
* ان يفكر ملياً بالنص الذي كتبه من حيث ( المضمون والفكرة ) التي تلتف حولها الالفاظ والمفردات المختارة ، وهذا التفكير لايتضمن التهذيب والتشذيب للنص ــ لأن هذه المرحلة يُفتَرض ان تكون قد انتهت والنص جاهزاً للإلقاء والعرض ــ إنما يجب ان ينصب التفكير بكيفية تقديم (فكرة النص) والمضمون ، وكيفية ترجمة هذه المعاني بالشكل الذي يفهمه الجمهور.
* ان يفكر ويخطط للوسائل والإيحاءات التي سيختارها الشاعر لخلق نوع من القوة للتأثير على ذائقة المتلقي والنفاذ الى حسه ومدركاته .
* فهم ومعرفة نوع الجمهور الذي ستلقى على اسماعهم القصيدة ، من حيث نوع الجنس و أعمارهم ؟ وهل هم من النوع العام ام الخاص ؟ وهل هم من اصحاب الحرفة والصنعة أم من المتذوقين للشعر والادب ؟
* ان يتعرف المُلقي على نوع الاحتفال والتجمع الذي ستلقى فيه القصيدة .
* التذكر دائماً (مَن انتَ) امام هؤلاء الناس وما هو موقعك التأثيري وماذا تريد ان تقدم لهم ؟ وهل انت عاشق ام مادح ام مفتخر ؟ وغيرها من التقمصات الذاتية .
كل هذه الرؤى والاستفهامات ستعين الشاعر على التخطيط الصحيح لنوع النبرات ونوع التنغيم المطلوب للمعاني الذي يساعد على ايصال الهدف الى الجمهور ، وإيقاد فعل التأثير فيهم ، وهذا بدوره يحتاج الى إعداد أهداف وخطوات محددة تساعده على الخطو بثقة وثبات للوصول الى التكامل بين جميع المراحل عن طريق اتخاذ القرارات المناسبة والصحيحة .
2- الإعـداد :
……………….
بعد مرحلة التخطيط وتحديد الرؤى المطلوبة لابد للشاعر ان يبدا بمرحلتى الاعداد والتهيوء لهذه المهارة والتي لابد لها من مصاحبة الرغبة الشخصية ، وإلا ستكون عديمة الفائدة .
يبدأ المُلقي الاعداد لخطوات رئيسية هي :
* إعداد نفسي وإمتلاك جرأة لمقابلة ومخاطبة الجمهور . فالكثير يعاني من ارتباك في هذه المواجهة والتي تعد من اكثر انواع (الفوبيا) انتشاراً في العالم ، وهو ما يسمى بـ (خوف المواجهة) وهذا أمر طبيعي ولا يعتبر عيباً ، بل ويحصل لكل الناس تقريباً مالم يتدربوا على المواجهة لازالة هذا التوتر والارتباك وما يرافقهما من ظهور اعراض التعرق والارتجاف والسكوت والتلكوء وغيرها.
* الاعداد لمرحلة طباعة النص أو كتابته بصورة صحيحة وبحجم مناسب للقراءة مع ضبط الحركات بالشكل ، ومراجعة النص ليكون خالياً من كل أخطاء .
* إعداد شكل اللباس والزي الذي يناسب نوع الاحتفال . فمن غير المعقول ان يرتدي الشاعر لباس زاه وملون في محفل تأبيني ، بل من الضروري فعل كل ماهو مناسب ومنسجم مع الذوق العام .
* الاستفسار عن نوع المكان وشكل القاعة وهل الألقاء تلفزيوني ام محفل جماهيري ؟ لغرض التهيئة الذاتية.
* الاستفسار ، هل هناك موسيقى مصاحبة للقراءة او عازف يصاحب الالقاء ، لضرورة التدريب على ذلك .
* الاستفسار ، هل سيكون الالقاء في حالة وقوف امام منصة ام جلوس على كرسي . لان الالقاء في وضع الجلوس ليس كالالقاء في وضع الوقوف من حيث الاسترخاء ومن حيث اختلاف الضغط على الرئتين وديناميكية خروج الهواء وعبوره خلال الحنجرة كل هذه الامور لها تاثيراتها التي قد لايفطن لها الا أصحاب الخبرة والحرفة .
ومن المفيد ذكره هنا إن طبيعة الشعراء منذ القدم يلقون قصائدهم وهم وقوف إلا المتنبي فهو الوحيد الذي قرأ الشعر جالساً عندما طلب منه ذلك سيف الدولة اكراماً له.
3- الممارسة :
……………..
يعتبر نشاط الممارسة والتدريب من النشاطات الحديثة لتطوير وتحسين الفعاليات الحياتية المختلفة ، وما يهمنا هنا هو الممارسة والتدريب على القاء الشعر لتطوير هذه المهارة ، وتتلخص بالنقاط الالية :
* الابتعاد عن التقليد ، ولابأس ان يستمع الشاعر لمن يُحسن الالقاء لاستقصاء الدروس والعبر ، ثم ينتهج نهجاً خاصاً به يناسب ما يمتلكه من مهارات .
* على الممارس ان يتسائل :
مالذي جعل فلاناً متميزاً في القاءه ؟؟ لاشك إن الممارسة والمران هما اللذان يولدان الخبرة ، وهما اللذان ينقلان المهارة الى مرحلة اللاوعي بحيث تصبح اسلوب أو مَلَكَة يتقنها صاحبها في اي وقت .
* محاولة تمثيل الانفعالات بالصوت . ونحن نعلم بأن كل عبارة تحمل نوعاً من الانفعالات ، فالمُلقي عليه ان يتدرب على كيفية تحويل وترجمة هذا الانفعال الى نبرات صوتية موازية لنوع الانفعال .
* التدريب على كيفية اظهار المشاعر على الصوت كي يتعايش الجمهور مع الحدث ويفهم الغرض والمعنى ، وهي مهارة تمثيلية لابد ان يجيدها ويتدرب عليها صاحب الشأن ويلبس لكل حالة لبوسها .
* التدريب على القاء النص مع الموسيقى او العزف المصاحب قبل العرض ــ إذا كان هنالك اتفاق او ضرورة على المصاحبة الموسيقية ــ لان هذا الامر يحتاج الى توافق تام مع الطرفين (الشاعر والعازف) ، بل ومن الضروري ان يطَّـلع العازف على النص مسبقاُ كي يتهيأ هو الآخر لشأنه ومهارته الخاصة. وعلى الشاعر ان لايقبل بما لايوافق الذوق حتى وان فُرض عليه ، وخاصة عندما يكون العزف اعلى من صوت المُلقي او غير متزامن معه ، وعلى العازف ان يتابع الشاعر وليس العكس . فالموسيقى يجب ان تكون عاملاً مؤثراً مُصاحِباً وجاذِباً لاعامل نفور وتشتت وانفلات .
* لابأس من تسجيل الإلقاء ثم اعادته للاستماع اليه لمعرفة مواطن الخلل والرداءة لتصحيح المسار.

4- العـرض :
…………….
هذه المرحلة هي الحصيلة النهائية والعتَبة الاخيرة التي يقف عندها المُلقي ، والتي على اساسها يتم تقييم وتقويم الجمهور والنقّاد .
ولغرض الاشارة الى المحطات الضرورية لانجاح مهارة القاء النص الشعري بشكل مناسب بعد كل مما تقدم نضع النقاط التالية :
* على المُلقي أن يأخذ نفساً عميقاً طويلاً وحبسه في الرئة لثلاث ثوان تقريباً ثم اطلاقه بشكل زفير قوي قبل ملاقاة الجمهورــ وهذا ما أكدت عليه تجارب علمية حديثة ــ والذي سيؤدي الى تنشيط خلايا الدماغ ، ويكسب المُلقي النشاط والثبات ، وهذا التمرين يدأب عليه كل المحترفين الرياضيين او الممثلين على المسارح .
* الحضور الى المنصة بخطوات ثابته فيها شيء من السرعة ، والتي ستـُهَيء الجمهور نفسياً الى المتابعة .
* اعتلاء المنصة بمصاحبة ابتسامة قبل السلام والقاء التحية .
* إلقاء نظرة خاطفة على الجمهور مع برهة صمت كي يتمكن الملقي من التهيوء الذاتي والنفسي للالقاء. حيث وجد اهل الخبرة بأن الخوف والتوتر يتركز في اللحظات الاولى التي لاتتعدى الدقيقة او الدقيقتان ثم تتعود الملكة والجوارح على الارسال وتفريغ الطاقة .
* الابتعاد عن كل فعل مصطنع .
* ان يكون الملقي رابط الجأش ساكن الجوارح .
* الابتداء بتحية مركزة ومكثفة ومُعَـدّة مسبقاً مناسبة لنوع الجمهور والمناسبة ، ويجب ان تُـلقى شفاهاً وغير مكتوبة ، كي تكون اكثر تأثيراً في المتلقي .
* عدم السرعة وعدم الابطاء في النطق بشكل غير معقول ، وهنالك قانون او بديهية يحفظها المُلقون وهي ( لاتجعل الإسراع مُخِلاً ، ولا تجعل البطء مُمِلاً ، وراوح بين ذلك ) .
* عدم اخفاء الحروف في اول النطق وآخره ، فهنالك مَن يُلقي فتختفي على لسانه الحروف الاولى ويبتلع الحروف الاخيرة من العبارة ، وخاصة عندما يصل الى الخاتمة ، حيث يقرأ العبارة الاخيرة ، فيخفض صوته حتى يميل الى الاختفاء .
* الابتعاد عن تكرار القاء البيت الشعري او المقطع الا اذا طلب الجمهور ذلك .
* عند حدوث خطأ في نطق كلمةٍ ما او حدوث تقديم وتأخير لبعض المفردات لسببٍ ما فلايمكن ان يتجاوز المُلقي ذلك ويظن بأن الجمهور لم ينتبه لما حدث ، وهذا من السقطات الكبيرة التي تحط من منزلة المُلقي ، بل عليه أن يعيد قراءة البيت او الشطر بهدوء وعناية كي يدرك الجمهور بان الشاعر منتبه وذكي .
* الاهتمام بالوقفات أثناء الالقاء كي يفهم الجمهور معاني العبارات وتتكامل الرؤيا والفكرة لديهم ، وقد بينا ذلك مقدماً .
* الاهتمام بحروف المد وإظهارها صوتيا بما يناسب المعنى وموقف الالقاء .
* لايحاول المُلقي ان يشغل ذهنه بأحداث خارجية ، كي يعيش في حيّز التركيز تماماً وفي بؤرة الحدث فقط لاغير ، ويجعل نصب عينيه هدفه الاسمى وهو (الالقاء المناسب) والصحيح .
* الابتعاد عن الرتابة والالقاء على وتيرة واحدة . ويكون هدفه (الافهام ثم الاقحام) .
* عند حدوث تصفيق او تشجيع لبعض العبارات من قبل الجمهور ، فعلى الشاعر ان يتوقف عن الالقاء ويغتنم هذه الفرص لاعادة الهدوء والاسترخاء .
* يجب ان يكون سريع البديهية في الرد على عبارات الاعجاب والتشجيع ، ويكون الرد بعبارات ذكية مكثفة ومركزة جدا وكأنها الومضات ، فهي ستشعل القاعة بالاعجاب والتشجيع .
* عدم مغادرة المنصة والانسحاب منها بسرعة بشكل غير مناسب وكأن الملقي واقف على جمر وهو يصفف ويطبق ورقته ، وهذا خلل كبير جدا في الاداء ، انما المطلوب هو الثبات وإكمال الاداء المطلوب والمميز حتى آخر لحظة والانسحاب من المنصة بهدوء وتركيز وثقة.
ـــ وبعد هذا الفيض المكثف والذي يعين على التمكن من مهارة القاء الشعر ، لا اقصد من مقالي هذا ان اجعل من الشخص العيّ فصيحاً ويفك عقدة لسانه ، فيصبح طليقا تفيض من جوانبه عبارات تهز النفوس وتلعب بالرؤوس . إنما مرادنا ان يكون المقال مرشداً وراشداً لمن يمتلك الرغبة والاستعداد والارادة ، فهو يضع نقاط دلالة وإضاءات ناصعة على الطريق ، حتى تبعد المُلقي عن النطق بالغث والسمين وكي لا يجني على نفسه لعدم تقفده لنطقه ، فيصبح حاله كحال حاطب الليل .
تقديري الكبير ….
……………………….

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

تعليق واحد

  1. شكرا جزيلا على هذا الموضوع وبهذا التفصيل الرائع
    ماجد الشعيبي من اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *