رياض ابراهيم الدليمي : دلالات الخطاب الصوفي في : ديوان د . أسماء الغريب (99 قصيدة عنك ) الجزء الثاني

دلالات الخطاب الصوفي في :
ديوان د . أسماء الغريب (99 قصيدة عنك ) الجزء الثاني
رياض ابراهيم الدليمي
كاتب واعلامي
العراق

الدلالات اللغوية في عنونة الديوان(99 قصيدة عنك)(15)
لقد ورد حرف الجر (عن) مضافا إليه حرف (الكاف) ليدل على شخصية وجنسانية المخاطَب. والسؤال لماذا خاطبت الشاعرة معشوقها بضمير متكلّم مخاطب دلالي للحضور وليس للغياب؟
الخطاب المباشر بين الشاعرة والذات الالهية المخاطبة حين تقول الشاعرة في خطابها أي حسب تقدير الكلام (كتبتُ 99 قصيدة عشق عنكَ) وخاصة قد بدأتُ القصيدة بخطاب نداء مقدر( يا إلهي) رغم عدم وجود ياء النداء، ومن ثم استرسلت ندائها بدون حجب وبتجلي كامل حين تقول له :
((لماذا 99 ؟
إنها عددُ لسعاتِ هذه البعوضة
وعددُ أسماء هذا الفردوس
وربّما القصائد التي كتبتُها عنكَ
لحظةَ وُلدْتُ وساعةَ رحلْتُ
ويومَ قُمتُ ثمَّ مشيتُ
يا إلهي.)) قصيدة 99 عنك …(16)
لقد خاطبت جلّ علاه بحرف الجر (عنك) وليس إليك أو لك فلابد من سبب وغاية وتصور لما لهذا الحرف من دلالة شكلية ومعنويّة، أيْ هي تريدُ القولَ والتأكيد على أنّ ما أكتبه من شعر هو عنك وعن صفاتك وأسمائك التي أعشقها وتقرّبني منك، وحرف الجرّ (عن) كما هو معروف يفيد المجاورة، وهي تعني هنا؛ أكتب شعرا منك وعنك أي من صفاتك ولأسمائك ولقدرتك وإني أخاطبك بكائنات خلقك الصغيرة(البعوضة). إن الشاعرة لم تحدد بماذا تكتب إليه هل هي نجوى أم تخضع، ابتهال، تذلل أم عشق؟
لقد أتاحت الشاعرة للقارئ فرصة التأويل والتأمل ليشاركها في ملء الفراغ الذي تركته ليصل معها إلى فهم مشترك أو مختلف ليضيفه إلى النص، ولنصوص الديوان سعة قراءة وفهم وتفسير، أما التأويل: فهو تحديد المعاني اللغوية في العمل الأدبي من خلال التحليل، وإعادة صياغة المفردات والتراكيب؛ ومن خلال التعليق على النص، وهذا يركز على مقطوعات غامضة أو مجازية يتعذر فهمها؛ أي توضيح مرامي العمل الفني ككل، ومقاصده باستخدام وسيلة اللغة، بتركيزه على شرح خصائص العمل وسماته مثل النوع الأدبي الذي ينتمي إليه وعناصره وبنيته وغرضه وتأثيراته. ويعتقد أن النص يبني بكيفية مسبقة استجابات قرائه المفترضين ويحدد بكيفية قبلية سيرورات تلقيه الممكنة، ويثير كل واحد منها بفضل قدرات التأثير التي تحركها بنياته الداخلية؛ وتنتهي مهمة المرسل بنهاية رسالته / النص، ويطلب إليه بعد ذلك الاختفاء أو الموت ؛ لأن بموته تكمن يقظة المتلقي وحياته)) (17) .
يضيف القارئ كذلك من عندياته وثقافته وتجربته فهما آخر إليه قد يقترب منه أو يبتعد، لكن كل ذلك يؤدي إلى آفاق وجمالية النصوص وعمقها ومقاربتها من قبل القارئ، وخاصة أن تعدد المعاني وتعدد القراءات للنص يعبر عن متانة النص أولا وملكة الكاتب المعرفية وعمق تجربته الشعرية. يقول علي حرب بهذا الصّدد: (( قد تكون- أي القراءة – شرحا للنص أو تفسيرا له، وقد تتعدى التفسير والشرح لكي تكون تأويلا، وصرفا لما يحتمله الكلام من المعاني والدلالات، ولكن قد تتعدى التفسير والتأويل، فتتجاوز المؤَلف ومراده أو المعنى واحتمالاته، لتكون تسريحا وتفكيكا للبنى والآليات التي تسهم في تشكيل الخطاب وإنتاج المعنى)) (18)، أي أن المتلقي من حقه أن يتجاوز ما تدل عليه بنى النص ولغته – لا أن يلغيه – وآليات التأويل ومناهجه، ومقاصد المؤلف ومراده، وله أن يسرح في النص مفككا ومركبا ليخرج بدلالات تتجاوز آليات النص ولغته ومؤلفه، ويسمى كل هذا في عرف الحداثة قراءة ! وقال أيضا أيْ علي حرب: ((أما القراءة التي تقول ما يريد المؤلف قوله فلا مبرر لها أصلا، لأن الأصل أولى منها ويغني عنها، إلا إذا كانت القراءة تدعي أساسا أنها تقول ما لم يحسن المؤلف قوله، وفي هذه الحالة تغني القراءة عن النص وتصبح أولى منه وهكذا فثمة قراءة تلغي النص)) (19) .
تشي الاستفهامات من خلال مستهل النص أو الديوان لدى القارئ هي بمثابة فذلكة وحنكة من الكاتب في جذب وتشويق المتلقي ليشركه ويجبره أن يغوص في متاهات النص ودلالاته ومعانيه، وخاصة اذا كثف جملة العنونة وأجزلها الشاعر، وهي تعد إثارة واستفزازا للمتلقي منذ أول وهلة، إذ يثير فيه الدهشة والفضول للمعرفة والاكتشاف، وقد أدرك كل من الجاحظ والجرجاني والقرطاجني وابن قتيبة البُعْدَ المهم والمكانة الحقيقية للمتلقِّي في الظاهرة الأدبية، فالنص الأدبي يحتاج لكي يحقِّـــق وجوده ويـــؤتي أُكلَه إلى مُــــبدِع قادر على توظـــيف إمكانات اللغـــة والبلاغــة، ومتلقٍّ بارع قادر هو الآخر على فــكِّ شفراته وتحسُّس مواطن القوَّة والضعف فيه، بهذه الرؤية للدور الذي ينبغي للمتلقِّي أن يلعــبه في المعادلة الأدبية تتحقَّق العلاقة التكاملية بين الكاتب والمتلقِّي، لتصبح عملية التواصل الأدبي مرهونةً بمستوَى ودرجةِ العلاقةِ بين طرفي المعادلة، وهما: «المنتج» و«المتلقي» (20).
قصدانية تغييب المخاطَب
حري بنا أن نطرح استفهاما لِمَ بدأت الشاعرة نصها بكلمة (إلهي)؟ وأسقطت أداة النداء عنه (ياء) النداء، أعتقد أن هذا الأمر يستدعي ويلزم أكثر من تأويل فإذا ما عدنا إلى شروحنا آنفا والتي قلنا فيها إنّ خطاب الشاعرة لربّها كان خطابا مباشرا بـ (عنك) فهو خطاب حضوري دون واسطة، أي هنا هي لحظة تجلي وانصهار بين المخاطِب والمخاطَب كما تتمنى هي، أيْ الشاعرة أو تعتقد أو كما تعيش لحظات التجلي والكشف والظهور، فسقطت ياء النداء وأية أداة للنداء لأن أدوات النداء تفيد البعد أحيانا أي خطاب الشخص لآخر غائب، فهنا اختزال منها للأمكنة والأزمنة في هذه اللحظة المتجلية .
يدلل مما تقدم أن الشاعرة تدرك السياق اللغوي والفقه وأصول الكلام والمنطق في نسج عشقها الصوفي بأسلوب شعري فيه من الحداثة مع الحفاظ على أبجديات ومسلّمات الخطاب الشعري الموجه للخالق البارئ، وحذر الشعراء من الشطح هو تلافيا للحرج والنقد، ولكن هذا لا يعني أن الديوان أبعد عن نفسة لومة الشطح والاجتهاد الشعري والمعرفي .
قصيدة (( 99 قصيدة عنك)) (21)
[(1)
إلهِي،
منْ أيّة سماءٍ تأتي هذهِ البعوضةُ
بلْ كيفَ تدْخلُ خِدْري هكذَا بدونِ استئذانٍ
وتلسعُني بشدّة كلّمَا انتصفَ الليْل؟
(2)
إلهي،
اللسعةُ فوق يدِي اليُمنى
كأنّهَا كيٌّ بالنّار
تؤلمُني ولا يهدأ حريقُها
(3)
إلهي،
لا المبيداتُ الحشريّة نفعتْ معَها
ولا حتّى السّمومُ الكهربائية
فهي لا تموتُ أبداً
وتأتي كلّ ليلةٍ في موعدهَا
لا تؤخّر ولا تقدّمُ دقيقة
وكأنها ساعةٌ نوويّة
(4)
إلهي،
أأقومُ وأهجرُ فراشي ونومي الهنيّ؟
وإلى أين؟
إلى غرفةِ مكتبِي الورديّة؟
طبعا، فليس لي غيرُهَا
وهيَ وحدهَا تنتظرنِي
كلما اشتدّ ألمُ لسعاتِ بعوضتكَ بيدي
(5)
إلهي،
البعوضةُ توجدُ هُنا أيضا
إنّها فوق شاشةِ حاسوبي الأخضر
أحاولُ أن أزيحهَا بيدي
لكنّها تفرّ منِّي
ثم تَعُودُ وتحطُّ فوقَ شاشتي
وعبثا أتظاهَرُ بنسيانهَا
(6)
إلهي،
البعوضةُ تختفِي
ما إنْ أشرعُ في كتابة حرفكَ شعرا أو نثراً
ولا تعودُ إلّا في اليوم التالي
عندَ منتصفِ الليل طبعا
وفي غرفةِ نومِي
بدون أدنى شكّ
كيف ذلك، ولماذا؟
هذا ما لا يعلمهُ أحدٌ سواكَ
(7)
إلهي،
مرّت الآنَ ثلاثةُ أشهرٍ
وتسعةُ أيّام
والبعوضةُ لم تُخلف موعدها معي أبداً
لكنّها اليوم عادتْ إلى غُرفتِي
عادتْ ومعهَا سربٌ كبيرٌ من البعوض
أو النّامُوس كما تسميه بعضُ قواميسِ اللغة العربيّة
(8)
إلهي،
يا للمشهدِ المرعبِ
كيفَ سأنجو من لدغاتهمْ جميعاً الآن؟
أأُدخِلُ رأسي تحت الغطاءِ الدافئ
أأتركُ لهمُ البيتَ بأكملهِ؟
لا هذا ولا ذاك يا إلهِي
فسربُ النّاموسِ يرقصُ
يرقصُ رقصة دائريةً عجيبة
وكأنّه يرسمُ
أجل إنهُ يرسمُ بالرّقص
ماذا يرسمُ؟
يرسمُ في سماءِ غرفتِي رقماً عجيباً
كيف يا إلهي؟
هكذا: 99
(9)
99 يا إلهِي،
لا تسعةٌ وتسعون
كما قدْ يفضّلُ علماءُ اللغة القولَ والكتابة
لماذا 99؟
إنها عددُ لسعاتِ هذه البعوضة
وعددُ أسماء هذا الفردوس
وربّما القصائد التي كتبتُها عنكَ
لحظةَ وُلدْتُ وساعةَ رحلْتُ
ويومَ قُمتُ ثمَّ مشيتُ
يا إلهي.]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والاحالات
• 1- ديوان الشاعرة (99 قصيدة عنك) د . أسماء غريب . مطبعة دار الفرات للثقافة والإعلام . العراق – بابل – 2016 – الطبعة الثانية
• Historical Archive of the Bible Wheel Site -2 .
• 3 – مقال – لا توجد صدفة بالأرقام – موقع شبكة آرم الإلكترونية – 24-5-2014
• 4 – موقع شبكة مكة الإلكتروني
• 5 – القرآن الكريم – سورة الأعراف – 180
• 6 – القرآن الكريم – سورة الإسراء – 110
• 7 – القرآن الكريم – سورة طه – 8
• 8 – القرآن الكريم – سورة الحشر – 24 .
• 9 – حديث نبوي شريف .
• 10 – موقع واحة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الإلكتروني – اسم الجلالة والرقم 9 – بقلم وسيم مصري،11-7-2009 .
• 11 – القرآن الكريم – سورة ص آية رقم 72 .
• 12 – عبد الدائم الكحيل – موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .
• 13 – urd – نقلا عن موسوعة ويكبيديا .
• 14 – نفس المصدر السابق .
• 15 – نفس المصدر السابق – ديوان الشاعرة أسماء غريب .
• 16 – نفس المصدر السابق كذا .
• 17 – جريدة القدس العربي – نظرية التلقي والتأويل في النقد الأدبي عند العرب – الناقد محمد يوب – 21- 12- 2015 .
• 18- د. علي حرب – “هكذا أقرأ ما بعد التفكيك” – الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر .
• 19 – د . علي حرب – نفس المصدر السابق كذا .
• 20 – الناقد محمد يوب القدس العربي – نفس المصدر السابق كذا .
• 21- قصيدة 99 قصيدة عنك، من ديوان الشاعرة الذي يحمل نفس عنوان القصيدة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *