الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » هدية حسين : إبنة زَي

هدية حسين : إبنة زَي

إبنة زَي
قصة: هدية حسين
الى جميلة عمايرة
…………………
(زَي) ما لها زَي، ولا تشبه مكاناً آخر، وكذلك ابنتها السمراء المخلوقة من نار وثلج، حين تشتعل النار تتحرك أصابعها على الزناد فتنطلق الرصاصة لتقتل، ثم بعد ذلك تجلس هادئة كأنها لم تفعل شيئاً.. كان يمكن أن تكون صاخبة مثل طفولتها، لكن الدخان فعل فعلته فصادر أوتار حنجرتها ولم يُبقِ لها الا الهمس، الدخان ليس ذلك الذي يخرج من فم التنور، أو أثناء اشتداد المعارك على الحدود أو في الشوارع والحارات، بل هو بكل بساطة، السجائر التي لا تفارق أصابعها الا وقت النوم، وعند الصباح تستعجل الإفطار لتجلس في الباحة المطلة على جبال عجلون التي تشمخ فوق وادٍ ذي زرع كثيف، فتتلوى خيوط الدخان وتتراقص أمام عينيها، مشكّلة حياة لا تلبث أن تزول بعد أن تمنحها أفكاراً جديدة لقتلٍ جديد يجرى على الورق أو على شاشة الحاسوب بعد دقائق.. دقائق مفعمة بالترقب والحذر والدخان أيضاً.
بالمخيلة المتواطئة مع السجائر تقتل رجالاً كثيرين على طريقتها الخاصة، تطلق الرصاص وهي منزوية في مكانها، تصوبه الى الهدف بدقة متناهية، وتخرج من المكان من دون أن يراها أحد، مستخدمة كلمات حادة وخشنة .. في حين تبدو الكلمات أكثر رقة عندما يتعلق الأمر بالحب، كلمات تشبه رقة وسحر زي الغارقة بالخضرة، حينها تؤجل فعل القتل الى وقت يتحول فيه المحب عن غايته، فتندفع  الرصاصات وتقتله في نهاية القصة.
وذات مساء شعرت بالذنب، أو بشيء يشبه الاستفاقة من كابوس، رمت رصاصاتها في الوادي السحيق وغرقت في النوم، لتجد نفسها في زمن آخر لم يعد له وجود الا في صحائف الكتب القديمة، كان القائد الروماني زاي أو زي الذي أخذت القرية اسمه منه في قمة انتشائه، وكانت معه امرأة حسناء تدعى جميلة، كل امرأة في ذلك الوقت كانت تسمى جميلة لسبب ما، هذا ما أخبرتني به ابنة زي، تحيط بهما كثافة الأخضر الممتد الى أبعد من حلم القائد، وكانت المنطقة كلها وليس القرية تحت حكمه، إلا أنه اختار زي مكاناً للحب بعيداً عن صليل السيوف، فحلمت جميلتنا بأنها تلك المرأة التي كانت ملكة قومها في الزمن السحيق، تلتقي عشيقها في قصر بالغ الفخامة، نوافذه تغطيها الأشجار، يقابل بحراً لا حدود لاتساعه، تتسلل إليه في الصباح الباكر لتسبح مثل سمكة، لكنها قبل أن تمضي الى الأعماق يدركها الصحو، لتجد نفسها على سريرها المتواضع، بلا قصر ولا بحر ولا عشيق.
زي، القرية الوادعة غارقة بالخضرة في الربيع والصيف، أشجار عملاقة، زيتون وصنوبر، وكرمات عنب، وأحراش، وأزهار برية، وروائح زكية، وسهول فسيحة، وأعمدة أثرية، وطرق صاعدة ونازلة وملتوية، تقطعها البنت المتماهية مع الطبيعة صباح كل يوم لتتريّض وتصطاد الأفكار حيث الهواء العليل يحرك المخيلة، ويخلط الأزمنة فترى ذلك  القائد الروماني يخاتلها بين المنحنيات وتخبره أن زي لم تعد قرية، وأنها ازدادت سعة وجمالاً، ويمكنه أن يتجول بين جنباتها، فقط عليه أن لا يأتي برايات الحروب وصليل السيوف.
في ذلك الهدوء العجيب، وبين ظلال الأشجار وظلال المخيلة تنبت شذرات الأفكار، ترتطم الشخصيات ببعضها وتصخب في الرأس، فتعود ابنة زي الى بيت العائلة، وتنزوي في غرفتها، ترتب الأفكار وتضغط على الحروف فتتشكل الكلمات مُحرِكة الأحداث، والدم يجري في عروق الشخصيات لتكتسي بكل ما هو ينبض بالحياة، هكذا تصنع حياة متخيلة، وتنسى حياتها المدفونة بين الأحلام المستحيلة ودخان السجائر الذي يزداد يوماً بعد يوم.
 أقول لها: هل تعلمين بأن نصف كلامك يستعصي على الفهم، وأن النصف الآخر ستفقدينه بفعل التدخين؟ وفي كل مرة تعدني بأنها ستحاول التقليل من عدد السجائر التي تشفط دخانها، لكنها تنسى أو تتناسى وعدها لي، فللدخان الذي يمر عبر حنجرتها لذة لا توفرها لها كل مغريات الحياة، هي ذاتها لذة القتل التي تشعر بها الشخصية حين تؤدي المهمة وتجلس هادئة كما لو أنها لم تفعل شيئاً.
وفي آخر مرة التقينا فيها قالت لي فيما يشبه الوعد، بأنها ستلقي السلاح وترمي ما تبقى من رصاص ولن تفكر بقتل الرجال، لكنها بعد مدة، جلست أمام حاسوبها، ومدت يدها الى جيبها تتحسس شيئاً ما، تلاحقت أنفاسها وشطح خيالها بعيداً ، ثم بدأت بكتابة قصة، أنهتها وهي تسدد طعنتها الى قلب الرجل الذي كانت تترصده في الظلام، حتى دون أن تتأكد بأنه الرجل المقصود.. ولاذت بسريرها ساكنة وهادئة كأن شيئاً لم يكن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *