عبد الهادي المظفر : نظرية الصدم الذاتي للمتلقي، رواية مخيم المواركة للروائي جابر خليفة جابر أنموذجاً (ملف/21)

إشارة :
طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي عبر فهم عميق لسرّ الحداثة المنبثقة من عمق التراب العراقي (تراب البصرة تحديداً). يذكرنا جهد جابر أو مشروعه بما قاله الراحل الكبير “عبد الرحمن منيف” في رسالة إلى المبدع “شاكر خصباك”: “النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة”. واعتزازا بتجربة جابر السردية المتفرّدة تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

نظرية الصدم الذاتي للمتلقي …

من الواقعية السحرية الى الغرائبية . (مقتضبة)

رواية مخيم المواركة للروائي العراقي جابر خليفة جابر أنموذجاً

بقلم : عبد الهادي المظفر

تعتمد النصوص الأدبية من نثر وشعر وشعر نثر على نظرية الصدم والا ما فائدة الرسالة التي يحملها الأديب اذا لم تكن تحمل طابعا صادما ، فمنذ أن نُظَّر للواقعية السحرية بدأت النصوص الأدبية تأخذ طابعا جديدا في التعامل مع المتلقي ،أصبحت أكثر تكثيفا ، أكثر صورةً ، وأكثر عمقا ودلالةً ،وتعرَّف _ الواقعية السحرية على أنها نوع ادبي تظهر فيه عناصر سحرية خيالية او احداث غير واقعية في اطار واقعي يهدف لتعميق فهم الواقع على قدر مهارة المؤلف قد يصعب على القارئ التفرقه بين الخيال والواقع حيث أستخدم هذا المفهوم لاول مرة من قبل الناقد الفني الالماني
فرانس رو في نقده للوحة فنية .

يبدأ الروائي خليفه روايته بعمار أشبيليو وهو شخصية لا أعرف مدى مصداقيتها من الناحية الروائية ، عمار أشبيليو الذي جعله موضوعةً لصدم المتلقي بعمق الرواية ، عمار أشبيليو الذي يراسل كاتب الرواية ربما لم يكن يراسله من الأساس !! ، وعمار أشبيليو ” ربما لم يكن ناقل الرواية ” ! – علــــى حد قول كاتب الرواية – أو لربما لم يكن عمار أشبيليو الأول كاتبها الحقيقي ، فمن ياترى قد عاصرها ؟ ومن هو كاتبها ؟ هنا نترك المجال فارغا ليملؤه كاتب الرواية الذي يقول ” سأدعي كتابتها – وهنا كاتب الرواية يضع استفسارات هائلة للمتلقي ومساحة كافية للتفسير والتأمل الفلسفي لمغزى الرواية .
هذا هو الصدم الحقيقي للمتلقي عبر ايقونات تأثرية بــ ( خورخي لويس بورخيس _ الإرجنتين _ بوينس آيريس ) بإستخدام الواقعية السحرية ثم الإنتقال الى الغرائبية .
للوقوف على أهم مقومات ومزايا رواية مخيم المواركة نذكر النقاط التالية :

_ استبدال الأسماء العربية بأسماء أندلسية لها دلالتها عند الكاتب وهذه إضافة أخرى لكاتب الرواية بتكوين الصورة الرمزية .

_ الربط الحقيقي لمدلولات الرواية بأحداث واقعية مكانية حدثت للكاتب نفسه / البيئة / المدرسة /المكان / العِرق / وأخيراً الزمن .

_ يُلاحظ من خلال الرواية أن الكاتب قد كثف من دراسته لطبيعة الأماكن / الأسماء الأندلسية / أسماء المُدُن وغيرها .

_ إستخدام الكاتب لتوثيق حقبة زمنية طالما ألهمت الكتاب المغاربة والرواة الجزائريين ليضع الروائي جابر خليفة جابر نفسه في رف الرواة العراقيين المهمين في هذا العصر .

_ تعمد إثارة كاتب الرواية لموضوعة هدم الحمّامات من قبل القشتاليين وهي دلالة رمزية على نظافة الموريسيكيين وعدم إهتمام الجانب الآخر بهذا المجال _ غير أنها تحمل دلالات أبعد من ذلك _ ولكن الكاتب تركها مجالاً واسعا للمتلقي ليسبح في مخيلته .

_ وجود شخصيات حقيقية في الرواية / كأسم الملاّح الأسباني / خوان فريدريكو _ وله تمثال قائم حاليا في أشبيلية .

تضاد وتوافق الحواس :

بما أن اللغة السردية لأية رواية تعتمد على إنتقال المفردة السردية من التأويلية الى الذهنية والمحسوسة في إطار الأخيلة السردية الى الأخيلة البصرية ليشكل فيما بعد الصورة التجريدية التي يبتغيها كاتب الرواية ليصوغ مادته الرئيسية ” ولأنه – كما إعترف بنفسه – ” ليضرب بهذه المقدمة الفص الصدغي للمتلقي في لفظة (إعتراف) ليكوِّن مكنوناته الحقيقية ليشد القارئ للصفحة الأخيرة من روايته بالإهداء لـ سرفانتس !!! ثم الى امين معلوف ويشطبه أيضا ويستقر بواشنطن ويوحده بإهدائه ثم يترك القارئ بسلام ليضيف إسمه في قائمة المعوين .
وليس غريبا حينما نجد عناصر الرواية في أيما حدث من أحداثها متضاداً مع الآخر لتكوين الصورة البصرية ففي بؤساء فيكتور هيجو نجد ملامح التضاد النصي واضحة حينما يتحول المجرم الهارب جان فالجان من مجرم خطير الى إنسان محبب لدى المتلقي وتكون صورة تأملية لدى المتلقي لإكمال الحبكة .

يتعمد الكاتب في رواية مخيم المواركة الى إنتاج صور من التضاد المكوِّن لنظرية حسيَّة في الصفحة (37) من الطبعة الأولى (2012) ” مارانوش ، ثلاثة من أطفال الموريسك كانوا فرحين بشراء أحدهم مايوركا ! أثار فرحهم عطف كريم كاسياس فأعطاهم واحدة أخرى مجاناً .
وفي جنبة أخرى يمازج الكاتب بين لفظتين ليكوِّن المصطلح الصادم – كما في قولنا (عرس الدم ) و (ودم بكارتها) ، يقول الكاتب – صيد الرؤوس – من انتاج زواج كريم وكناري ليحوّل العرس الى مقصلة للرؤوس وهي على ما أعتقد لقطته السينمائية للفيلم أو حبكة الرواية – لأننا نتكلم عن رواية .
ثم ينتقل الكاتب بعد ذلك الى صورة أخرى أكثر تقارباً وهو إستخدام النصوص الشعرية لتوظيف الصورة الذهنية لما بعدها والممازجة ليكوّن أيضا فيما بعد ما يسمى بــ ( فناء الوعي ) ، نسيجا بليغا من الصور الروائية المتجانسة أشد التجانس في تمفصلها السياقي الموحي بحدة الإنفصام ، كما في الصناديق الثلاثة لشكسبير .

التوظيف السينمائي لرواية مخيم المواركة :

عندما تقرأ رواية مخيم المواركة تجد غيابا واضحا للمس\يثولوجيا وتكوينات الأخيلة الإسطورية ممايدل على أن الكاتب تعمَّد تكوين صورة ثلاثية الأبعاد –سينمائية للرواية يسهل على المخرج بالأمكانات المتاحة تكوين مشهدها البصري دون تكلف أو إستغراق في خدع بصرية – لـــيوثق الكاتب روايته في رف من رفوف الإنتاج السينمائي – كما أتمناه شخصياً – لتكون أكثر قدرة على التواصل بأكثر من لغة ثم تحويل تلك القدرة التمثيلية المتعددة المرجعيات الى قيم ومكونات ووظائف جمالية .
المصادر:

(1) الصورة السردية ،في الرواية والقصة والسينما ، شرف الدين ماجدولين .
(2) ماري نزير عبد المسيح ، التمثيل الثقافي بين المرئي والمكتوب .
(3) أحمد اليابوري، في الرواية العربية ، التكوّن والإشتغال ، دار المدارس للطباعة والنشر ، الدار البيضاء .

شاهد أيضاً

الشاعر العراقي سعد جاسم: الشعرية العربية تعاني الآن من خفّةٍ وإستسهال فاجعين أَجرى الحوار : عبد الناصر الدشناوي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

مقروناً بقراءة لديوانه “طائر بلا سماء”
سعد جاسم الكائن الذي عزف موسيقاه على ضفاف شط الحلة
كتابة: احمد الحلي (ملف/5)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (15) عن هَمّْ الكتابة (ملف/80)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *