عادل كامل : جواد سليم ـ في ذكراه (1961- 2016) (2) (ملف/15-23)

نصب الحرية
ملحمة شعب وذاكرة حضارة
[1] النصب ـ العلامة
لم تكن أهداف غزو التتار لبغداد (1258)، هي إسقاط السلطة السياسة للخلافة العباسية، حسب، بل محو علاماتها، وما أنتجته في مجال الحضارة. وربما لم ينبهر (هولاكو)، وهو يقترب من بغداد، إلا بمنائرها، وببساتينها، وببقايا قصورها، وبأسوارها المتهالكة، غير الصالحة حتى لحمايتها من الضواري، ولكن، بعد تهديم العاصمة، ودك معالمها، وفي مقدمتها العمرانية، والثقافية، كاد يعزلها عن الزمن، وعن العالم. فقد استطاع الغازي ان يجمد لغز تكوّنها، ولكنه لم يستطع ان يمحوها من الوجود. كانت علامات بغداد الحضارية هي امتداد للنسق ذاته الذي تأسست عليه حضارات وادي الرافدين: سومر، أكد، آشور، بابل، الحضر ..الخ، فلا علامة من غير مركز، بمعنى من غير سلطة. فثمة اقتران جدلي/ بنيوي، بينهما، لا يوجد إلا بوجود الآخر، ولا يغيب إلا بغيابه.

وعندما كلفت لجنة نصب 14 تموز، الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، عام 1961، التعريف بالنصب، وجد انه يتحدث عن علامة اقترنت بتحول بدأ بالسلطة السياسية ليمتد أثره في مجالات الحياة كافة؛ علامة لم يكن لها ان تتكون خلال غياب بغداد ـ حاضرة الأمس ـ إلا بما سيشكل حدا ً فاصلا ً بين مدينة غابت عنها الحضارة، ومدينة وجدت انها في مواجهة عالم تكونه الحداثات، فالنصب ليس محض (لافتة) تخص الحدث السياسي بالتحول من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، كما ذكر المهندس المعماري رفعة الجادرجي، مصمم النصب، وإنما لأن العلامة تضمنت محركاتها الكامنة وهي تستحدث وجودها في الحاضر، على صعيد مفهوم البناء، والخطاب الفني الحديث.

فإذا كانت بغداد قد عاشت أزمنة تراكمت فيها العلامات، وتكدست، حد الاختفاء، والاندثار، حتى كادت تفقد هويتها، أو ان تكون من غير علامة، فان تجددها اقترن بنسق يسمح للحريات الكامنة، والمدفونة، ان تأخذ مداها في الحضور، وان تمتد ـ تلك المخفيات ـ لتأخذ مكانتها بين العلامات المعاصرة.

كانت إشارة جبرا إبراهيم جبرا، استذكارا ًلمفهوم انبثاق (النص) بنسق اشترط عوامله الموضوعية، والذاتية، كي يمتلك دينامية تتجاوز مفهوم (التعبير) و (الانعكاس) و (الإعلان)، نحو مفهوم الخطاب الفني، وعناصره الفنية، البنائية، الرمزية، والجمالية.

فالمخيال المجّمد للمدينة، سمح للذاكرة ان تتكون بنظام تأسس مع نشوء المدن في حضارة وادي الرافدين الأولى: المسمار؛ علامة الكتابة، والعدد، وتمثلها بموت البذرة، وخروج ديموزي من العالم السفلي.

فالنسق الأسطوري لم يكن مظهرا ً خارجيا ً للتحولات حسب، بل كان جذرا ً له، ومحركا ً، حيث الولادة لا تمتلك دفقها إلا بعد اجتياز دورة الكمون. فمنذ سومر حتى الفتح الإسلامي للعراق، كان ديالكتيك الغياب ـ الحضور، يمنح تصادم القوى القانون الذي جعل من الفن علامة للتقدم، وليس للارتداد. فالعلامة لا يمكن عزلها عن مخفياتها، كي تبدو بنية غريبة وافدة أو هابطة من كوكب آخر، وإنما هي ستتحول إلى محرك مضاف عبر هذا الاشتباك، ذلك لأن الحديث عن موت الفن ـ وفي عصر جواد سليم كان رولان بارت قد تحدث، بعد قرن من إشارة هيغل إلى الموضوع ذاته، بموت المؤلف/ الفنان، كي يولد المتلقي مقترنا ً بالنص ـ وما يمتلكه من باثات تتجاوز الحدث، باحتوائه له، وكانبثاق للغياب بصفته حضورا ً.

ولعل سؤال (هنري مور) لجواد سليم: من أي بلد أنت ..؟ تأكيد لدقة ان الحضارات لا تتوارى حتى لو دفنت تحت التراب، وحتى لو زالت علاماتها، بل تستيقظ ولكن ليس من العدم، وإنما بقانون يحافظ على ديمومة لغزه.

فنصب الحرية ـ وفق هذا الاستهلال ـ تضمنت اندثارات ان لها ان تستيقظ، ليتمثلها جواد سليم، فضلا ً عن موهبته، بما استقاه برؤية تجريبية، ونقدية، وبوابات للحداثات، ولتسمح له ان يبني تصوّرا ً هو ذاته لم يغب عن أسلافه سكان وادي الرافدين: التراكم باتجاه المستحدث. فذاكرته لم تغب عنها ان للحقب أو للعصور الحضارية علاماتها، منذ شيّدت الزقورة، والأختام، والجداريات النحتية، وتماثيل الأسس، والمجسمات، والفخاريات، وبوابات عشتار، والهة آشور، وثيرانها المجنحة، واللبوة الجريحة، وأسد بابل، وعاجيات نمرود، ورأس سرجون الاكدي، وموناليزا نينوى …الخ، وهي علامات اقترنت، مرة بعد أخرى، بتضافر: قوة الدولة، وسيادتها، وأمنها، أدى إلى ان الحضارات لا تبني مجدها بقوتها العسكرية، بل بما تحفره عميقا ً في أسفارها.

فإذا لم تصغ الإمبراطورية العباسية، كما صاغت (الملوية) ـ وبعض ما قاوم المحو ـ علامة لها، فان اشتغال جواد سليم بالعلامة ـ وليس باللافتة، منحه مدى ابعد بتمثل (الحدث) من اجل النص الملحمي، بصفته يتضمن منهج البّناء،الحفار، النسّاج القديم، في حدود مدينة ـ كبغداد ـ تغادر ظلماتها. ذلك لأن الدافع غدا ليس محض مرآة لذات (قلقة)، بل نسقا ً بنائيا ً لحاضر ارتوى بانكسارات، مرارات قرون ثقيلة من الظلمات. كان جواد سليم منساقا ً بدينامية مدينة، تغادر سباتها، كما هو مثال ديموزي في سومر، كي يقترن نصب الحرية بالمدينة، ويصبح مركزا ً لها، بعد ان كادت رموزها تتوارى بعيدا ً حركة الزمن، والحضارات.

وبالطبع هناك من حاول، بل وسعى، لمس النصب، بل وإزالته، إما بصفته (بدعة) أو مادة خام لصنع الأسلحة، أو لعنة، لكن تلك الأصوات تهافتت تاركة النصب يقترن بمدينة السلام، وهي تنسج حضورها المستعاد، العنيد، كمدينة حملت مشفرات أور والوركاء، أكد ونينوى، سبار وآشور، اشنونا والحضر ..الخ؛ مدينة الحرية، كما هي مدن الأحلام: تغادر رمادها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *