ماجد لفته العبيدي : عزيز السماوي… شاعر القصيدة الشعبية الملحمية المبدع (ملف/5)

إشارة :
برسالة نادرة وفريدة موجهة من الراحل المبدع الكبير “عزيز السماوي” إلى الروائي المبدع “سلام إبراهيم”، افتتحت أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن السماوي الذي طبع بصمته الخاصة على خارطة الأدب العامي العراقي، بقصائدة الملحمية بشكل خاص. والأهم هو هذا السلوك الوطني النظيف الذي لم تشبه شائبة مهادنة أو ممالاة. في تلك الرسالة دروس عن الروح العراقية العالية وتمسك المبدع بتراب وطنه الطهور ، ناهيك عن عواطف وأخلاقيات الصداقات البريئة الحارقة التي رحلت إلى الأبد مع الأسف. ثم روح الأمومة العراقية الجبارة بل الأسطورية التي تحملها “أم وميض” عقيلة الراحل الكبير. شكرا للصديق الميدع سلام إبراهيم على الرسالة الدرس.

 عزيز السماوي… شاعر القصيدة الشعبية الملحمية المبدع
ماجد لفته العبيدييعتبر عزيزي السماوي واحد من أعمدت الشعر الشعبي العراقي الذين أضافوا للقصيدة الشعبية العراقية إضافات جديدة ,عبر قصائده الملحمية التي جسدت تأثره منذ الصبا في الأجواء الشعرية والفلكلورية ألشعبيه والطقوس الدينية المختلفة , ومنذ أن شق عزيز السماوي طريقه كشاعر شعبي في 1965 أثناء دراسته في معهد الهندسة التطبيقية العالي في جامعة بغداد , كان يتلئلئ في سماء العراق نجوم شعرية إنارة سماء العراق وأسست للقصيدة الشعبية المعاصرة , من أمثال رواد القصيدة الشعبية مظفر النواب وعريان السيد خلف وزامل سعيد فتاح وكاظم ألركابي وكاظم السماوي وشاكر السماوي وعلي ألشباني وكاظم إسماعيل الكاطع وطارق ياسين وإسماعيل محمد إسماعيل وأبو سرحان وغيروهما , وذكر هولاء الشعراء على سيبل التحديد لأنهم من الشعراء
    ولكن الذي ميز شاعرنا عزيزي السماوي كتابته للقصيدة الملحمية التي سجل حضوره فيها في ديوانه الأول مع عدد من الشعراء العرافين الشعبين [ قصائد للمعركة ] 1968 والتي كتبت قصائده تضامنا ودعما للثورة الفلسطينية , ثم أصدر ديوانه الثاني 1970مع شاعرين مبدعين من الفرات الأوسط الأول الشاعر على ألشباني والشاعر الغنائي طارق هاشم بعنوان [ خطوات على الماء] .
    ويعتبر عزيزي السماوي شحيح الإنتاج الشعري وغني الابداع فله ثلاثة دواوين[ أغاني الدرويش 1973, لون الثلج والورد بالليل عام 1980 , النهر الأعمى 1995 ] بين عام 1973 إلى عام 2001_ 8 حزيران حيث فارق الحياة دون إن تتكحل عينه بالعراق ودفن في لندن عاصمة الضباب.
    ديوانه النهر الأعمى , واحد من أهم الدواوين الشعرية التي كتب قصيدته الأولى حزيران 1980 بعنوان [ هموم عراقية ] يقول الشاعر فيها
    أهيس جرحي
    بجفوفك ..
    جمر ينباس
    خيط الدم
    يروح أبعيد
    يمتد أبطول الفرات..
    أبعيد
    إن الصورة الشعرية التي يرسمها الشعار تجسد حالة صراع الإنسان وتضحيته وهي محاورة بين الشاعر وحبيبته عبر صور شعرية مختلفه , تحضر فيها الحبيبة والوطن والدم والخيول والأطفال والحمام , محاولا عبرهذه الأسماء رسم صور جيدة تتجاوز الاطار الخارجي للمعنى الكلمات لتغوص في أعماق محتواها لتحل رموزها وطلاسمها اللغوية .
    وفي قصيدة [ نشيد الريح] في ديوان النهر الأعمى , يحاول الشعار رسم صورة الوطن الوجدانية عبر صورة شعرية ملحمية ترسم خوفه على الوطن الذي يشكل وحشته في الغربة :
    وطن
    وطن
    دخن دم بصابيعي دم
    ياهو العلم أنهارك على ألذله
    غضب كلش فراته .. أو دم صرخ ..دجله
    كبل الغبشه ..مهر الليل .. يخطف بالدمع كحله
    علمني ليش الهجر .. وكت الوصل يحله
    أحلم بيك وتسله
    وفي قصيدة أخرى يشدوا الشاعر فيها لمدينته الديوانية التي ترعرع فيها الشاعر في شبابه وصباه وتاثرفي أجوائها وشخصياتها :

    أخ ..
    لا ظلمة تضحك بعد
    لا…ولا…
    ليل الديوانية .. كَمرها ..أيعود
    مذعور الشعر درويش عنيد إو يأخذ الظلمة لهب ويزيد
    عالماي إنكتب إسمه ..عزيز ..إبكل حلم موجود
    يهيم الصوت بجفوفه ..اغاني .. إتفز عليها .. إنهود
    أو يطيح إردود
    نزيف إعله الرصيف
    إو نهر ممدود لقد استخدم الشاعر عزيز السماوي التشبيه بشكل واسع في قصيدته الشعبية ليغير من خلاله محتوي الاطار الخارجي للجملة الشعرية للتعطي معنى وتبدوا غريبة بعض الشي للقارى والمتذوق للشعر الشعبي مثل قصيدته [ صهيل الأصابع ] :
    ظلمة ..إبلا وطن .. بس كَلي وين الكَاك
    أهد اجفوفي ..بالغربة .. حمامة إمن الفرح .. لهناك
    نجمة .. إبلا صبحْ ..ذكراك
    وين ألكَاك ..؟
    أن الشاعر عزيز السماوي كان يملك مواقف أنسانيه تهزه كثيرا مصائب شعبه , كتب في قصيدته [ جبل الأحلام] وهذه القصيدة تشبه الفلم الوثائقي في تصويرها للمأساة حلبجة الشهيدة:
    صلًيت الحلبجه إو جن ً إجفوفي عرًَك من نار
    حِزين الجبل يتنفس سموم العار
    كل شهكَة طفل
    صوت
    إو ذبح
    غدار
    صراخ الناس .. بالظلمة
    نجوم
    إمن الغضب والنار
    ليس لهذه المقاطع الموجزة ان تغطي مسيرة شعار أمتدت لفترة 36 عاما عاش فيها أنسان مناضل من اجل العدالة الاجتماعية عاش 21عاما في ديار الغربة مطارد كغيره من اليساريين والديمقراطيين والوطنين العراقيين , ويترك الشاعر أنطباعا لدى القارى و المتتبع للشعر الشعبي والنقاد الكثير من الانطباعات التى يجسدها الشعار في قصائده وهي محاولته الجادة لتأسيس لمفهوم جديد للشعر الشعبي بالخروج من فناء القصيدة المحكية الرومانسية المقطعية إلى فناء القصيدة الملحمية التي حول فيها الممازجة بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى , محاولا عبر بنائه الداخلي للقصيدة الشعبية إن يرسم أشكاله التي لونها في اللون الأحمر [ الدم] والأسود [ الظلمة] والازق والأخضر اللذان يمثلان دورة الحياة وأمل المستقبل .
    تميز الشاعر عزيز السماوي بشفافية عالية من خلال تكوينه الجمل الشعرية التي تميزت بالانسيابية مما يوحي لك إن إيقاع الموسيقى لايفارق الكلمات فقد بات يزاحمها ويرتفع احياننا لتضيع في ثناياه الصور الشعرية , فقد كان الشاعر عزيز السماوي يؤمن إن القصيدة الشعبية [ باللغة المحكية] لاتقل أهمية عن القصيدة الحديثة باللغة الفصحى في عالم الشعر الفسيح .
    أن دراسة تجربة الشاعر عزيز السماوي بصورة نقدية ووضع بين يدي الشعراء الشباب مهمة جدا ويوازيها في الآهمية إعطاء الشاعر حقه من قبل المؤسسات العراقية المهتمة في شؤون الثقافة , فالشاعر حمل الوطن في قلبه على طول ترحاله في الغربة الموحشة , فليس عليه كلمة شكر بكثيره وإنصافه من قبل مثقفينا أفرادا ومؤسسات شعبية ورسمية .
    Majid.sha61@hotmail.com

*عن الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *