الرئيسية » ملفات » نجم عبد خليفة : عزيز السماوي وتداعيات الغربة (ملف/3)

نجم عبد خليفة : عزيز السماوي وتداعيات الغربة (ملف/3)

إشارة :
برسالة نادرة وفريدة موجهة من الراحل المبدع الكبير “عزيز السماوي” إلى الروائي المبدع “سلام إبراهيم”، افتتحت أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن السماوي الذي طبع بصمته الخاصة على خارطة الأدب العامي العراقي، بقصائدة الملحمية بشكل خاص. والأهم هو هذا السلوك الوطني النظيف الذي لم تشبه شائبة مهادنة أو ممالاة. في تلك الرسالة دروس عن الروح العراقية العالية وتمسك المبدع بتراب وطنه الطهور ، ناهيك عن عواطف وأخلاقيات الصداقات البريئة الحارقة التي رحلت إلى الأبد مع الأسف. ثم روح الأمومة العراقية الجبارة بل الأسطورية التي تحملها “أم وميض” عقيلة الراحل الكبير. شكرا للصديق الميدع سلام إبراهيم على الرسالة الدرس.

عزيز السماوي وتداعيات الغربة
نجم عبد خليفة
شاعر ابتلعته امواج الغربة بعيداً لتلقي به على شواطئ الضياع مفلساً الا من انتمائه للوطن والنخيل. بدأ رحلته من المنفى عام 1978 وتعددت محطاته ومرافؤها حاملاً معه اغاني الديوانية وطقوسها وفلكلورها وحسها المتجذر في كل معالم جغرافيتها، كانت رحلته رحلة متصلة ومميزة للخلق والابداع والجمال المغمس بالمكابرة المستندة على اليقين لتولد قصائد ملحمية ودرامية.
كتب عزيز السماوي الشعر منذ طفولته وصار معروفاً في الستينيات كأحد المجددين ورواد الحركة الحديثة للشعر الشعبي فتمتلك قصائده الواحدة منها سلالم عديدة ومستويات متنوعة بالاضافة الى امتلاكها لايقاعات الحداثة والرموز والصورة المتداخلة. كان الوطن طائراً يكمن في روحه ويمتزج مع الذاكرة بشكل يومي يغرد فيها بانغام شجية.
فظلمة الليل وصهيل الخيل واغاني الرياح ورائحة التبغ الليلي مدلولات ايحائية ومثيرات وقرائن تعلن عن الوطن المرتمي في ذاكرته وتستفز دمه المعباً بالدخان والغربة ففي قصيدة نشيد الريح:
صهيل ايوج حنين الخيل بالظلمة وطن
وصهيل الياخذ اجفوني اغاني الريح بالكمره وطن
وصهيل ايوج قميصك شوف لعيوني وطن
انت الوطن كل الجروح استاحشن.. وطن.. وطن
دخن دم اصابيعي وطن
مهر مجنون يأخذ كل اصابيعي وطن
معظم قصائده في دواوينه العديدة تأخذ منحى منحازاً بشكل كبير للوطن الذي يراه الشاعر من خلال الغربة ومن خلال صوت الحنين الهادر في اعماقه رغبة الى لقائه (بكائية السياب) نجد ان القصيدة كانت تنفيساً هائلاً لاسقاطات الغربة وتداعياتها التي احتضنها الشاعر ليعبر من خلال السياب عن سباته الكامن في ذاته الغريبة فالمطر والخوف والسراب والدموع والليل والشمع والرعد كلها مدلولات استعارية للوحشة والضياع واللاانتماء الى واقع الغربة:
اهتزت ادموع الگلب طارش شمسنه ايغيب
الخوف حدر الدرب عين السراب اتصيب
الدنيه ترعد غضب والليل يلمض شيب
زخ المطر ينشتل يهتز سنابل طيب
جور الليالي ثگل كف السوالف.. عيب
وحشه ودمعنه سوه
مخنوگ شمع الهوه
ذل وانحنه والتوه
وانته بمشاحيف الحزن تنگل هضم عنه
تاهت اعيون الضوه ريت الخبر چذاب
ترجف ادموع السمه تنشد عن السياب
ميت صديج المطر
الگمره موت الگمر
امشي اعله دگات الوتر.. مطر.. مطر.. مطر
نايم ابحضن الموت ما شاف كل حنه
فالقصائد بالرغم من تنوع اغراضها الا انها تصب في جدول الغربة والحزن الذي ينساب هادراً في ثنايا الروح الوالهة ففي قصيدة (لا تبچين) ترى الفاعل المستتر الذي تقديره (انت) لم يكن الا الضمير (انا).. انا الشاعر المعبرة عن خوالجه الذي فشل في ان ينقل احساساته وخواطره الحزينة الى الضمير المقابل المتمثل بـ(انت) تخلصاً من انكساره ليكابر مبتسماً في وجه الآلام والمحن..
لا تبچين انتي توجين
او على اخر جرح بالروح بجفوفي تحنين
تجيبين الليالي الماتجي او گمره تجين
يلين الحزن بجفوفي وخصرها ايلين
النهر دافي وحزين الضحك گمره او بساتين
اصابيعچ اغاني الماي تتلون غنج واسرار
گميره امن الفرح واسرار
اصابيعچ ورد من نار
تجيب الگمره للظلمه وتفل اسرار
اما في قصيدة (العاصفة) فهي قصيدة منفعلة تزبد بغضب وهياج وتحريض ويخيل الي بانها اخر قصيدة واخر حلقة من سلسلة التداعي والانهيار للذات المكبوتة والمعللة بشموس الفرج والخلاص.
فكان للقصيدة صهيل الخيل ووقع الحوافر ورفيف الرايات والبيارق فكانما تنمي عن فتح لمعاقل مغلقة.. معاقل السياسات الفاشية التي اضطرته الى ترك الوطن مكرهاً لا راغباً وكذلك تنمي عن فتح معاقل روحه المتلفعة بالغربة والضياع خلف اسوار الوطن المهدد باللاامان:
وج اسنينك بنهار اظلم
وضلوعي الهم جسر امحصن
تعبر اطفال وفختايه
وبچفهم نجمة امحناية
حني البيرغ.. صعد البيرغ
بگليبي اترف مية رايه
بعزم الايام اتحزمنا
اهلال اخضر ضوه الحاره
عظم الشباب يهب ثاره
واعلن للوادم للوادم
آنه الما تنذل افكاره
وجروح اگليبي الماتلتم
لا شهگ وافضح كل اسراره
واحرگ ليل المحنه بروحي
اجفوف الحنه امن جروحي
يلغادر آنه العيب انذل
بدروبي تضيع وما تندل
هذه بلادي.. ارض اجدادي
وفي قصيدة (حلم تابوت) تمتزج آهات الشاعر وشوقه الشفيف مع رغبات الحلم الجامحة والتي هي الاخرى لا تجد لها في الواقع موطناً او ملاذاً فتبقى تهويمات صوفية لعشق قد فقد ضفافه فلم يكتمل بل بقي مكتوفاً في دمه ومقيداً بسلاسل الغربة:
اموتن من يموت الشوگ
الگلب طيره تفرفح فوگ
تظل روحي بحلم مخنوگ
واسمك والهوى العذري يظل مجتوف
دمك بالعشگ مديوف
صك العين بلچن طيف يخطف خطفه الملهوف
اظل مچتوف
اونظل انطوف فوگ الغيم
او بچفوف الظلام انخيم
جناز اليتامه ايهيم
يمذبل شتال الديم عيب انهيم.. عيب انهيم
ولهذا فمعظم قصائده التي كتبها في الغربة هي قصائد الزمن الصعب التي تفوح منها رائحة الانسان المحاصر بافكاره وآماله وهي كثيرة تفترش خارطة الغربة وتتطلب بحثاً موسعاً يضيق به المجال هنا. ففي حزيران عام 2001 رحل هذا الطائر الغريب عن سرب الحياة الى غربة الموت فمن غربة الى غربة دون ان تشيعه حتى النظرات تاركاً وراءه آثاراً شعرية عديدة تعوض ملامحه واشواقه وتجعله خالداً في ضمير الشعر الشعبي والشعراء.. ومن دواوينه التي صدرت:
1- قصائد للمعركة/ 1968 (مجموعة مشتركة).
2- خطوات على الماء/ 1970 (مجموعة مشتركة).
3- اغاني الدرويش/ 1973.
4- لون الثلج والورد والليل/ 1980
5- النهر الاعمى/ 1995.
6- بانوراما عراقية/ 1998.

*عن صحيفة الحقيقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *