علي البزاز: الفنان الهولندي رمبرانت في لوحة -الحارس الليلي- ساعي الضوء الذي أصبح ضوءاً

للضوء اشعاع وجداني يلقي بصفاته النورية على المكان في لوحة “الحارس الليلي” للفنان الهولندي رمبرانت، تساهم طريقة توزيع الضوء المركزة على الجباه والمنبثقة من الياقات في جعل الشخصيات المرسومة كائنات لونية يضيء اللون عالمها العاطفي ويكون مدخلاً لتفسير صفاتها الحياتية (21 شخصاً اضافة إلى كلب واحد وعدد من البنادق، طبول ورايات). تستشف العين الناظرة الى تلك اللوحة طيبة عوالم شخوصها وحميميتها. ثمة تصميم انساني وجمالي يكتنف طريقة حضور الضوء يحتّم في الوقت نفسه اشاعة الانطباع بإيجابية الشخصيات المرسومة. ولأن اللوحة تصوّر الحراس الليليين فمن الطبيعي حضور الضوء العاطفي على الوجوه منبثقاً من الجباه ومسدلاً مساره على المحيط كله، مكوّناً كتلة اشعاع تنطلق من الياقات العريضة، موضة الاناقة في القرن السابع عشر.
يحضرالضوء وظيفياً، فالشخصيات تزاول مهنة الحراسة وتعمل في الليل، ولكي تستطيع ان تؤدي مهمتها يجب حضور الضوء معاوناً لها في عملها سواء مكانياً أم روحياً. تتطلب مهنة الحراسة الامانة والحرص، هتك الجريمة، وهي من صفات الضوء الذي يرافق الحارس الليلي، ويمنحه حاسة الفراسة للقبض على اللصوص.
لا تقف لوحة “درس التشريح” لرمبرانت بعيدة عن غاية الضوء المهني والروحي. الاشخاص الذين يظهرون في اللوحة (9) أكاديميون وأطباء يستمعون إلى محاضرة البروفسور تولب، الوجوه والياقات مضاءة كلها وتتركز كثافة الضوء على الجثة الممدة في كادر اللوحة. لهذه الشخصيات علاقة مهنية بالضوء أيضاً، فهي تحاول أن تعرف تفاصيل الجسم البشري وخباياه، عمل الانسجة ووظائف الاعضاء، من أجل انقاذ البشرية من الهلاك. يوصف دائماً الضوء بالمنقذ وتُنسَب الصفات الحميدة في الادب اليه، بينما الظلام مذموم اجتماعياً وفيزيائياً، كذلك لمهنة الطب علاقة بالحراسة، أي السهر على الانسان وحمايته من الامراض والقبض على الاوبئة التي هي بمعنى اللصوص. لا يغادر الضوء وايحاءاته لوحات الفنان الهولندي رمبرانت وهي الصفة التي ميّزته عن مجايله وساهمت في شهرته واعلانه ساعياً للضوء يوزع انتشاره كما يريد. الفراغ محكوم عليه بالغياب في اللوحة، والشخصيات المرسومة خاضعة لسيطرة الضوء في كادر اللوحة مكانياً وعاطفياً. لهذا التسلط الضوئي في عمل رمبرانت اسباب كثيرة أهمها العلاقة

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

بالجو في هولندا من جهة مناخية وعلاقة شخصية تتعلق بالفنان وتكوينه الاجتماعي والروحي. هولندا ارض واطئة تستقطب المنحفضات الجوية ومناخها غائم دائماً يفتقر الى الشمس طوال ايام السنة، اضافة إلى انتشار الكآبة التي يثيرها هذا الجو في النفس البشرية. وتشير دراسة حديثة الى ان كل واحد من ثلاثة هولنديين مصاب بالكآبة التي هي وراثية في غالب الاحيان. رمبرانت فنان مؤمن رسم مشاهد من الانجيل في لوحات كثيرة مهمة منها “الابن المفقود”، والنور صفة الهية ينجذب اليها المؤمن، ويحاول اتباعه في تصرفاته، والتشبه به “مرضاة لله”. وشهدت حياة الفنان تقلبات مالية وافلاساً في مرات كثيرة، أي أنه واجه شحوب الضوء مسلطاً عليه اجتماعياً. فمن الطبيعي أن ينال الضوء كل هذا الاهتمام من لدنه. الضوء عنصر طبيعي يسري في الانسان ويوجه تصرفاته وهو محترم ومقبول. انشغل الفنان بالضوء واشتغل طوال حياته به، مما شكّل له فردوساً صانه من كل الاحباطات. صفته الضوئية وشهرته، جلبتا له الحسد والاقصاء من مجايليه لكنهما ساهمتا في انقاذه مالياً وروحياً، اذ كان قريباً من نخبة أبناء المجتمع وأغنيائه في تلك الفترة، واستطاع ان يعتاش على ما يكلفونه من إنجاز رسوم، وهذا تقليد اريستوقراطي حينذاك، اذ يقوم التجار واصحاب المهن الرفيعة بتكليف الفنان المشهور رسمهم.
يلقي الضوء جلالة ورفعة في لوحة “خبراء النماذج” التي رسمت قبل وفاة الفنان بأربع سنوات، واحياناً يخيّل الى المرء ان الضوء هو البطل داخل اللوحة التي رسمت من اجل ابراز شجاعته بدحر الظلام. خمسة خبراء في فحص الوان الاقمشة يجلسون حول طاولة ودفتر الحسابات أمامهم. ينبثق اللون كأسلوب الفنان دائماً من الياقات الحادّة في بياضها، مكمّلاً مساره على الوجوه التي أُضيئت بسببه. اللوحة عبارة عن كتلة ضوئية مشعة. حتى البساط الاحمر عبارة عن نور مشع وكأن مصباحا خارجيا مسلط عليه. يبدو الفنان هو الذي اقترح جلوس الخبراء على هذه الهيئة: ثلاثة في الوسط تقريباً ودفتر الحسابات امامهم واثنان على الجانبين، فالضوء في مسار حركي غير ثابت أو جامد، إذ ينبثق من طرف اللوحة مارّاً بالوسط ومنتهياً بحركته عند الطرف الثاني. ساهمت هذه الجلسة مع بهاء الضوء في هذا الانطباع، وأشاعت مكانة الطبقة الاجتماعية التي ينتسبون اليها، حيث يتمركزون في الوسط، والشخص السادس هو خادمهم يقف في الخلف وحصته من الضوء نزيرة، على عكس الخبراء الذين ساهمت كثافة الضوء على وجوههم في اشاعة هذه المنزلة الطبقية العالية، بينما الضوء الشحيح المسلط على وجه الخادم جعل منزلته الاجتماعية في جانب الاهمال، وكأن الضوء قد تغاضاها. في المقابل يرتدي الخبراء القبعات، لكن خادمهم حاسر الرأس. تمنح هنا القبعات المنزلة الاجتماعية، وتصبح الفرق بين الغني والفقير، كما اختلاف كثافة الضوء على وجه الخادم مَيّزه طبقياً. وعليه أصبح الضوء الذي ارتبط بالخير في منزلة الفارق الاجتماعي، وحُدّدت له مكانة اجتماعية بخلاف ما هو متعارف عليه من منزلته في الطبيعة، فهو العادل الرؤوف كظاهرة في الوجود، المنحاز الى الجميع سواسية، فقراء أو أغنياء. وهنا في هذه اللوحة، الضوء غير عادل طبقياً وهو مجافٍ لوظيفته العادلة في الطبيعة. القى التمايز الطبقي في القرن السابع عشر ظلاله على اسلوب الملابس كما على اسلوب البناء، ففي مدينة امستردام حيث توجد طبقة الاغنياء، تنتصب بيوت من تلك الحقبة الزمنية شاهرة اسلوب الفوارق الطبقية الاجتماعية من خلال طراز البناء: تشي السلالم الامامية المؤدية إلى البيوت، “دكات البيوت”، بحجم ثرائها، فكل درجة سلّم تحدّد حجم ثروة المالك، إذ يمتلك بعض هذه البيوت سلّماً واحداً يتكون من درجات معدودة، يشير إلى درجة ثراء تختلف عما للبيت الذي يملك سلّمين من جهتي اليمين واليسار وبخمس درجات، فهذا الأخير هو الاكثر غنى ومنزلة في المجتمع الهولندي. يرتفع مقام الانسان في تلك التقاليد الاريستوقراطية بمقدار ارتفاعه عن الارض، واللافت ان بعض هذه البيوت موجود بشكل خاص في شارعي “السادة” و”الامير”. يشير الاسمان هنا إلى المستوى الاجتماعي.
لوحة رمبرانت “الحارس الليلي” حوّلها إلى نصب من البرونز اثنان من الفنانين الروس هما الكسندر تاراتينوف وميخائيل درونوف، ثُبتت منحوتاته تحت تمثال الفنان رمبرانت في الساحة التي تحمل اسمه. ثمة جرأة في العمل على طرد الضوء من اللوحة الرئيسية وتحويلها إلى منظر سياحي فخم لكنه مطفأ، مما يتسبب بالشعور باختلال المعاني والدلالات التي اشاعها الضوء في اللوحة الاصلية التي تغري المرء بالمقارنة بين العملين.
فرض رمبرانت في لوحة “الحارس الليلي” حركة الاشخاص ومدى تلقائيتها المتناسبة مع العلاقة الانسانية غير الوظيفية من أجل تخفيف صرامة الانضباط العسكري. المجموعة على وشك القيام باستعراض عسكري لا بد من مراسمه قبل البدء بمهمة الحراسة. المقصود من هذا الفرض هو وضع الشخصيات في عفوية لا تراعي قيود التسلسل والانضباط الوظيفي، مما يجعلها أقرب إلى جماعية متآخية منها إلى مارشال عسكري. وبالتأكيد حدّد الفنان سلفاً مساقط الضوء متناسبةً مع مهنة الحراسة ومبتعدة عنها كواجب عسكري مفروض. تشير يد الكابتن الممدودة إلى جهة مجيء الضوء إلى اللوحة. النور وحركة المجموعة التلقائية منحا الشعور بمهنة الحراسة متغاضيين عن صرامة الجندرمة، وقد ساهمت خلفية اللوحة باحتوائها على الليل الداكن في تعزيز عمل المجموعة في مهنة الحراسة؛ ضوء ضروري لانارة الطرق، ليل، بنادق وكلب حراسة. في اللوحة ثمة ضوء دائم وليل دائم، أمّا في النصب المسلوب الضوء، أي المسلوبة منه وظيفة الحراسة، فيبدو النصب لا علاقة له بالحراسة بتاتاً، وانما بجندرمة في استعراض عسكري، اضافة إلى انتفاء العلاقة الحميمة بين الاشخاص في النصب بسبب اختلاف قوانين الكتلة في النحت عن قوانين المنظور في اللوحة. الأنكى غياب الضوء، مما ساهم في جعل النصب جامداً مطفأ يطمح الى الاستعراضية والبهرجة، كما ان وجود النصب في شارع عام ألغى حضور الضوء والليل الدائم في اللوحة وجعلها تحت رحمة تعاقب الليل والنهار. اللوحة موجودة في متحف “رايكس”، يمارس الاشخاص فيها مهنة الحراسة ليلاً عند اقفال المتحف، بينما النصب في الشارع مشاع للجميع، ومعوق عن اداء مهنة الحراسة، لانه في متناول الجميع، وتتغير معالم شخصياته يومياً بشروق الشمس وغروبها. تبدو الشخصيات في النصب مقيدة إلى البرونز. اصنام ضخمة سجينة تلك المادة على رغم وجودها في الشارع. كانت الضخامة شائعة في النحت السوفياتي، محاكاة لجبروت النظام السياسي. يقول رودان: “ما من نحّات جيد يستطيع تكوين شكل انساني من دون ان يستند إلى سر الحياة”. لم يستمع النصب جيداً إلى سر الحياة الموجود في اللوحة وهو الضوء، فتجاهله بهذه الطريقة المظلمة، فجعل الخيانة الضرورية في الابداع تنتكس وتصير خيانة تهدف إلى التقليد فقط.
تتوزع تماثيل نصب “الحارس الليلي” بشكل عشوائي وبدون رابط وظيفي مباشرة تحت تمثال الفنان رمبرانت الذي يبدو غير راضٍ عن مخلوقاته التي غادرها الضوء وسامها البرونز كل انواع الانطفاء.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *