مهدي شاكر العبيدي: الدكتور رشاد رشدي في خصوماته الأدبية والسياسية

غيَّبَ الموت الدكتور رشاد رشدي أستاذ الآداب الإنجليزية في جامعة القاهرة أو غيرها من الجامعات المصرية سنواتٍ طوالا ً بعد العام 1983م ، وانتفى حضوره في أروقتها جميعا ً ، وانحسر نشاطه وتثويره للمشكلات الأدبية وافتعاله للخلافات النقدية بصدد المسرح والأدب الغربي ووظيفة الفن الأدبي ، ذلك أنـَّه من جيل توارى اليوم معظم أقطابه وأعيانه من نظرائه ومشاكليه في اهتماماته الفكرية ، أمثال : محمـد مندور ، ولـويس عوض ؛ على فرط ما نأى به عنهما من نزوع وتوجُّه ، وباينهما في استئنائه وتردُّده عن الإسهام في النشاط السياسي المكشوف والمجازفة في مناكدة الحُكـَّام الجائرينَ في طور ومرحلةٍ ملزمةٍ للأفراد بالمنافحة عمَّا خالوه قيما ً ومعتقدات كفيلة بتقدُّم مجتمعهم ونهوضه لو استمسكوا بها وجسَّدوها عمليا ً ، ويكفيه فخارا ً ومجدا ً أنـَّه كان في شبيبته من كـُتـَّاب مجلة ( الكاتب المصري ) التي صدرَتْ بعد الحرب العالمية الثانية بتحرير العميد طه حسين .

       وأعرف أنَّ الدكتور رشاد رشدي مؤلف مسرحي بالعامية الدارجة والمقبولة من مختلف المشاهدينَ والقرَّاء حتى المتنطسينَ منهم ، ممَّن لا يعهدون من نفوسهم استسهالا ً ومرونة في استبدال العامي بالفصيح من مفردات العربية ، على احتفاظه بسمته الجامعي المبقي له رصانته وتوقره ، والمسعف له دوما ً بتوكيد منزعه الفني الخالص الذي طالما خاض دونه غير معركة مع أنداده ومباينيه في الرأي ، دون أنْ يُغرَى بدعاوى أنْ يكون الفن خالصا ً لصالح المجموع ، ومكرَّسا ً لخدمة المصلحة العامة ، وتجاوبَتْ أصداء هذه الخلافات والمنازلات والتقاطعات في أكثر من حاضرة عربية وقتها ، فقبل خمسينَ عاما ً تقريبا ً تعرَّفتُ في بداياتها على كاتبٍ من اليمن يُدعَى سعيد الشيباني ، لم أعد أسمع عنه شيئا ً بعد تلك المشاركة المدهشة في تأريثه المحاورات والمحاججات الأدبية ، فقد دان ــ عبر أكثر من مقالة ضافية نشرها في مجلة ( المعارف اللبنانية المحتجبة ) ، والتي صدَرَتْ حينها عن دار مكتبة الحياة ــ الموقف السلـبي الذي اتخـذه رشاد رشدي من صراع مختلف القوى والهيئات ، من تقدُّمية تائقة لتطوير الحياة وإفعامها بالخير والجمال والحق ، وأخرى تدين أنْ لا أمل في تحسين الواقع ، وليس أفضل من أنْ تجري حياتنا على ما هي عليه ، كأنْ يتسيَّد فيها رهط هم المتبوعونَ المحظوظونَ بأنْ يمتثل بإمرتهم نفر من التابعينَ ، ولا شأن للأدب في أنْ يزجَّ أربابه نفوسهم ويورِّطوها في مشاجرة وادِّعاء أنَّ ذا إثمٌ ينبغي لـذوي الضمائر أنْ ينهوا عـنه ، وفعل قبيح يلزم مؤاخذة أصحابه عليه .

       من أعمال رشاد رشدي المسرحية التي مثلتْ على الخشبة في ستينيات القرن الماضي : ( اتفرَّج يا سلام ) ، ( الفراشة ) ، ( رحلة إلى خارج السور ) ، و ( خيال الظل ) ؛ وقد عُنِي النقاد المصريونَ بتلخيصها ، وإجمال فحواها ، وتحليل رموزها ، وبيان صلتها بواقع الحياة المعاصرة ، لا سِيَّما أنَّ منها ما يستوحي وقائع التاريخ المصري في العهود المملوكية ، وتعرَّضَتْ كالعادة وشأن الكتابات النقدية في الغالب لرميها بالتجريدية والتفكك والارتداد عن تمثيل المعاصرة ، هذا إلى الضعف البيِّن الشديد في بنائها الفني ، مع التغطية والتعتيم على هذا الضرب من الخدش والتجريح وإنكار كلّ صنيعة يُثاب عليها الكاتب ويُجازَى به من العرفان ، بما يطيب لأولاء النقدة إزجاءه من عبارات تحمد له تحوله من الموضوعات المعنية بالهموم الفردية إلى نقيضتها من الموضوعات الاجتماعية ذات الطابع الشعبي ، وإنْ استلهم الحوادث التاريخية .

       أفـيُلام رشاد رشدي على تزمُّته وتشبُّثه بدفاعه عن قضية الشكل الفني ؟ ، ويغلو أكثر فيذمُّ اليسار الأدبي ، ويستهجن ما يتبناه دعاته من ذود عن حقوق المجموع عبر أدبيَّاتهم ، ويصمها بالضحالة والسطحية ، وأنـَّهم لم يكدُّوا في نسجها وتوشيتها ، وإنَّ توخِّي الغرض الشريف في كلِّ صنيع أدبي لا يشفع لهم بعدِّه عملا ً أدبيا ً مكتملا ً ما لم يستوفِ هذا الشرط اللازب .

       غـير أنـَّني عـثرْتُ مـؤخـَّرا ً ــ في أحد أرصفة الكتب بمنطقة الحلبوني الـدمشقية ــ على بضعة أعـداد من ( كتاب الجـديد ــ صـوت مصـر ) , والمعـنون بـ ( تأملات حول مصر ) ، وهي سلسلة شهرية كانت تصدر عن مجلة ( الجديد ) ــ لا أدري إنْ كانتْ تصدر اليوم ــ صغيرة الحجم جدا ً ، كانَ يرأس تحريرها الدكتور رشاد رشدي ، وآخر عدد منها يحمل تاريخ أكتوبر 1975م ، أي مضى على صدوره ستة وثلاثونَ عاما ً ، يومَ آلتْ السلطة في مصر لأنور السادات الذي استحدَثَ تحولات في السياسة المصرية ، كسماحه بالحياة الحزبية ، وإقباله قبلها على ما أسماه بـ ( ثورة التصحيح ) في 15 / مايو / عام 1971م ، فخوضه الحرب التحريرية لطرد المحتلينَ ، وإجلائهم عن أراضي سيناء ، فدخوله في مفاوضات مع العدو ، اقترنتْ بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية ، وإنجادها له بتحريكها إنْ اعتورها الفتور ، وحضِّ الطرفين ِ على تصفية خلافاتهما والوصول بها إلى نتائج طيبة وكفيلة بإعمام السلام في منطقة الشرق الأوسط ، ممَّا مهَّد بعد بضعة أعوام لزيارته إسرائيل وإلقائه خطبته المؤثرة في الكنيست ــ كما هو معروف ــ وما ترتب عليها من انقسام وتقاطع بين هذا الطرف أو ذاك من شتى الجهات والدنى في العالم بين مستهجن ومغتبط لهذا الاجتراء على نشدان الوئام والتصالح مع العدو .

       وفي العدد المذكور تبدَّى الدكتور رشاد رشدي سياسيا ً يُخيَّل أنـَّه مرتبط بأرباب المسؤوليات والأحكام فعليا ً ، ولأوَّل مرَّة في حياته يغادر عزلته وانكفاءَه ويغدو من أصحاب المواقف العملية ، مع إبقائه على سابق احتراسه ونفرته من اليسار الأدبي ، بل لا يني في تزويق ما يصم شخوصهم ، دون أنْ يسميهم بـما يشينهم ، ويسخر من هذه الفكرة الثابتة التي يزعم رسوخها في وجدانهم ، كونهم وحدهم الحريصينَ على سمعة مصر ، والذابينَ عن مصالح شعبها ، ويجرُّه هذا الاندفاع والانسياق في الكشف والتعرية أو الإقذاع والتخرُّص إلى مهاجمة مراكز القوى في العهد الناصري ، والإبانة عن استغلالهم لمناصبهم في الإثراء السريع ، وتضليلهم الجمهور بالشعارات الخادعة وتخديره بالكلمات الجوفاء ، فضلا ً عن تلهيته بشهود الندوات والحلقات النقاشية ، ويسري ذلك ويلزم به أساتذة الجامعات ، ليفقهوا ثمَّة فروقات بين اشتراكيتنا العربية والاشتراكية المطبَّقة والمعمول بها في الصين أو بلاد السوفيت ، هم الذين كان الكثيرونَ منهم يتوجَّسونَ قبلها أنْ تودي بمصائرهم إلى الحبوس لو لهجوا بها .

       وكذا يبارك رشاد رشدي عهد أنور السادات بدءا ً من 15 / مايو / 1971م ، في غير جحدٍ وتنكر لما ظفر به المصريونَ قبل هذا التاريخ من مكاسب ومنجزات ، من قبيل تحديد الملكية الزراعية وتوزيع الأراضي على الفلاحينَ ، وتشييد السد العالي ، منبيا ً بما ينتظرونه في مستقبل حياتهم من الازدهار والرخاء ، فضلا ً عن تأسيس بعض المصانع الناجحة والفاشلة معا ً .

       لكن بعد هذا الإطناب المفيض في الثناء على زمن عبد الناصر ، يسوق رشاد رشدي بقلم مرتعش وترتعش أوصالنا معه فور إنعامنا وتدقيقنا في هذه الأسطار المرعبة المخيفة التي تفارقنا معها سائر الذكريات الحميمة عن شعبية عبد الناصر وانتشار صيته في الآفاق والدنى ، يقول :

       (( لكن مقابل هذه العطايا أخذتِ الثورة المصرية من الإنسان المصري الشيء الكثير ، فرضَتْ عليه الحكم البوليسي ثماني عشرة سنة بأكملها ، فأفقدته القدرة على الحركة ، وكيف يتحرَّك وهو لا يعرف إذا كان الاتجاه الذي يسير فيه يرضى عنه زائر الفجر أم لا يرضى ، وكم من الناس وقفوا مكانهم لا يتحرَّكونَ ومع ذلك لم يسلموا من زائر الفجر يزجُّ بهم في غياهب السجون شهورا ً وأحيانا ً سنينَ بأكملها ، وهم لا يعلمونَ أيَّ جرم ارتكبوه سوى ما يردِّده زائر الفجر كالببغاء وهو نفسه لا يعرف ما يقول ، وأغلقتْ دور العدل وإنْ ظلت مفتوحة ، ولكن كيف لا تكون مغلقة والقضاة يُبْطـَش بهم ويطردونَ من مناصبهم دون سبب وضدَّ أيِّ عُرفٍ أو قانون في العالم .
       وفي تلك الثماني عشرة سنة حلـَّتْ الشعارات محلَّ الأفعال ، فتساوى مَن يعمل ومَن لا يعمل ، بل تميَّز في أغلب الأحوال مَن يُحسِن القول على مَن يتقن العمل ، وليت مَن كان يطلق الشعارات كان يعرف ماذا يقول ، ولكنـَّه كان كالخطيب في إحدى مسرحيات العبث أبكم أصمَّ ، يفتح فاه فلا يقول شيئا ً ، ولا يملك إلا أنْ يسمع ما يقول )) .

       ننقل هذه الصورة المفزعة على ذمَّة رشاد رشدي ، وهو إمَّا أنْ يكونَ مفتريا ً ، وأقواله مجرَّد مزاعم ودعاوى يلزم للتدليل على صدقيَّتها إثباتها ببرهان أو دليل ، وإمَّا أنْ تكون هي التجسيد الواقعي لما اكتوى سواد الشعب المصري بلفحه ردحا ً من الزمن ، وألويَ على ما لا يُطاق من النكد والهوان والذل ، وأرغم على الصغار والاستسلام والخنوع وحني الرأس ، بينا تحضُّ الخطب الرنانة التي يطلقها رئيس البلاد على رفعه بشموخ كلَّ مرَّة ، وتعبيرا ً عن إظهار الحزن خصَّص الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري ، وكان يومها مشرفا ً على إصدار مجلة ( العلوم ) البيروتية المحتجبة ، معظم موضوعات العدد الشهري الذي صادف أثناءه وقوع المُصَاب فيه ، وكرَّسه لنعيه وندب مصير العرب بعده ، مُعلِنا ً ومتبنيا ً شعاره المأثور : ( ارفع رأسك يا أخي ) ، في حال ٍ من تناسي تحفظاته على مسالك الرئيس ناصر وتدخلاته في حوادث معروفة ، لا أستبعد أنْ يكون الحيدري نفسه واحدا ً من ضحاياها عند ختامها وبالنتيجة التي أوفتْ عليها ! ، ومنعَتْ سلطات بغداد حينها ظهوره في واجهات المكتبات ، وعمَّت الشارع العربي يومها حالة مريعة من اليأس وإحساس الضياع والشعور بالـلا جدوى ، بعد أنْ وهنتْ صلة الناس بآخر الأنبياء على ما ادَّعى نزار قباني .

       لكن بعد مدَّة يستبين أنَّ الوجدان العربي في كلِّ مكان وفي حقبة الـ ( 56 ) ، يوم استطار صيتُ الزعيم العربي ، كان منخدعا ً ومخدَّرا ً ، وأشبَهتْ وضعيَّتنا وضعيَّة جموع اليابانيينَ المصطفينَ على جانبي الشارع وهاماتهم منكسة وظهورهم محنية ، وهم بانتظار موكب الإمبراطور الذي يمرُّ بهم ، مستعرضا ً متفقدا ً لأحوال شعبه ، ومستخفا ً عين الوقت بشأنه ، لولا أنْ نبَّه الجموع طفلٌ فتح عينيه على المشهد فراعه أنْ أبصره عاريا ً كما جبله ربُّ العباد ، حسبما جسَّدته الأسطورة ، وليس لنا إزاء هذا المصير إلا أنْ نمسكَ عن الترسُّل في الكلام أكثر ونحن لا حول ولا قوَّة إزاء جور حكامنا الباطشينَ على ما قاله بلند الحيدري رحمه الله .

…………….
MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

شاهد أيضاً

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب “كامل محمود بزي”
قاسم ماضي – ديترويت

أقلام مهجرية فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب ” كامل محمود بزي ” وهي جوهر الانتماء …

(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

صدر عن دار الهلال في منتصف ستينيات القرن الفائت عدد خاص من مجلتها الشَّهرية بأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *