أ. د. علي ناصر غالب : لغـــــــة الشِّعر عند الجواهـــــــري (5) (ملف/30)

إشارة:
مرّت ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق.
الفصــل الرابع
المُفْرَدَة في شعر
الجواهـــري

قَبْلِ الخَوْضِ في هذا المَبْحَثِ يستوقِفُنا قَوْلٌ للجواهري يُزْجي فيه نصيحةً للأُدباء قَبْلَ ما يزيدُ على ثلاثينَ عاماً ومِمّا جاءَ فيه: ” ثُمَّ لا بدَّ لكم شِئْتـُمْ أم أبَيْتُمْ أَنْ تختَزِنـُوا مِنْ مفردات اللُّغَة الجميلة كَنْزاً دَفِيناً يَمُدُّ إلَيْكُمْ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ عند الـضَّرُورة الماسَّة قَبْل أَنْ تمَدُّوا أيديكُمْ إليهِ”( ).
فَيَنْبَغي أنْ يُكوِّنَ الشَّاعر لِنَفْسِهِ مُعْجَماً ثَرّاً يَعْتَمِدُ على ما في اللُّغَة مِنْ ثَرْوَةٍ هائِلَةٍ في الأَلْفاظ لِتُفْسِحَ لَهُ مَجالَ الاختِيارِ الأَنْسَب لِلَّفْظَةِ الحَيَّةِ غِيْر المُسـْتَهْلَكَة، وكُلَّما تَشَعَّبَتْ رَوافِدُ ذلِكَ المُعْجَم صارَ البناءُ الشِّعري أكْثَر رصانة وامتلكـت المُفْرَدَة فيه قُدْرةً أكبرَ على الإيحاء والتأثير.
إِنَّ صِلَةَ الشَّاعر بالتُّراثِ مطلوبةٌ في كُلِّ زَمـانٍ وَمَكان فَلا يَكْتَفِـيَ باللُّغَة المُعاصِرَة بَلْ يَنْبَغِيَ أَنْ يَمْتَدَّ إلى الجّذورِ الضارِبَةِ في العُمْقِ فَيَسْتَحْضِر التُّراثَ اللُّغَوي على قَدرِ سَعَةِ إطِّلاعِهِ لِيأتِيَِ بِناؤُهُ مُتَناسِلاً عَبْرَ وَشائِجَ تَتَداعى فيها دَلالاتُ الأَلْفاظ بحيَويَّةٍ أكْثَر.
ولا يَنْبَغِيَ للشّاعِرِ أنْ يَبْقى حَبيسَ التُّراث فَحَسْب بَلْ عَلَيهِ أنْ يَجْنـَح إلى التَّصَرُّفِ في المُفْرَدَةِ أو التَرْكيب ” وَيَكونُ محظوظاً حقّاً إنْ هو استَطاعَ اخْتِراقَ هذِهِ المَوْرُوثات ” ( ).
وَقَدْ نَبَّهَ عُلَماءُ العَرَبيّة القُدَماءُ عَلى قُدْرَةِ الشَّاعر عَلى الخـَرْقِ أو الإنحرافِ فقالَ الخليل بن أحمد: ” الشُّعراءُ أُمَراءُ الكَلامِ يُصَرِّفُونَه أنّى شاءوا وَجائِزٌ لَهُمْ ما لا يَجـوزُ لِغَيرِهِمْ مِنْ إطْلاقِ المَعْنى وَتَقْييدِهِ وَمِنْ تَصْريفِ اللفظ وتعقيدهِ. . . ” ( ).
وقالِ ابن جني: ” الشِّعر مَوْضِعُ إضْطِرارِ ومَوْقِفُ إعتذار وكثيراً ما يُحَرَّف فيه الكَلِمُ عن أبْنِيَتهِ وتُحالُ فيه المُثُلُ عن أوْضاعِ صِيَغِها لأَجَلِهِ ” ( ).
إنَّ تَنَوُّعَ مَصادِر لُغةِ الشِّعر عندَ الجواهري أتاحَ لَهُ مَجالاً واسِعاً لاختيارِ المُفْرَدَة وامتلاكِهِ خِبْرةً واسِعةً في مَجالِ تَصْريفِ المُفْرَدَة وَقَدْرةٍ عجيبةٍ على سَبْرٍ قوانينِ بِنائِها وتسخيرِ ذلِكَ ليكونَ مَصْدَراً مُهِمّاً مِنْ مصادِرِ ثَراء لُغَتِهِ.
وَقَدْ تبدو اخْتِيارات الشَّاعر لأوَّل وَهْلَةٍ غريبةً أو مِنْ ابتكارِهِ مِمّا يَجْعَلُ الدّارسَ في مَوْقِفِ الحذَرَ الذي يَنْبَغي ألاّ تَكونَ غايتُهُ تَخْطِئَةَ الجواهري بقَدرِ ما يَسعى للكَشْفِ عن سِمَةٍ مِنْ سِماتِ شِعْرهِ المُتنَوُّعة في مجالِ المُفْرَدَةِ وهي غَزارةُ مصادرِ لُغتِهِ وتنَوُّعها.
والشَّاعر الفَحْلُ هو القادِرُ على التَّحايُل لأنْ يتَحَرَّرَ مِنْ بَعْضِ نواميسِ اللُّغَة مَهْما تَجَلَّتْ سَيطَرَتُها عليه ولا سيّما في مجالِ استعمال الكَلِمات ( )، وبهذِهِ الوسيلة يُسْهِمُ الشَّاعر في إثْراءِ اللُّغَة عَبْرَ تَوليدِ العَديدِ مِنَ الصّيَغِ الجّديدةِ أو تَحويرِ الأبنيةِ المألوفةِ أو بَعْثِ مُفْرداتٍ طَواها النِّسيانُ فَتَسْري الحياةُ فيها بما يكسبها قُدرةً على الإيحاءِ والتَّأثير.

الجواهري الخالد أمام حديقة منزله في السبعينات

وَقَدْ نبَّهَ حمزة بن الحسن الإصفهاني على دَوْرِ الشَّاعر في إثراءِ اللُّغَة حِيْنِ قالَ: ” فلا بُدَّ أَنْ يدفَعَهُمْ استيفاءُ حُقُّوق الصَّنْعَةِ إلى عَسْفِ اللُّغَة بِفُنُونِ الحِيلَةِ فمَرَّة يَعْسِفُونَها بإزالَةِ أَمثِلَةِ الأَسماءِ والأفْعالِ عَمّا جاءَتْ عَلَيْهِ في الجِبِلّةِ لما يُدْخِلونَ مِنَ الحذْفِ والزِّيادَةِ فيها وَمَرَّة بتوليد الأَلْفاظ عَلى حَسَبِ ما تَسْمو إليهِ هِمَمُهُمْ عندَ قَرْضِ الأشْعار ” ( ).
ومَصادِر الثّراء اللُّغَوي عندَ الجواهري يُمكِنُ الوقوف على أهَمِّها وهِيَ:
1. اختيارُ الأَلْفاظ مِن القُرْآنِ الكَريمِ والأَمْثالِ العَرَبيَّةِ القَديمَةِ والشِّعر العربيِّ القديم ( ).
2. إحياءُ الأَلْفاظ المُعْجَمِيّةِ وَحَشْدها في النَّصِّ الشِّعري.
3. الاقْتِراضُ مِنَ اللّهْجَةِ المُعاصِرَةِ.
4. تَصَرُّف الشَّاعر في المُفْرَدَةِ مِنْ خِلالِ تِحْويرِها واشْتِقاقِها وَجَمْعِها وما يُضفيِهِ عَليْها مِنْ سِماتِ الحَيَويّةِ والجِدّة.

أَثَرُ القرآن الكريم في لغة الجواهري:
يُعَدُّ القُرآن الكريم مَصْدَراً مُهِمَّاً مِنْ مَصادِرِ اللُّغَة وَقَدْ اكْتَسَبَ الجواهري مَعرفةً بالقرآنِ مُنْذُ طفولَتِهِ لكونِهِ عاشَ في بيئَةٍ دينيَّة وَنَشَأ فيها سَواء في مُحيطِ أسرَتِهِ أمْ في مُحيطِ النجف بِوَصْفِها مِنْ المراكِزِ الدينيَّةِ الرَئيسِيَّة في العِراق وَقَدْ كان القُرآنُ مادَّةَ التعلُّمِ في مِثْلِ هذِهِ البيئَة فكانَ يَحْفِظُ نُصُوصاً عَديدَةً مِنْهُ مجاراةً لطبيعة الدَّرْسِ آنذاك.
وَقَدْ زَخَرَتْ قصائِدُ الجواهري على اختلاف أَغْراضها وموضوعاتها باللَّفظ القُرآني بل والتعابير القرآنية ولا يقتصرُ ذلِكَ على مَرْحَلَةٍ مِنْ مراحِلِ حياتِهِ الشِّعرية دُوْنَ سِواها بل يشمِلُها كُلَّها.
إِنَّ النَّصِّ الشِّعريَّ لَدى الجواهري مُطَّعَمٌ بالقرآن الكريم وهو لا يَتَحَّرجُ مِنْ استعمال اللفظ القرآني في عَبَثِهِ وَمُجُونِهِ مِمّا يعني أَنَّه يستفيدُ مِن النَّصِّ القرآني بِوَصْفِهِ نَصَّاً لُغَويّاً مُتَمَّيزاً فيه مِن الخَصائِص الفَنيَّة الجميلة ما فِيهِ، أَمّا الجانب الأَخْلاقي فلاَ يُعِيرهُ اهتماماً كبيراً.
ويَمْنَح الجواهري نَفْسَهُ حُرِيَّةً في تَحْوير بعض التَّراكيب القُرآنية لتُناسِبَ رَغْبَتَهُ في التَّصرُّف بالمُفْرَدَة مراعاةً للوزن في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى رَغْبَةً في استنفاد صُوَر أُخْرى للمُفْرَدَة القرآنية سواء عن طريق جَمْعِها أو تحويلِها مِنْ صُوْرَة الجَمْع إلى صورة المُفْرَد أو تَحْوير في صَوْغِ المُفْرَدَة.
وتَظْهَرُ في بَعْضِ المَواضِعِ براعَتُهُ في اختيار اللَّفظة القُرآنيِّة وتوظِيفْها في النَّصِّ الشِّعري بِشَكْلٍ مُوْحٍ فينتفعُ مِنْ دلالة المُفْرَدَة أو التَّرْكيب مِمّا يَعْكِسُ هَيْمَنَة الشَّاعر وخِبْرَتهُ الواسِعة في القُرآن ومُفْرَداتِهِ ونحن لا نَذْهَبُ إلى أَنَّ الجواهري وَحْدَهُ هو الشَّاعر الذي انتفع مِنْ القرآن الكريم بل سبقه عدد مِنْ شعراء العربيّة الكبار إلى ذلِكَ، لكِنَّ الذي يَتَمَيّز به الجواهري هو هَيْمَنة المُفْرَدَة القرآنيّة عليه إلى الحَدّ الذي يَنْدُر أَنْ تأتي مُطَوّلَةٌ مِنْ مُطَوَّلاتِهِ خاليةً مِنْ أَثَر القرآن.
ومِنْ آثار القرآن الكريم في النَّصِّ الشِّعري لدى الجواهري قوله ( ) :
وإِذا بِهِم ْعَصْفاً أَكِيْلاً يَرْتَمِي
وإِذا بِما رَكَنُوا إلَيْهِِ رُكَامُ

فقد اقتبس ذلِكَ مِنْ قوله تعالى: ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول ) ( الفيل / 5 ). والشَّاعر يأخذ جزءاً مِنْ قِصة أَصْحاب الفِيْل لِيُوِّظْفَهُ في النَّصِّ بِوَصْفِهِ جُزْءاً مِنْ صورة رَسَمَها لأتباع السُّلطة آنذاك فهو يحيي جُزْءاً مِنْ القِصَّة في ذِهْن المُتَلَقِّي ونَتَبَيَّنُ كَيْفَ حَوَّرَ صِيْغَة اسم المَفْعُوْل إلى صيْغَة فَعِيل.
وقال الجواهري ( ):
وقادُوْها لَهُ كَبْشَ افْتِداءٍ
صَنِيْعَ الهاربينَ مِنَ التَّفادِي

فاقتَبَسَ جُزْءاً مِنْ قِصَّة افتداءِ ابن سيدنا إبراهيم (عليه السَّلام) ووظَّفَهُ في النَّصِّ، قال تعالى: ( وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ) ( الصافات / 107 ).
وقال الجواهري ( ):
ولا في أَنْ يَمَسَّ ذَوِيْكَ ضُرٌّ
يُحِيْقُ بِهِمْ ومَظْلَمَةٌ تَحِيْفُ

وجاء في التنزيل العزيز: ( وإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ ) ( الروم / 33 ).
وقال ( ):
ما تَرانِي وَقَدْ بَلَغْتُ العِتِيَّا
فاسْتَنامَتْ على الحُنُوّ قَناتي

فضمنَّهُ جزءاً مِنْ قوله تعالى : ( وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتيَّا ) ( مريم / 7 ) .
وقال الجواهري في مجونِهِ ( ):
وَأَسْرَيْنا وما نَدري
فَسُبْحانَ الَّذي أَسْرى

إشارةَ إلى قوله تعالى: ( سُبْحانَ الَّذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليلاً ) ( الإسراء / 1 ).
وقال ( ):
ألا أَبْلِغْ أبا القاسِمِ أَنّا نَعْصِرُ الخَمْرا
وجاء في القرآن الكريم: ( إِنِّي أَرَاني أَعْصِرُ خَمْراً ) ( يوسف / 36 ).
وقال ( ):
كَمْ أَطَحْنَاهُمُ بِضَرْب ِالوَتِينِ
وفَدَيْنا مِنْهُمْ بِعِجْلٍ سَمينِ

وفي البيت إشارة إلى آيتين كريمتين هما:
( ثُمَّ لقطعنا مِنْه الوتين ) ( الحاقة / 46 ) .
و ( فراغَ إلى أهلِهِ فَجاءَ بِعجْلٍ سَمِيْن ) ( الذاريات / 26 ).
وقال الجواهري ( ):
مَيِّزِ العِرْقَ وفاضِلْ بالدَّمِ

وتصاعدْ طَبَقاً عن طَبَقِ

وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ( لَتركبُنَّ طَبَقَاً عَنْ طَبَقٍ ) ( الانشقاق / 19 ).
وقال الجواهري ( ) :
وَتَبْعَثُ حتَّىرَمِيمَ القُبور

وتَجْمَعُ حتَّىعِظام الطُّيور

إشارة إلى قوله تعالى: ( فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرهُنّ إليك ) ( البقرة / 260 ).

وقال ( ):
ولُقْمَةٍ رَدَّها ما نسترقُّ به
وما نكافحُ زَقُّوماً وغِسْلِينا

فأخذ اللفظتين مِنْ آيتين هما قوله تعالى:
( لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقوم ) ( الواقعة / 52 )
وقوله ( ولا طعامٌ إلا مِنْ غسلين ) ( الحاقة / 36 )
وقال أيضاً ( ):
مَرَجٌ مِنَ البَحْرَيْنِ فَوْقَهُمَا
ضَوْءُ النُّجُوم يرِفُّ والسُّرُجُ

وجاء في قوله تعالى: ( مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ) ( الرحمِنْ / 19 ).
وقال سبحانه: ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنَ ) ( الفرقان / 53 ).
وقال الجواهري( ):
كَمْ أَنْتَ قاسٍ يابن حَوّاءٍ مُولَّعَةٍ بِخَصْفِ

إشارة إلى قوله تعالى: ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِ مِنْ وَرَقِ الجَّنَة ) ( طه / 121 ).
إِنَّ مَيْلِ الجواهري إلى استعمال المُفْرَدَة القرآنية أمرٌ ظاهر في شعره مِمّا يدل على أَنَّه يستعمل هذِهِ المُفرَدات أو التراكيب القرآنية لا بسبب حِسِّه الديني بل لِكَوْنِهِ يُدرك أَنَّ لُغَةَ القرآن مَصْدَرٌ مُهِمٌّ مِنْ مصادر اللُّغَة الفَنِيّة وهو في استعماله هذِهِ المُفرَدات يُدرك أَنَّها ليسَتْ بالغريبة أو المُعْجَمِيّة بل هي ألفاظ تأنَسُها الأسْماع أنّى تُلِيَ القرآن أو رُتِّلَ.
وقال أيضا( ):
ولا تَلُذْ بتَعِلاّتٍ مُسوّفةٍ
ولا يُكِّتِفْكَ صَبْرٌ حَبْلُهُ مَسَدُ

إشارة إلى قوله تعالى: ( فِي جِيِدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَد ) ( المسد / 5 ).
وقال الجواهري( ):
وبِحَيْثُ ارْتَدّتْ هَباءً نَثِيْرا

تَمْلأُ النفسَ والفضاءَ عَبِيْرا

إشارة إلى قوله تعالى: ( فَجَعَلْناهُ هَبَاءً مَنْثورَا ) ( الفرقان / 23 ).

وقال( ):
فَسُقُّوْهُمْ بِكَأْسِهِمُ دِهاقاً
ذُعافَ الهُوْنِِ والذُّلِّ اجْتِرَاعا

وجاء في التنزيل العزيز: ( وكأساً دهاقا ) ( النبأ / 34 ).
وهنالك العديد مِنَ الأَلْفاظ القرآنية الَّتي ضَّمها ديوان الجواهري مِنْها على سبيل المِثال لا الحَصْر لفظة “الزَّمْهَرير” الَّتي كَرَّرها في أكْثَر مِنْ مَوْضِعٍ فقال( ):
وإِذا اغْتَلَتْ فِيْنا مَرَاجِلُ نِقْمَةِ
ألاّ يَكُوْنُوا زَمْهَرِيراً بارِدا

وجاءَتْ في قوله تعالى: ( مُتَّكِئينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسَاً ولا زَمْهَرِيرَا)
( الإنسان / 13 ) واستعمل الجواهري لفظة “سَقَر” فقال( ):
تُغَنِّي الخُلْدَ مَرْتَفِقاً
وأَنْتَ تُخالُ في سَقَرِكْ

وجاءَتْ في قوله تعالى: ( ماسَلَكَكُمْ فِي سَقَر ) ( المدّثر / 42 ).
واستعمل الفِعْل ( ران ) في مواضع عِدَّة مِنْها قوله( ):
ورانَ نَضِيْدٌ مِنْ غُيُوْمِ كأَنَّمّا
فِجاجٌ به مُغْبَرَّةٌ وشِعابُ

وجاءَتْ في قوله تعالى: ( كُلا بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِهِم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (المطففين/14 ).

الأمثال في شعره:
يُثيرُ تَضْمِينُ الأَمْثال القديمة في الشِّعر أو الإشارة إليهِا تداعياتٍ كثيرةً بِحُكْمِ تعبير المَثَل عَنْ قِصَّة أو مِنْاسبة مُعينَّة يستفيدُ مِنْها الشَّاعر في بناء صُوَرِهِ ويَعْكِسُ استعمالَ المَثَل ثَراءً في ثقافة الشَّاعر اللُغَوية فهو على صِلَة كبيرة بِكُتُبِ الأَمْثال ولذلِكَ يأتي النَّصُّ الشِّعريُّ أكْثَر إيحاءً وإثارةً فيِما لو ضُمِّنَ مثلاً أو تَرَدَّدَتْ فيه إشارة مِنْ بعيدٍ أو مِنْ قَريب إلى ذلِكَ المَثَل لأَنَّه يُحْيِي في ذاكرة المُتَلَقِّي صُوْرَةً قَدِيمَة لكِنَّها في ثَوْبٍ جديدِ بِسَبَبِ تَصَرُّف الشَّاعر في المَثَل وتوظيفِهِ المِنْاسِبِ له.
ومِنَ الإشاراتِ الواضِحَة إلى الأَمْثالِ قَوْلهُ( ):
كُوْنِي بُغَاثاً واسْلَمِي
بالَّنفْسِ ثُمَّ اسْتَنْسِرِيْ

فهو مِنَ المَثَل المعروف: “إِنَّ البُغاثَ بأَرْضِنا يَسْتَنْسِرُ” ( )
وقوله( ):
أَيْ طَرْطَرا كُوْني على تاريخِكِ المُحْتَقَرِ

أَحْرَصَ مِنْ صاحِبَةِ النِّحْيَيْنِ أَنْ تَذَكَّرِي

إشارة إلى المَثَل: ” أَشْغَلُ مِنْ ذات النِّحْيَيْن ” ( )
وقوله ( ):
أَأَبا عَزِيزٍ والحديثُ كما رَوَوْا
شَجَنٌ ومُرُّ القَوْل عَذْبٌ جارِي

فضمَِّنَهُ إِشارةً إلى المَثَل: ” الحديثُ ذُوْ شُجُون ” ( )
وقوله ( ):
يَرى أَنَّهُ حِيْنَ يُطْري الفَسِيلَ
جُذَيْلاً هَجَا وعُذَيْقاً رَمى

وجاء في المثل: ” أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذْيقُها المُرَجَّبُ ” ( )
وقوله ( ):
عاشَ الحياةَ يَصِيْدُ في مُتَكَدِّرٍ
مِنْها ويَخْبِطُ في دُجاها حاطِبا

وجاءَ في الأمثال: ” أَخْبَطُ مِنْ حاطِب لَيْل ” ( )
وقوله ( ):
أَيُّها الوَحْشُ ولا بُدّ النُّشُورْ
إنَّ حُرّاً مُنْجِزاً ما يَعِدُ

إشارة إلى المثل: ” أَنْجَزَ حرٌّ ما وَعَدْ ” ( )
وقوله ( ):
أَفِي الغُنْمِ أَشْجَعُ مِنْ قَسْورِ
وفي الغُرْمِ أَجْبَنُ مِنْ صَافِرِ ؟

ووَرَدَ المَثَل: ” أَجْبَنُ مِنْ صافِر ” ( ).
وقوله ( ):
يا نَديِمي وخائِبٌ كحُنَيْنِ

مُسْتَضِلٌّ يَبْغِي نَسِيْئَاً بِعَيْنِ

وَوَرَدَ المَثَلُ: ” رَجَعَ بِخُفَّيْ حُنَيْن ” ( ).
وقال الجواهري ( ):
يَرْتادُ فِيْ سُوْحِها كَوْنٌ بِأَجْمَعِهِ
وما لَها سَبَدٌ فيهِ ولا لَبَدُ

إشارة إلى المثل: ” ما لَهُ سَبَدٌ ولا لَبَدٌ ” ( ).
وقال ( ):
نُذادُ عَنْ وَطَنٍ عِشْنا مَصَايِرَهُ
كما تُذادُ عَنْ المَزْرُوْعَةِ النَّقَدُ

وَوَرَدَ في الأمثال: ” هو أَذلُّ مِنَ النَّقَد ” ( ).
وقال ( ):
نادَيْتُ شَيْطَاني فأَحْسَنَ جابَةً
وهُوَ المُعاصِي سَيِّد الأربابِ

إشارة إلى المثل: ” أساءَ سمعاً فأساءَ جابة ” ( ).
الأَلْفاظ المُعْجَمِيَّة في شعر الجواهري:
لا تخلو أَيَّة قصيدة مِنْ حَشْدٍ مِنَ الأَلْفاظ المُعْجَمِيَّة يُزْجِيْه الجواهري في بِناء قَصِيْدتِهِ طوال حياتِهِ الشِّعرية، فاللَّفظ المُعْجَمِي لا يفاجيء القاريء في أَثْناء القَصيدة لأَنَّه ظاهرةٌ واضحةٌ استعملها الشَّاعر على نطاق واسع، فهو يُطعِّمُ القَصِيْدَةَ بالعَشَراتِ مِنْ هذِهِ الأَلْفاظ الَّتي يحتاج فيها المُتَلَقِّي إلى فَهْمِ ما يقولُهُ الجواهري فيعودُ إلى المُعْجَم لاستخراجِ دلالةِ الكَلِمَة المُناسِبَة لها.
ولا شَكَّ في أَنَّ الشَّاعرلا يَقْصِدُ إلى ذلِكَ متعمداً لغرض التَّفاصُح أو محاولة إِظهار باعِهِ الطَّويل في فِقْهِ اللُّغَة ومُفْرَداتِها وطرائِقِها في التَّعْبِير بل لأَنَّ هذِهِ المُفرَدات تعيشُ في ذِهْنِهِ الخارِقِ بِوَصْفِهِا جُزْءاً مِنْ مَخْزُونِهِ اللُّغوي الَّذي يحتفظ بهذِهِ الأَلْفاظ وجُزْءاً مِنْ مُكَوِّنات أَداتِه الشِّعريّة، ولا يَرْقى شَكُّ إلى ذِهْن القاريء المُنْصِف الَّذي يَصِلُ إلى حقّيقة مُؤَكَّدة هي أَنَّ الجواهري ينشدُ للخاصَّة لأَنَّ لُغَته لُغَة الخاصَّة الَّتي يسمو بها إلى مَنْزلَة لا يتبوّأُها شاعرٌ غيرُهُ.
إنَّ اللُّغَة لَدى الجواهري هِيَ اللُّغَة بتاريخِها الطَّوِيْل كُلِّه وبثرائها كُلِّه وهي أَداتُهُ الجديرة بالاصطباغ بدِماء كُلّ العصور فاللّفظة عِنْدَه لا تنتمي لعَصْرِ دُوْنَ آخر بل هي اللَّفظة الَّتي تَبْقى حَيّة في خيالهِ الخِصْبِ وإِذا ما طواها النِّسيان فهو الجدير بانتشالها مِنَ الغَرَق لتعودَ إلى الحياة مِنْ جديد، فهي جُزْءٌ لا يتجزَّأ مِنْ مُكوَّنات لُغَة الشَّاعر الفَذّ الَّذي يَقْهَرُ الزَّمَنْ ويجعلها مَرِنَةً سَهْلَة لتَكونَ أكْثَر طواعيَةً وإيحاءً.
وَقَدْ عَبَّرَ الجواهري عن تجربة الشَّاعر وصِلَتِها بالتُّراثِ فَقالَ: ” إِنَّ التُّراثَ أَصْلُ الأُمّة وشريانُها المانح دَمَّ القُدْرة والتَّجدُّد وهو ركيزةُ اللُّغَة، اللُّغَة العربية لغة تُراث وسِحْر وإعجاز ومَنْ لا لغة له لا تُراثَ له والعَكْس صحيح، يجب أَنْ تكون استنادات الشِّعر العربي على تراثه جوهرية لأَنَّ المظهر أَصْلُ الجوهر والتَّعْبير عَن العَصْر مَسْأَلَة زَمَنِيّة، ظروف اليوم لَيْسَتْ ظُرُوف الأَمْسِ، لكِنَّ لُغَة اليوم هي لُغَة الأَمْسِ في هذا التَّداخل تَنْشُبُ آنيّة هذِهِ المعادلة”( ).
وَقَدْ أخَذَتْ الشَّاعرة نازك الملائكة الشَّاعر علي محمود طه على استعماله كلمات مُعْجَمِيّة اسْتَخْدَمَها لما فيْها مِنْ غرابَةٍ وخُشُوْنَة لأَنَّها: ” تُفَتِّتُ إحساسات التَّذَوُّق والإعجاب الَّتي يستجيب لها القاريء للشعر الجميل ” ( )، وَعَدَّت تلك الأَلْفاظ عائِقاً يوقِفُ تذوق القاريء للنَّصِّ وتجعل التَّوْصيل مَبْتُوراً وأضافَتْ: ” إِنَّ الكلماتِ القاموسِّية تفتقد ما تَمْنَحُهُ الحياة مِنْ حرارة وحَيَويِّة ولذلِكَ تأتي جامدَِةً عَبْرَ القَصيدة وكأَنَّها بُقْعَة مَيِّتة في جَسَدٍ حَيّ تُوجِعُ أو تَخْدِشُ النَّظَرَ”( ).
إِنَّ هذا الرأي قد يصدُقُ على بعض الشِّعراء الذين يُرَصِّعوْنَ أَشْعارهم بِمِثْلِ هذِهِ الأَلْفاظ لأَنَّهُمْ يَحْشُرُونَها حَشْراً إِمّا للوصول إلى القافية أو سَعْياً لمجاراة الوَزْن فتأتي لُغَتُهُمْ مُضْطَرِبَةً وتَبْقى هذِهِ الكَلِماتُ غَرِيْبَةً عَنْ جَسَد النَّصِّ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ على وَضْعِها في سِياقٍ يُخَفِّفُ مِنْ غَرابَتِها.
وَقَدْ يَصْدُقُ الأَمْر على الجواهري في بِداياتِهِ الشِّعريّة تلكَ الَّتي جارى فيها عَدَداً مِنْ كبارِ شُعَراءِ العَرَبِيّة لكِنَّه في مَرْحَلَةِ نُضْجِهِ الفَنّي أَصْبَحَ قادراً على استعمال هذِهِ الأَلْفاظ بطريقَةٍ مُوْحِيَةٍ تَجْعَلُنا أَمامَ نَصٍّ مَضامِيْنُه حديثةٌ وبعض مفرداته تحتاجُ إلى فَحْص وبَصَر وعودةٌ إلى المُعْجَم بَيْنَ حين وآخر.
إِنَّ خِبْرَةَ الشَّاعر باللُّغَة وسَعَةَ اطِّلاعِهِ على موارِدها مكَّنَتْهُ مِنْ أَنْ يُوَظِّفَ هذِهِ المُفرَدات في سِياقٍ تبدو فيه حَيَّةً تَفيضُ نشاطاً لأنَّه يُنْشِيءُ للخاصَّةِ مِن الناس ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أولئك القادرين على فَهْم الشَّاعر مِنْ غَيْرِ عَناء.
ومِمّا لا شَكَّ فيه أَنَّ فَهْمَ المُتَلَقّي في هذِهِ الحال سيكون نِسْبِيّاً يعتَمِدُ على ثقافَتِهِ وخِبْرَتِهِ اللُّغَويّة فلا مَناص مِنْ أَنْ تكونَ هذِهِ الكلمة عَسِيرَةً على فَهْمِ هذا المُتَلَقِّي يَسيِرَةً على غَيرِهِ، وذلِكَ لا يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ إِنَّ الجواهري يَتَعَّمَدُ زَجَّ أَيَّةَ كَلِمَة في النَّصِّ طالَما لاحَتْ في ذاكِرَتِهِ كما أَنَّ استمرار مطالعاتِهِ سَيَرْفِد لُغَتَهُ بروافد لا تَجِفُّ مَهْما طالَ به القَوْل وامتَدَّ به الزَّمَن.
إِنَّ شُيُوْع هذِهِ الظاهرة في شِعْرِه يُشَكِّل مَلْمَحاً أُسْلُوبِيّاً يَميلُ فيه الشَّاعر إلى إِضْفاءِ الحياة على العديد مِنَ المُفرَدات الَّتي نَكَصَ غيرُه عن استعمالها لجهلهم بها وقَلَّة خِبْرتِهِمْْ باللُّغَة بمستوياتها المختلفة، ناهيك عن أَنَّ العديد مِنَ الأَلْفاظ الَّتي وظَّفها شعرُهُ تُثير في ذاكرة المُتَلَقِّي العديد مِنَ التَّداعِيات الَّتي صاحبَتْ تلك الأَلْفاظ.
وَقَدْ تنَوَّعتْ الأَبْوابُ الَّتي يغترف مِنْها الجواهري مِنَ الموروث اللُّغوي ولعلَّ مِنْ أَهَمِّها انتفاعَهُ مِنْ ظاهرة التَّرادف الَّتي تَتَّصِف بها اللُّغَة العربية فيعمدُ إلى توظيفِ هذِهِ الظاهرة بوصفها رافداً مِنْ روافد لغته الشِّعرية ومِن الشَّواهِد على ذلِكَ قَوْلُه( ):
كَرُمَ الحَرْفُ آهَةً تتلَظّى
فَوْقَ طِرْسٍ ودَمْعَةً تَتَبَدّى

وقوله ( ):
وفَوْقَ طُرُوسِهِ خُطَّتْ سُطُورٌ
دمُ الأَحْرارِ كانَ لَها مِدادا

ولفظة ” طِرْس ” تعني نَوْعاً مِنَ الوَرق وهي اللَّفظة الَّتي قَتَلَها الاستعمال فَخَلَتْ مِنَ الإيحاء.
إنّ الشَّاعر يُوَظِّف هذِهِ اللَّفظة وغيرَها في سِياقٍ يَكْشِفُ عَنْ جُزْءٍ مِنْ دلالتها إِمّا عن طريق وَصْفِها أو تبيين لازمةٍ مِنْ لوازم مَعْناها فلا يشقُّ على المُتَلَقِّي أَنْ يقتربَ مِنْ فَهْم النَّصِّ قَبْلِ العَوْدَة إلى المعجم أو دُوْنَ العَوْدَة إليهِ أَحْياناً ولا شَكَّ في أَنَّها جزء مِنْ مخزونه التراثي.
فمِنْ ذلِكَ استعماله لفظة ” عياب ” وتعني الحقائب فقال ( ):
فَهُنَّ لِنَفْحِ الطَّيِّباتِ مَجامِرٌ
وَهُنّ لعِطْرِ الذكريات عِيابُ

وجاءَ في اللُّغَة ” والعَيْبة زبيلٌ مِنْ أَدَمٍ وما يُجْعَلُ فيهِ الثِّياب. . . جمعه عِيَبٌ وعِياب… ” ( ).
ومِنْ ذلِكَ استعماله ” رباب ” بمعنى سحاب فقال( ):
واربَدَّ جَوٌّ مُكْفَهِرٌّ وجَلْجَلَتْ
ُرعُودٌ وأَرْخى جانِبَيْهِ رَبابُ

وفي اللُّغَة: ” الرَّباب: السَّحاب الأَبيض واحدهُ بهاء ” ( ) .
وجاءت لفظة ” المَذاكي ” بمعنى الخَيْل في قوله ( ) :
إِذا ارْتَكَسْنا أَغاثَتْنا مَغاوِينَا

أو ارْتَكَضْنا أَقَلَّتْنا مَذاكِيْنا

وفي اللُّغَة: ” المذاكي ” مِنَ الخيل الَّتي أتى عليها بَعْدَ قُروحها سنةٌ أو سنتان “( ).
واستعمل لفظة ” الديدبان ” بمعنى الحارس في قوله( ):
أَثارُوْا خَلْفَ رَحْلِكَ عادياتٍ
ضِباعاً تَسْتَفِزُّ الدَّيْدَبانا

وآثر لفظة ” الرِّئْبال ” على لفظة ” الأَسَد ” في قوله ( ):
وَرُدَّ لِنَحْرِهِم كَيْدٌ أَحَلُّوا
بِهَ الرِّئْبَال والقِطَطَ السِّمانا

وَاختارَ لفظة ” الرِّعان ” بمعنى الجبال حِينَ قالَ( ):
أَراعِنَ يَطْمَعونَ بِمُشْمَخِرٍّ
يَدُقُّ بِرَأْسِهِ القِمَمَ الرِّعانا

وآثر ” الطيلسان ” على الثوب في قوله ( ):
تُطِيْلُ العِمَّةُ العَذَباتِ مِنْها
ويَعْتَصِرُ العِقالُ الطَّيْلَسَانا

ومِنَ المُرادِفات الَّتي فَضَّلَها استعمالُه: ” الأُطُم ” بمعنى القصور في قوله ( ):
فما تَنْفَعُ الأُطُمُ العامِراتُ
نُفُوساً ضَمائِرُها بَلْقَعُ

واستعمل لفظة ” مارِن ” وتعني الأَنْف فقال ( ):
وما زالَ جَدْعٌ بليغُ الوضو
حِ مِنْها يَلُوْحُ على مارِني

إِنَّ وَقْفَةً مُتَأَنِّيَةً عِنْدَ أَيَّةِ قصيدةٍ مِنْ قصائدِ الجواهري تَكْشِفُ عَنْ عَدَدٍ غَيْرِ قَليلٍ مِنْ الأَلْفاظ المُعْجَمِيَّة الَّتي تُشَكِّل رافِداً مُهِمّاً مِنْ روافد مُعْجَمِهِ الشِّعري مِنْ ذلِكَ قصيدتُهُ: ” في مُؤْتَمُر المُحامِين ” ( ) الَّتي استهلَّها بقولِهِ:
سلامٌ على حاقِدٍ ثائِرِ
على لاحِبٍ مِنْ دَمٍ سائِرِ

فقد وظَّفَ الشَّاعر العَديدَ مِن الأَلْفاظ المُعْجَمِيَّة في بِنائِها مِنْها:
لاحِب، رَميم، السَّادر، الآذيّ، تُخْضَدُ، ينفَّجَ، حارِد، قَسْوَر، صافِر، الدَّيْدَبان، العافِر، الخاشِر، الشِّقْشِقة، المائِر، الحَيا، سابِر، يَنْكَأ، الدَّاجر، الأَبْيَق، هَلُوك، لَكَاع، الدّاسر، السَّاجر.
وفي قصيدة ” يوم الشهيد ” ( ) نَتَبَيَّنُ العديدَ مِن المُفرَدات المعجمية مِنْها قُبُّ البُطون، خِدْنه، الأَدام، رَهْجُ، اللِّهاث، قُتام، خُشارة، الأُساة، نِطاسيّ، الأجذام، أَشِب، الخَنا، النَّثا، خُلَّب، جَهام، اسْتَحَرَّ الخطب، الأَجام، سِجام، إِرْزام، رِمام، جَام، تلزُّ، شَذاته، يُشام، نَحّام، وغيرها.
إِنَّ اختيار الشَّاعر مثل هذِهِ الأَلْفاظ في بناء القصيدة قد يُسَهِّل عليه الوصول إلى القافية أو يُقيم الوزن، فَهُوَ مُحقٌّ فِيْما يَفْعَل لكِنَّه يمتلك قُدْرَةً نادِرةً على خَلْقِ سياقاتٍ جَديدةٍ تَنْدَرِجُ اللفظة في مِضْمارها يسمح له بصفة التفرّد في استعمال اللفظة المعجمية استعمالاً حيّاً وموحياً بالشَّكْل الذي لا يجعلُها ناشِزاً بل جُزْءاً مِنْ بِناء البيت والقصيدة خالياً مِنْ كُلّ عَيْب لأَنَّهُ لا يَحْشرُ هذِهِ الأَلْفاظ حَشْرا إنّما يَجْعَلُها تعيشُ في سِياق جديدٍ يَكْشِفُ عن دَلالتها.
ويصحُّ القَوْل إِنَّ الجواهري يَمْتَلِكُ اللُّغَة امتلاكاً وأصبَحَتْ هذِهِ الأَلْفاظ وغَيْرها جُزْءاً مِنْ مُكَوِّنات مخزونِهِ اللُّغوي الذي يَنْثالُ عَلَيْهِ مِنْ غيرِ ما حاجةٍ للبحث عن هذِهِ المُفرَدات في المعاجِمِ لِيَكْشِفَ عَنْ مَعناها بل أصْبَحَتْ مَوْرِداً خِصْباً مِنْ موارِدِ ثَرْوَتِهِ اللُّغَوِيَّة.

الاقْتِراضُ مِنَ اللَّهْجَةِ المُعاصرة:
يُعَدُّ الاقتراضُ مِنَ اللَّهَجات وَسِيلَةً مِنْ وسائل صَوْغ الكَلِمات ( ) وَقَدْ عَمَدَ الجواهري في أكْثَر مِنْ قصيدةٍ إلى الاستِفادةِ مِنْ بَعْضِ الأَلْفاظ الَّتي تَعِيشُ في اللَّهجاتِ المُعاصِرَة، ومُعْظَمِ هذِهِ الأَلْفاظ يَمْتَلِكُ أُصُولاً فصيحةً وبقيَ حَيّاً في الإستعمال اليومي لهذِهِ اللَّهْجة، وبذلِكَ أَضافَ إلى رَصيدهِ اللُّغوي رافِداً جديداً فيه مِنَ الطَّرافَة والجِدَّة والإثارة والإِيحاء ما يجعلُ الشَّاعر على وَعْيٍ بصنيعه، فهو يَقترِضُ مِنْها لأَنها أكْثَر إيحاءً مِنْ غيرِها مِنَ الأَلْفاظ الفصيحة وذلِكَ لأَنَّها تثيرُ تداعياتٍ كَثيرةً في ذِهْنِ المُتَلَقِّي لِطُولِ مصاحَبَتِهِ لَها.
إِنَّ شاعِرَنا لا يقيمُ اعتباراً لنواميس اللُّغَة كُلّها فلا يَتَحَرَّجُ مِنْ أَيِّ استعمال يَجِدُ فيه طرافَةً أكْثَر فاللُّغَة مُلْكُهُ الخاصُّ، به يَسْتَطيع فِعْلَ ما يشاء ومَيْلُهُ إلى الاقتراض يُعَدُّ ضَرْباً مِنْ ضُرُوبِ شَجاعَتِهِ وجُرْأَتِهِ اللُّغويّة.
إِنَّ الصِّلَة الحَمِيمة بَيْنَ اللَّهجات المُعاصِرَة والعَرَبِيَّة الفُصْحى تَظْهَرُ مِنْ خلال إحتفاظ اللَّهجات بالعديد مِنَ المُفرَدات الفَصيحة مِمّا يَجْعَلُها في نَظَرِ غير المُخْتَصِّين ألفاظاً مِنْ مستوى أَدْنى لكِنَّ الحَقيقة تُفْصِحُ عَنْ أَنَّ اختلاف مستويات اللُّغَة لا يمْنَع مِنْ وجود وشائِجَ بَيْنَها ولا سِيَّما في مجال المُفرَدات.
إِنَّ الاستعانَةَ بالأَلْفاظ الدّارجة لا يُشَكِّل عَيْباً على الشَّاعر لأَنَّه يُدْرِكُ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ ما تَحْمِلُهُ هذِهِ اللَّفْظَة مِنْ قُدْرَةٍ على الإيحاء والإثارة لِكَوْنِها تعيشُ في الاستعمال اليَوْمِي فَتَتَوَلَّد مِنْها دَلالاتٌ مَجازِيَّةٌ جَديدةٌ تُبْعِدُها عن الأَصْل الذي وَرَدَتْ فيه.
ومِن الأَلْفاظ العامِيَّة المُوْحِيَة الَّتي اقترضها الشَّاعر مِنَ اللَّهجة المُعاصِرَة لَفْظُ (طَرْطَرا)( ) الَّتي تَعْني مَعاني عِدَّة مِنْها: غياب السُّلْطة أو الفَوْضى واختلاف المعايير وضَياع الحَقّ وغيرِها لِكَوْنِها مَشْحُوْنَةً بهذِهِ المعاني ولا يوجدُ ما يقابِلُ طاقتَها في العربيّة الفُصْحى عَمَدَ إلى استعمالها واشتِقاق فِعْلِ أِمْرٍ مِنْها، ونظراً لِمَوْضوعِ السُّخْرِيَة اللاّذع الذي عَبَّرَ عَنْه جَعَلَ هذِهِ المُفْرَدَة عُنواناً للقَصيدَة فَضْلاً عن تَشْخِيصِهِ وتوجِيه النِّداءإِليْهِ بِوَصْفِه مَخْلوقاً انتهازياً أَفْرَزَتْهُ ظُرُوْف العِراق آنذاك فقال:
أَيْ طَرْطَرا تَطَرْطَري
تَقَدَّمي تَأَخَّري

وجاء في اللِّسان: ” الطَّرْطَرَة كالطَّرْمَذَة مع كَثرة كلام ورجل مُطَرْطِر مِنْ ذلِكَ والمُطَرْمِذ الذي له كلام وليسَ لَهُ فعل أو هي المفاخرة والرَّجُل إِذا افْتَخَرَ بالباطل تَمَدَّحَ بما لَيْسَ فيه ” ( )، والشَّاعر استعملها لتُوْحِيَ بمعانٍ كَثِيرةٍ تَزِيدُ على ما ذَكَرَهُ صاحب اللسان.
ومِنَ الأَلْفاظ الشَّائِعَة في لَهَجاتِنا المُعاصِرَة لَفْظَةُ ” فَزّ ” بمعنى اسْتَيْقَظَ فقال ( ):
وَفَزَّتْ عَلى صَرَخاتِ الجُّمُوعِ
تُنَفِّضُ عنها الخُمُولَ الرُّقُودُ

فاسْتَعْمَلَ اللَّفْظَة بمعناها الدّارِج أَمَّا في اللُّغَة فَتَعْني: ” توَقَّدْ وفَزَّ فُلاناً عَنِ موضِعِهِ: أَزْعَجَهُ ” ( ).
وآثر استعمال الفِعْل ” يَدُوخُ ” بمعنى أَصابَه الانبهار والإعياء.
على حين وردت في اللُّغَة بمعانٍ أخرى مِنْها: داخَ: ذَلَّ و ” داخ البلادَ ” قَهَرَها واستولى على أهلها ” ( ):
قال الجواهري ( ):
ونُهُودٌ مِنْ عَضاض الـ
ـبؤسِ فِيْهِنّ شُدوخُ

ونُهُودٌ مِنْ شَذاهُنَّ
” أَخُ الدَّيْر ” يَدوخُ

ومِِنَ الأَلْفاظ الفصيحة الَّتي بقيت محتفظة بالدَّلالة ذاتها الفِعْل ” يَطِيح ” بمعنى: يسقط، فقال( ):
هُمْ كُماةُ الوَغى إِذا ارتَجَزُوا
وَيَطِيحُوْنَ إِنْ هُمُ لُكِزُوا

ومِنْ ذلِكَ استعمال الفِعْل ” ضوّى ” بمعنى: أَضاءَ وهو استعمالٌ مَشْهُورٌ في اللَّهجات المُعاصِرَة وله أَصْلٌ في الفُصْحى: ” ضاءَ ضَوأً وضَوُأً وأضاءَ وأَضَأْتُهُ وضَوَّأْتُهُ واستضَأْتُ به” ( ). فالفِعْل ” ضَوَّأَ ” سُهِّلَتْ هَمْزَتَهُ فَصارَ ” ضوّا ” لكِنَّه كُتِبَ في ديوانِ الشَّاعر بصورة الأَلِفِ المَقْصورَة وهُوَ وَهْمٌ وكان يَنبغي أَنْ يَبْقى الفِعْل على أَصْلِهِ وهو الأَلِف الممدودة. قال الجواهري ( ):
سلاماً وراحَتْ شُعُوبٌ تَثُوبُ
ويزَحَفُ غَضْبانَ حَقٌّ سَلِيبُ

سَلاماً وبالدَّمِ ضَوَّتْ دُرُوبُ
وقال ( ) :
غُرُّ الجِّباهِ عَلىَ الغَبْراءِ تُسْرِجُها
مَرْجُ المُروءاتِ ضَوَّته حُباحِبُهُ

وقال ( ): فتضوّي ” أَجْمَةٌ ” كانَت. . .
ظلاماً. . .
إِثْرَ ” أَجْمَة “.
واستعمل الفِعْل ” نَطَّ ” ويعني في الدَّارجة ” بَرَزَ ” لكِنَّها في اللُّغَة بمعنىً آخَرَ ” نَطَّ في الأرض ينِطّ: ذَهَب ” ( ).
قال الشَّاعر ( ):
نَطَّتْ به شَفَتانِ زُوِّدَتا
بأَلَذِّ ما وعَتِ الشفاهُ فَما

وقال أيضاً مستعملاً الفِعْل ” عافَ ” الَّذي يعني ” تَرَكَ ” في اللَّهْجَة المُعاصِرَة لكِنَّه وَرَدَ في الفُصْحى بمعنى: كَرِهَ ( ):
مَنْ لناءٍ عافَ أَهْلاً
وصِحاباً ودِيارا

وقال ( ):
عِفْتُ مِمّا حَمَلْنَني ثمَنَاً
هُوَ أَغْلَى مِنْ عِيشَةِ السَّأَمِ

وآثر استعمال الفِعْل ” ماع ” بمعنى ذاب وهو يمتلك الدلالة نفسها في الفصحى ( ) فاستعمله استعمالاً دارجاً مِنْ حيث تصريفه فالفِعْل: ماع يميع يائي في الفصحى لكِنَّه في الدارجة واوي على سبيل المعاقبة: ماع: يموع فقال ( ):
تُلقِينَ في السَّرَّاءِ سِحْرَك كُلَُّهُ

وتُمَوِّعِيْنَ بِصَبْرَكِ الضَّرّاءَ

وقال ( ):
يموعُ إِذا مسَّ الهجيرُ رداءَهُ
كما انْحلَّ شَمْعٌ بالصِّلاءِ فماعا

واستعمل لفظة ” البطن ” استعمالاً دارجاً فأَنَّثَها وهي في الفصحى مذكَّر: ” البطن: خلاف الظهر مُذكَّر ” ( ) فقال ( ):
لو تُحسِّينَ ما أَحسُّ إِذا رَجّـَ
ـفتِ في الرِّقص بَطْنَكِ الخَمْصانَهْ

وقال ( ):
لكِ بَطْنٌ كأَنَّها مُخْمَلُ الدِّيباج !
ومِنَ الأَلْفاظ الشَّائعة في اللهجة المعاصرة لفظة ” الهلاهل ” وتعني الزَّغاريد فقال ( ):
وتعالَتْ هَلاهِلٌ مِنْ بَعِيْدِ

وتوالَتْ أَسْرَابُ طَيْرٍ سَعيدِ

وقال أيضاً ( ):
خَلا الرَّبْعُ مَأْنوسَ الرِّحابِ وأَقْفَرَتْ

ملاعِبُهُ مِنْ ” زَغْرَدَاتِ ” الهَلاهِلِ

ومِنَ الأبنية الشَّائِعة في اللَّهجة المُعاصِرَة بناء الصِّفة المُشَبَّهة (فَعْلانِ) على (فَعْلانة) بَدَلاً مِنْ (فَعْلى) وهي أَثَر لهجي قديم عرفته قبيلة أسد ( ) وبقيت آثارُه وانتَشَر في أَصْقاع مختلفة مِنَ الوطن العربي فمِنْ ذلِكَ قولُه ( ):
وخريرُ المِياه في السَّمْع كالقُبْلَةِ. . . حَرّانةً
ومُؤَنَّث حَرّان في الفصحى: حَرّى.
وقال ( ):
في ضِفافِ البُحَيْرَةِ النَّشْوانة
وقال ( ) :
وَلَقَدْ شَجَتْنِي عَبْرَةٌ رَقْرَاَقةٌ
حَيْرانَةٌ في العَيْنِ عِنْدَ دُخُولِهِ

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *