د. فاضل عبد الواحد : أناشيد الزواج المقدس لتموز ونشيد الانشاد لسليمان (ملف/5)

أناشيد الزواج المقدس لتموز ونشيد الانشاد لسليمان – مقال للدكتور فاضل عبد الواحد علي في مجلة سومر الاثارية /الجزء الاول والثاني المجلد الرابع والثلاثون / صادرة عن المؤسسة العامة للآثار والتراث /وزارة الثقافة والاعلام العراقية1978

من المعروف عن العقيدة الدينية عن السومريين والبابليين مبدأ الحيوية ” animism ” ومبدا التشبيه ” anthropomorphism ” اللذان يرجعان الى معتقدات انسان عصور ماقبل التاريخ .
ففي عصر مبكر من تاريخ وادي الرافدين ، جسد السومريون ومن بعدهم البابليون قوى الخصب بألهة هي إنانا ( عشتار ) وبأله للنبات والماشية هو دموزي ( تموز ) كما اعتقدوا أن زواج هذا الاله الشاب من هذه الالهة التي اعتبروها ايضا الهة الحب كان المصدر لكل مظاهر الخصب في الحياة ولم يقف سكان وادي الرافدين عند الايمان بالمعتقدات فقط بل كان لزاماً عليهم ان يقيموا احتفالات وطقوسا دينية يحاكون من خلالها ماصنعته الالهة في البدء ومن ذلك زواج اله الخصب دموزي من الهة الخصب والحب وهو الزواج الذي كانوا يقيمونه سنويا ً في موسم الربيع والذي اصطلح المختصون على تسميته بـ الزواج المقدس .
ولقد كان الزواج المقدس ، كأي احتفال ديني آخر يتضمن ترتيل الانلشيد والقصائد مما يؤلفه الشعراء السومريون على لسان العروس انانا ( عشتار) التي تقوم بتمثيل دورها احد كاهنات المعبد وعلى لسان العريس دموزي الذي يقوم باداء دوره الملك ” او احد الكهنة ” وكان يتضمن طقوسا تنتهي بزواج الملك بالكاهنة محاكاة لزواج اله الخصب من الهة الخصب
بعد هذه المقدمة القصيرة على مايسمى بالزواج المقدس التي كان من الضروري ذكرها لتعريف القاريء باولويات الموضوع ، ننتقل الان الى صلب موضوعنا الحالي وهو سفر نشيد الانشاد لسليمان فمن الجدير بالذكر ان هذا السفر القصير الذي يتكون من ثمانية اصحاحات فقط كان منذ زمن طويل ومايزال موضوع نقاش بين رجال الدين والمعنيين بدراسة العهد القديم على الرغم من أنه لاينسجم في نظر الباحثين بأية صفة دينية فهو لايمت بصلة الى المعتقدات الدينية للعبراننين او تاريخهم كما ان محتوياته لاتنسجم أصلاً وطبيعة الكتاب المقدس فهذا السفر عبارة عن مقطوعات غزلية ترد تارة على لسان فتاة هيمانة بفتى احلامها الذي سحرها بجماله وخصاله والتي بلغ الوجد بها حدا بحيث انها راحت تتحدث وبصورة ساخرة عن علاقتها الجنسية معه وتارة اخرى على شكل مقطوعات غزلية ترد على لسان فتى عاشق سحرته حبيبته بجمالها فراح يخلع عليها من الوصاف والتشابيه مالا حصر له .
وعلى الرغم من هذا الطابع العاطفي – الجنسي الذي يتسم به سفر الاناشيد فان بعض الباحثين وخاصة رجال الدين الارثوذكس يحظى بقدسية مماثلة للاسفار الأخرى في التوراة وانه في اعتقادهم يحمل بين سطوره معنى اعمق مما يوحي به ظاهره فعندهم ان الفتى العاشق في سفر الانشاد هذا انما يرمز الى اله العبرانيين ” يهوا ” وان الفتاة التي يتغزل بها وتتغزل به ليست سوى رمز لاسرائيل
والى جانب هذين التفسيرين توجد تفاسير واجتهادات لانجد حاجة لذكرها باستثناء راي واحد نعتقد انه على جانب كبير من الاهمية بالنسبة لتوضيح الجذور التي استمد منها سفر الاناشيد مادته وطابعه . والرأي الذي نحن بصدده الان يعود الى الاستاذ ميك
الذي ادعى عام 1933 ان نشيد الانشاد انما يمثل صورة محورة للطقوس العبرانية التي كانت تقام بزواج اله الشمس من اللهة الم ، وان طقوس هذا الزواج المقدس قد اخذها العبرانيون من الكنعانيين الذين اخذوها بدورهم عن سكان وادي الرافدين .
ومن جملة النقاط التي استند اليها ميك في تكوين فرضيته :
1 ) ان الفتى العاشق في نشيد الانشاد ينعت مرة بكلمة ” ملك ” ومرة بكلمة ” راعٍ ” وهما من نعوت اله الخصب دموزي ( تموز ) في وادي الرافدين .
2 ) ان الفتاة في نشيد الانشاد توصف مرة بكونها زوجة ومرة بكونها ” اختا ” وهاتان صفتان لالهة الخصب إنانا ( عشتار )
3 ) ان السفر موضوع البحث عبارة عن حوار عاطفي يرد مرة على لسان الفتى ومرة على لسان حبيبته على غرار مانجده في قصائد الحوار السومرية بين الاله دموزي وحبيبته إنانا
وفي عام 1962 أي بعد مرور اربعين عاما على مقالة ميك الاولى بخصوص سفر الاناشيد وهي فترة طويلة قطعت خلالها الدراسات السومرية شاواً بعيدا حيث توفرت مادة غزيرة ودراسات لغوية وادبية مستفيضة ، نشر الاستاذ كريمر مقالة عن ” سفر نشيد الانشاد واناشيد الحب السومرية ” (3 ) استعرض فيها الرأي القائل بعلاقة السفر وتأثره بطقوس الخصب عند السومريين
ثم كرر رأيه هذا عام 1969 واقر ان التشابه بين سفر نشيد الانشاد والطقوس السومرية يتعدى الصورة والاطار العام الى التشابه في التعابير احيانا ً .
وادا ماانتقلنا من العموميات الى التفاصيل الدقيقة للموضوع وجب علينا لاثبات وجود تاثيرات سومرية – بابلية في سفر نشيد الانشاد ان نقدم دراسة مقارنة بين النصوص السومرية والنص التوراتي ،
ويمكننا بهذا الخصوص تقديم النقاط الآتية :
1 ) قلنا ان الملك السومري كان يقوم بدور الاله العريس دموزي (تموز) في طقوس الزواج المقدس ولدينا نصوص توضح ذلك نذكر منها على سبيل المثال قيام كل من الملك شولكي (2095-2048 ق.م )وشو –سن ( 2038-2030 ق. م) من( سلالة اور الثالثة ) والملك ادن –دكان (1974-1954 ) قبل الميلاد من سلالة ايسن بهذه المهمة .

وبطبيعة الحال فان دور الملك سليمان في نشيد الانشاد يكون مطابقاً لدور نظيره الملك السومري فهذه العروس السومرية تخاطب زوجها المل السومري شو –سن وتدعوه بحرارة لأن يقبلها :
” ايها العريس دعني اقبلك
فقبلتي عزيزة احلى من الشهد
وفي حجرة النوم مملوءة شهدا
دعني اتمتع بجمالك اللطيف
ايها الاسد دعني اقبلك
فقبلتي عزيزة احلى من الشهد ”
” وانت مادمت تحبني
اتوسل اليك ان اقبلك
ياسيدي الاله ، ياسيدي الحافظ
ياشو –سن ، يامن يدخل السرور الى قلب انليل
اتوسل اليك ان اقبلك (4)
ونظيراً لهذا في سفر الأناشيد نجد العروس هي الأخرى تدعو حبيبها ” الملك ” لأن يقبلها فتقول :
” ليقبلني بقبلات فمه لان حبك أطيب من الخمر. لرائحة ادهانك اسمك دهن مهراق لذلك احبتك العذارى اجذبني وراءك فنجري ( 1:1-4 )

2 ) من المعروف عن دموزي ( تموز ) باعتباره الها للخضرة والماشية انه نعت بت ” الراعي ” ( في السومرية sipa والبابلية u re’ ) ولهذا كان من الطبيعي ان يطلق اللقب نفسه على الملك الذي يقوم بدوره في احتفال الزواج المقدس . لنأخذ مثالاً على ذلك الابيات التالية من مقطوعة نظمت على لسان العروس وهي تخاطب الملك السومري شولكي :
عندما أغتسل من اجل ثور الوحش ، من اجل سيدي
عندما اغتسل من اجل الراعي دموزي
عندما اطيب فمي بالعنبر
عندما ازين عيني بالكحل …
عندما يحيط خصري بكلتا يديه الجميليتين
وبالمثل يظهر العريس في سفر الاناشيد هو الاخر بشخصية راعٍ للغنم :
” اخبرني يامن بحثه نفسي اين ترعى؟ اين تريض عند الظهيرة ؟ لماذا انا اكون كمقنعة عند قطعان اصحابك ان لم تعرفي ايتها الجميلة بين النساء فاخرجي على أثار الغنم وارعي جداءك عند مساكن الرعاة ” (1: 5-8)

3) كثيراً مايلقب الاله دموزي في نصوص الزواج المقدس ( وكذلك بديله الملك ) بـ ( ثور الوحش ) في السومرية Ame والاكدية Remu وهو لقب يقصد منه الدلالة على القوة والقدرة على الأخصاب نذكر على سبيل المثال المقطوعة التالية التي تتوسل فيها إنانا الى حبيبها دموزي بان يطلق يديها لنها تاخرت في العودة للبيت فهي تقول :
” ماهذا ياثور الوحش . اخل سبيلي
ياكولي – انليل اخلي سبيلي لابد ان ارجع الى البيت
فباية حيلة ساتذرع الى امي ؟
باية حيلة ساتذرع الى امي ننكال ؟
وبالمثل فان الفتاة في سفر الاناشيد تشبه حبيبها بحيوان جبلي قوي وجميل هو الضبي مرة واليل مرة اخرى فتقول :
” صوت حبيبي هو ذا يأتي طافراً على الجبال قافزاً على التلول ، حبيبي شبيه بالضبي أو يعفر الايائل …(2:8-9)

4) ومن التشابه الأساسية الأخرى ان العريس الاله في النصوص السومرية يستعمل في مخاطبة عروسه لفظ ” اختي ” وهذا مانجده ايضا في نشيد الانشاد
فالراعي دموزي يذكر حبيبته إنانا بما قدم لها من هدايا فيقول :
اختاه ! الى قلبك انا من جلب الشهد
اختاه! الى قلبك ، القلب المحبوب انا من جلب الشهد
اختاه ! ياضوء النجوم ، ياشهد الم التي ولدتها
اختاه ! يامن جلبت لها ارغفة الخبز خمسة خمسة
اختاه ! يامن جلبت لها ارغفة الخبز عشرة عشرة
ويضيف دموزي بخصوص هدايا عروسه فيقول:
اخناه ! ساجلبها معي الى البيت
حملان لطيفة ونعاج
جداء لطيفة وماعز
حملان جيدة ونعاج
جداء جيدة وماعز
اختاخ ! ساجلبها معي الى البيت

وهاهو العريس في سفر نشيد الانشاد يخاطب عروسه مستعملا الكلمة نفسها :
مااحسن حبك يااختي العروس كم احبك اطيب من الخمر وكم رائحة دهانك اطيب من رائحة الاطياب شفتاك ياعروس تقطران شهداً ، تحت لسانك عسل ولبن …. (4: 10 -12)

5) يلاحظ الباحث في نصوص الزواج المقدس ان العريس دموزي يدعو عروسه الى دخول بستانه او جنينته للتفسح بين ظلالها واشجارها وان العروس إنانا تستجيب لتلك الدعوة فها هي تقول :
أدخَلَني اليها
ادخلني اخي الى جنينته
ادخلني دموزي الى جنينته
فتمشيت معه بين اشجارها الباسقة
وتوقفت معه عند اشجارها الممتدة
ثم ” جثوت ” كما يجب عند شجرة التفاح
وفي سفر الانشاد ترد الاشارة الى دخول العروس ” جنة الحبيب ” :
استيقظي ياريح الشمال . لياتِ حبيبي الى جنته وياكل ثمرة النفوس . قد دخلت جنتي يااختي العروس قطفتُ مرى (Myrrh ) مع طيبي اكلت شهدي مع عسلي . شربت خمري مع لبني .(4-16 , 1:5 )
ثم ترد الاشارة الى شجرة التفاح على غرار ماجاء على لسان إنانا قبل قليل :
كالتفاح بين شجرالوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت ان اجلس وثمرته حلوة لحلقي. ادخلني الى بيت الخمر وعلمه فوقي محبة اسندوني باقراص الزبيب انعشوني بالتفاح فاني مريضة حباً ( 2: 4—3 )

6) من نقاط التشابه الاخرى في كلا النصين مجيء العريس الى دار حبيبته طارقا باب بيتها واستجابة العروس بفتح الباب وهي في اجمل ثيابها وأبهى زينتها فلنستمع الى دموزي وهو يخاطب إنانا فيقول :
اختاه لمَ اغلقتِ عليك الاب ؟
ياصغيرتي لم اغلقت عليك الباب
( وتجيبه إنانا ) :
كنت استحم . كنت اغتسل بالصابون
اغتسل بالابريق المقدس
كنت ارتدي ثياب الملوكية , ملوكية السماء
ولهذا اغلقت على نفسي الباب
وتقول العروس في سفر نشيد الانشاد :
” انا نائمة وقلبي مستيقظ . صوت حبيبي قارع
افتحي لي يااختي ياحبيبتي ياحمامتي ياكاملتي لأن راحي امتلأ من الطل وقصصي من ندى الليل . خلعت ثوبي فكيف البسه قد غسلت رجلي فكيف اوسخها . حبيبي مد يده من الكوة فانت عليه احشائي . قمت لأفتح لحبيبي ويداي تقطران مرا واصابعي على مقبض الباب ..

 

شاهد أيضاً

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

في الذكرى الثانية عشر لرحيل شاعر فلسطين محمود درويش
*قصيدة رثاء لمحمود درويش، نشرها سالم جبران باسم سعيد حيفاوي*
نبيل عودة (ملف/26)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *