زيدان حمود : البناء القصصي في (زليخات يوسف) – توظيف الرمز والتجريد الواقعي

البناء القصصي في (زليخات يوسف) – توظيف الرمز والتجريد الواقعي

زيدان حمود
ناقد
جريدة (الزمان) الدولية العدد 2301 في 5 / 1 /2006

بعد مجموعته القصصية الأولي (إيقاعات الزمن الراقص) الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب العرب دمشق عام 2002 يطل علينا القاص علي السباعي بمجموعته الجديدة (زليخات يوسف) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة بغداد عام 2005 وهي مشروع قصصي يأخذ أبعاده الحداثوية من إصرار القاص علي التجريب المضني في عالم قصصي متشابك تتصل أبعاده بالتراث من جهة وتتواصل في الاتجاهات الحديثة من جهة أخري. التجريب عند علي السباعي جاء نابعاً من هوسه في البحث عن قصة جديدة ترتقي الي مصاف التأويل يكون فيها الرمز أساسا للأبعاد الدلالية الموحية لإحداث معاشة ترمي ظلالها وشباكها صوب المتلقي لأثارة التساؤل والتفكير وذلك ما ندركه واضحا في قصص مجموعته الثانية (زليخات يوسف) وهي علي التوالي (مريم البلقاء – مومياء البهلول – وساخات ادم – وتبقي قطام – الجذر التربيعي للقمر- إلزاما ما- احتراق مملكة الورق- عطش ذاكرة النهر- زليخات يوسف- بكاء الغربان).
ويبدو جليا من عناوين القصص إن القاص كان يلجأ إلي إدخال الرمز في قصصه تدريجياً، ابتداء من العنوان الذي يجرده من محتواه الواقعي وينتقل به إلي بعد دلالي يربطه مباشرة بمحتوي القصة التأويلي لاكمال عملية الترابط المدروس بين القصة وعنوانها ففي قصة (مريم البلقاء) التي سأمضي معها قليلاً، والتي يتسيد فيها العنوان منذ الدخول الأول للقصة، ويبدأ ببث شفراته المغلقة إلي متن النص، حيث المزاوجة الواضحة بين أنثي الإنسان وأنثي الخيل (مريم والبلقاء) مريم امرأة دلالاتها عميقة وواضحة، تكمن عندها الأشياء وتتناغم في حضرتها موسيقي الروح، حيث الانسجام الأزلي بين النقاء والتوحد.. مريم دلالة لا يمكن إغفالها عن الطهر والتطهر والأرتقاء نحو السماء والخالق، فهي التي حملت في كيانها ابن الرب من روحه، لذا كانت التفاتة القاص حين أعطي بطلته ذات الأسم ذكية وموفقة حيث أراد لها الخلود حين أخذها الموت، ومريم في قصة السباعي امرأة معشوقة تحب الخيول وتتقن فن التشريح الذي سمح لها أن تعشق فن فائق حسن وخيوله المتوحدة مع خيول الله في صحراء البدو، والبلقاء هي أنثي الخيل التي يندرس في تكوينها الخارجي ذلك التضارب الجميل بين الأبيض والأسود، حتي لتخال انك بين خطين متقاربين بين الظلمة والنور.
ومن هنا يجيء التقارب الموضعي في التوصيف بين الأثنتين، مريم هي ذكري متأصلة في حياة متداخلة بين شخص الراوي وأرثه العائلي، فهي ابنة عمه وزواجه منها مرتبط بقصة ثأر الجد الخيالية حيث قتله الإنكليز في واقعة مبهمة، ينقل خلالها رأسه إلي لندن حسب أوامر الملكة فكتوريا.
الإنكليز دمويون في حروبهم ولكنهم ليسوا كالعرب القدماء أو التتار مولعون بحمل الرؤوس علي الرماح والانتقال بها عبر الأقاليم للترويع وإثارة الفزع في قلوب الأعداء، هم اكثر بغضا من غيرهم لأعدائهم، ولكنهم يقتلون بصمت ويروجون لقتلهم بشعارات تحمل رائحة الحرية في تفاصيلها، ولكن حقيقتها خنق هذه الحرية بوسانل اكثر دموية ولكنها مستورة وغير مفضوحة، ولربما أراد القاص بهذا التلميح إلي كشف الدوافع الكامنة عند المستعمرين للذبح والتقتيل، فاعطي أوامر بنقل الرأس إلي لندن علي لسان الملكة فكتوريا (بعدما أعطوني سيف جدي اللامع الذي جردته جدتي من غمده منذ أن اخذ الإنكليز رأس جدي معهم الي لندن، حسب أوامر الملكة فكتوريا، من يومها والسيف لم يغمد، واعطتني جدتي جديلتيها السوداوين اللتين قطعتهما بسيف جدي ملفوفتين براية الحسين الخضراء ومنحوني فرساً بلقاء من نسل فرس جدي تشبه إحدي خيول فائق حسن في لوحة البدو)ص6.
أذن مريم هي البلقاء الثي تفتح أفاق الحلم القادم وهي رفيقة الصبا والدراسة وأكاديممية الفنون حيث فائق حسن وجواد سليم، ونشوة الانطلاق مع الخيول إلي فضاءات سابحة بالخيال والمحبة مريم التي يدهسها القطار في الربيع ليتهاوي معها ربيع الراوي وحلمه المشبع برائحة النذور وزيارة ضريح الخضر في عيد نوروز حيث البيض الملون وأوراق الخس التي تجلب الخضرة لحياة الناس المزدحمين في البساتين وأضرحة الأولياء، وهو ذات الربيع الذي يفقد فيه الراوي وعيه عند زيارته لقبر مريم مع أهله واهلها، بعد أن عجزوا من العثور عليه في مقبرة السلام لشدة زحام الزائرين، وعندما يأسوا من العثور علي القبر يتناهي إلي سمع الراوي صوت مريم وهي تردد (يا سبعي) ثم يلمحها قادمة علي فرس بلقاء ببدلة زفاف بيضاء، وتدور بينهم تلك المحادثة الشيقة والدعوة الرهيبة التي تدعوه فيها مريم إلي الموت، وهي تشم رائحة تراب القبر وتقول له إنها رائحة تراب قبرك لا قبري وهي تتوسل إليه أن يكون بقربها لأنها خائفة من الوحدة وهي بحاجة إليه، وعندما يفيق من غيوبته يجد الجميع ملتفين حوله وقد انتابهم الرعب وهم يجدونه شاحب الوجه ومرعوباً من الخوف، ويتداخل صوت الراوي مع صوت الجد الذي يأكله في المنام لتتناغم أحداث القصة بمنحي سردي واحد.
هنالك تفاصيل وانثيالات دقيقة جعلت القصة قابلة لتأويلات عديدة واحالتها من طابعها الواقعي إلي طابع فنتازي رمزي يحتوي علي الكثير من الدلالات التشفيرية التي تعبر عن مدلولات كامنة في عمق القصة، إلا إن إضافة أسماء شخصيات تاريخية وادبية إلي متن النص القصصي دون سبب ما بقصد إبراز ثقافة القاص أو معينه المعرفي فأنه ينال من عمق القصة اكثر مما يدفع بها إلي الارتقاء، حيث تذكر في صفحة واحدة عدة شخصيات تاريخية وادبية لم تضف إلي أجواء السرد قيمة فنية بل علي العكس شتت فكر القارئ وابتعدت به عن محتوي النص القصصي إلي التفكير بفائدة إدخال مثل هذه الأسماء إلي متن النص مثل ص6/ ص7 (الحلاج،زهور حسين، عنترة بن شداد، ابن الرومي، ادونيس، ابن عربي، وغيرها من الأسماء الأخري). وفي جملته عن زهور حسين في ص7 والتي يكررها في نهاية القصة ( كانت خلاصة حياتي شبيهه بخلاصة حياة زهور حسين نصيبها الرقص فقط) علماً أن زهور حسين مطربة وليست راقصة، وربما أراد القاص من هذه التلميحات معاني أخــــــــــري دفينة غير هذه المعاني.
وعلي نفس المنوال الرمزي الذي نسج فيه علي السباعي قصته (مريم البلقاء) التي امتازت بالتدفق العاطفي والوصف السينمائي الدقيق في صور رائعة تجلت بمشاهد مقروءة سرعان ما تتحول إلي مشاهد مرئية عند القراءة، كما في صورة الدود الذي يخرج من رأس مريم في غيبوبة الراوي عندما تتراءي له علي فرسها البلقاء، وصورة أكل الجد للراوي عندما كان صبياً في المنام، علي هذه الشاكلة في دقة البناء الرمزي تجيء قصص علي السباعي الأخري متناغمة علي وتيرة واحدة من المزج المقصود بين المرئي والمتخيل ففي قصته الثانية (مومياء البهلول) هنالك تصور واضح عن الرمزية المقصودة للايام القاسية في حياة شعب عاني الحصار بنوعيه الاقتصادي والثقافي وعلي مدي سنوات طويلة.. الحصار في المفهوم الحياتي والإعلامي هو ذات متداخلة في ذات الكلمة المعبرة عما تعنيه، أما في القصة الموحية بدلالات أخري فان الكلمة تأخذ بعداً آخر.
استهل القاص قصته بعبارة استهلها من أقوال البهلول، والبهلول شخصية تاريخية لم يقم السباعي باعطاء تفصيلات في مرجعية اصل هذه الشخصية، وانما اكتفي بالاستشهاد بأقوال البهلول كونه معروفا في الذاكرة الجمعية العراقية كشخصية فكاهية مليئة بالحكمة وداعية من دعاة التحرر لعتق الإنسان من عبوديته في زمن معين، وقد جاء في بداية القصة ص39 (إذا كان عدد أيام شهري رمضان وشعبان ثلاثين يوماً، تصحبها رياح شرقية، ستظهر عربة يجرها حماران رماديان كل منهما بأذنين مقطوعتين تقودهما امرأة من يتبعها يجد الخلاص.. هذا ما قاله البهلول) والعبارة غير دقيقة في التفاصيل حيث عدد أيام شهري رمضان وشعبان ستين يوما إلا إذا تغــــــير القول إلي (إذا كان عدد أيـــــــام كل من شهري رمضان وشعبان ثلاثين يوما). وفي السياق السردي للقصة تظهر الذئاب التي تحاصر المدينة وكأنها قدر أزلي نشب أظفاره القاسية في تفاصيل تلك المدينة التي ما عادت تسمع سوي عواء الذئاب والانتظار الطويل المتمثل بالبهلول وهو يمسك ببندقيته المحشوه ارث اسلافه ص39 (حصار الذئاب في اتساعه، رياح شرقية وأدت المدينة ليلاً، أصوات ذئاب تعوي، عواؤها حاصرنا أمس، أول أمس، قبل عام، منذ سبع سنوات والبهلول ممسك بندقية محشوة، أرث أسلافه، لكن لا أصابع تضغط علي الزناد، فقط عيون ترقب الذئاب والزناد، الزناد وذئاب تعوي، عواؤها صار شواهد دلالات، أمكنة، حضارات وحصارات تجري داخل قوقعة الروح الأبدية). بعدما تتحقق نبوءة البهلول في قدوم المرأة التي تقود العربة الخشبية التي يجرها حماران رماديان بأذنين مبتورتين، وكان الي جانب البهلول حفيده (أما رجي) وهو اله الحرب عند السومريين جالسين علي دكة السنة الثامنة للحصار يراقبانها وهي تعلن بضاعتها التي تثير الملل عند الناس.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *