هشام القيسي : لطيف هلمت .. مفارقات في بنى نصية استنطاقات وسياقات تقابلية دلالية

هشام القيسي

لطيف هلمت : مفارقات في بنى نصية
استنطاقات وسياقات تقابلية دلالية

يسعى الشاعر لطيف هلمت عبر أنساق نصوصه ومستوياتها إلى تفعيل وتشظية دالات الأشياء كمخرجات عن الأنا في رؤية المواجهة لأجل التجاوز والتقرير وفق تشعير مواز معاكس للخطاب بما يبرق إيقاعا حاكما في عملية التلقي .
وفي تحديدات إقراراته الشعرية تندرج المواجهات والمهيمنات تحت مشهديات تتقابل فيها عناصر الدلالات توافقا وضدا من خلال بوح منساب مؤطر بوعي تبدو طقوسه محتدمة في أبعاد التوازي الدلالي ، وهذا ما تشير إليه مفردات البوذي والصوفي والكوردي كخيارات عقائدية وسلوكيات حياتية :

( البوذي يحبذ
أن يرتشف مرارة الموت
أمام صنم بوذا ) .

( الصوفي يتخيل
أن يطير فوق سجادة صلاته
وبألف جناح نحو الله
يطير ويطير ) .

( أما الكوردي يعيش ويموت فوق كرسي
وإن مات تحمل جنازته إلى المقبرة فوق كرسي
ويترك له داخل لحده كرسي ) .

وهكذا فان ثيمة العلاقات هي استنطاق واستعادة وتوظيف بإشهارات وترميزات دالة في أفق شعري مفتوح . وتأسيسا على ما تقدم فان اشتغالات الشاعر وأنماطه التعبيرية تشكل إرهاصات من مغمورات حسية ورؤيوية لظواهر متباينة تؤطر المشاهد الحياتية المرئية :

( ثمة من يتمنون الموت
وشفاههم تعانق كأسا بصمت
وثمة هنا وهناك
من يشتاقون الموت
وأياديهم تحتضن البنادق )

و

( الصقور
تسعى أن تودع آخر أفق الحياة
على قمة إحدى القمم )

و

( لا يمكن العثور على النفط
الأطفال قرروا
أن يحرقوا في ليالي
الشتاء الباردة
كراسي البرلمان ) .

في إنتاجية صور الشاعر وسيميائياتها تنويعات بإتجاهات سوريالية ورمزية ، فمن خلال مخيلة خلاقة تسندها موجهات طليقة في ذاته تغدو إرسالياته بكيفية لا تنوء عن قصديات ملجئة تمور في عالمه الشعري وتنزاح تحت صور بلاغية متنوعة :

( أذهب لأسرق من صحارى السحاب والضباب
قليلا من الحبر الأبيض
وأصبغ به خيمة الليل )

( أود أن أستدين بعض الاخضرار
من غابة
وأخلق في الخريف
ربيعا مؤقتا )

( أتخيل أن أشتري في إحدى أسواق العواصف
بعض الهدير
وأمرن قلبي على خلق
قهقهات من الضحك )

فـ (صبغ خيمة الليل) و( خلق ربيع مؤقت ) و( قهقهات من الضحك ) موجهات تنساب من بواطن محترقة مشحونة بدلالات قيمية يحتضنها نسق لغوي يقود إلى حالة من الفهم الفلسفي داخل السياق الإنساني لحراكه الحياتي كشاعر يشهر مواقفه ويحتكم إليها .

تتأطر مفردات التفاعل الشعري لدى لطيف هلمت بصيرورة الذات ، الرؤية ، العصر ، المعطيات كمحطات تنهل في خطابها وأسفارها من طواف ذاته الشعرية المتأملة وبمحمولات تقترن صدقياتها بعمقها الإنفعالي ومجساتها أولا وحرارة الاندماج والتفاعل ثانيا وتداخل وإنزياحات المشاهد وتشكلاتها ثالثا :

( الأوراق البيض لا أعداد لها ولا أسماء
دوما ترتشف سيول الكلمات
والكلمات دوما
تلعب على شرفات القواميس …)

و
( الأوراق البيض هي مقابر الكلمات
أرى جليدا أوتوماتيكيا في السماء
يحول الأوراق البيض إلى كفن
طويل طويل طويل طويل طويل طويل
للذين تحولوا في لعبة الشطرنج إلى ملوك ) .

فالشاعر هنا يسهم في تبصير الكيفية المغايرة التي يفجرها عالمه في سبر مضمرات بدلالات التشبيه
كهوية لنص شعري يعيش ولا يبتعد عن ديناميكية الحياة وتوتراتها القابلة للانفتاح وبشتى وتائرها المختلفة من أزمات ومآس ومتغيرات وعلاقات متعددة المستويات .

وعليه فنصوصه التعبيرية تضفي على المتلقي سياحات بمناخات نفسية وفلسفية ونقدية كمرجعيات في استبصار عوالمه الشعرية ما يؤكد ان مخياله وتشكيلاته معاينات وأسفار وجودية تسعى إلى تبئير محطات انسانية دالة وناقدة وبإرساليات نشعر بمؤثراتها لتطابقها التام مع مكنونات مشتركة الفهم وبتعالق دلالي يلهب المشهدية الشعرية ويناغم ارهاصاتها المهيمنة :

( حين ترسم صورة لحمامة
أرسم لها شجرة
لتنسج عليها
عشها )

( حين تخطط صورة لجبل
أهطل عليه ثلجا
كي لا يكون وحيدا )

( حين ترسم صورة لنهر
أطلق فيه سمكتين
حتى لا يشعر
بالوحشة ) .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *