باهرة محمد عبد اللطيف* : تأملات بوذيـّة على رصيف الموت

تأملات بوذيـّة على رصيف الموت
باهرة محمد عبد اللطيف*

لهذا الصباح رائحة الذكرى، شئ ما -أعرفه- أيقظني في هذه الساعة المبكرة في مدينة تـتنفس بعمق من غفا بعد ليلة صاخبة راعفة بالحياة.
وحده “أوسكار” يحمل جهاز التسجيل كعادته، يدنيه من أذنه ويبعده بتناغم شديد مع اللحن المنبعث. إنـّه (بـان) المدينة العصرية بعد أن تحطمت نايات الرعاة وبعد أن تربّع القطيع على مكاتب أنيقة وصار يمتطي عربات فارهة، وطغى ثغاؤه على كل ما سواه وراح يمضغ أحلامنا حلماً إثر آخر ويلفظها بوجه أيامنا.
أُقسم أني رأيت وجوهاً وأياماً لا ملامح لها كأنـها بقعة قيء جافّة، ولكن مالي وهذه الأفكار؟ مازال الصباح يفرك عينيه ويتـثاءب وموسيقى “أوسكار” تتناهى إليّ من أقصى نقطة في جمجمتي، فلأكن أكثر تفاؤلاً.
رفعت رأسي بتثاقل مؤلم ونظرت من نافذتي المجاورة، لا أكاد أتبيّن شيئاً من خلل الزجاج المضبّب بأنفاسي المختنقة طوال الليل في الغرفة الرطبة. هوذا يتمايل بحنانٍ غريب، جسده البدين يتثنّى برفق مع تـهدّج صوت مغني الفلامنكو، يتحرّك في نقطة واحدة لا تـتغير من الشارع الخاوي في هذه الساعة الفتيّة من صباح شتائي. أتطلّع إلى الشارع برصيفه المؤطر بعناية، بإشارات الضوء الواقفة باعتداد دائم، وبصور الرجال الصغار المصلوبـين أبداً على المصابيح الملوّنة، بأصائص الزرع وحاويات القمامة الأنيقة. كل شيء يوحي بعناية ونظام يخلوان من عبث الحياة في مدينة لا تعنيني، بل للأمانة والدقة أقول، لا أعنيها.
ألمح الكهل المتصابي يخرج من منـزله، سيدنو من “أوسكار” المنشغل بموسيقاه، يداعبه بتعليق وغد، وقد يغويه ذات صباح مهجور ليوم أحد حزين كهذا. ها هو يحييه بنظرة ناريّـة ويمضي، على وعد غامض ما، تاركاً “أوسكار” متوحداً مع حزن موسيقاه، أثراً وحيداً للحياة في تضاريس هذا الشارع الرمادي الكابـي.
لابد لي من النهوض سريعاً، لن أشكو هذا الاستيقاظ المفاجئ ولن ألعن “أوسكار” وموسيقاه التي اعتادت أن تُفسد عليّ كوابيسي وتحملني على الصحو المبكّر. سأغتسل وأرتدي ملابسي وأنطلق بجناحي طائر نجيب لساعة التأمل البوذي، سأكون سواي بعد لحظات. وسأُعلن هدنةً مع الكون ومعي. سأبدأ تأريخاً أتوحّد فيه مع الطبيعة، أتآخى فيه و”أوسكار” ولعلّي ذات صباح سأَحـمل جهاز تسجيلي أنا الآخر لأبثّ موسيقاي الأثيرة لأُسمع المدينة المتعالية ببرودها ولا مبالاتـها الأزلية، غناءً شجياً له طعم الحزن والفجيعة والتشرد في بقاع الأرض، كم سيبدو حدائي نشازاً في صقيع هذه المدينة بأحاسيسها الفاترة حد تقطّع نياط الروح!!
أي موسيقى أحمل لأوقظ المدينة، كما أيقظها من قبل عازف مرهف القلب حين روى لها “أحزان العصافير” فبكت. لأول مرة، ساح ثلج المدينة دمعاً ندياً!!
مغني الفلامنكو يصرخ ويلحّ في الصراخ. أغاني الغجر تشعل حطب الروح فتدفئها. إنـهم ملتاعون مثلنا يدقون الأرض احتجاجا بكعوب العناد والألم، ولا صدى!! تماماً كما دقَّ من قبل رفاق ” أبي الخيزران”، وكما دق أهل الملجأ المحترق، وأنا هنا أحاول إستجماع قوتي لأنـهض من سريري.
سأقنع نفسي بـما لم يـُثـبت بعد -خلافاً للنصيحة الذهبية- وسأقول إن جلسة التأمل البوذية الأخيرة كانت مجدية لروحي وسأمضي بعد قليل لأتزود بالأمان وبالسلام، مع النفس ومع الآخر.. نعم ، فالتفكير أعظم قوة في العالم وقطرات الماء المتساقطة على نقطةٍ واحدة من شأنـها أن تحفر نفقاً أخرج منه للضوء في نـهاية المطاف.
أرفع رأسي من جديد، أتطلع عبر زجاج النافذة المعتم فيلمحني “أوسكار” ويلوّح لي بوجهٍ طفولي ما عرف الفجيعة يوماً، ثم سرعان ما يواصل التأرجح مع أنغامه وبين الحين والآخر يجأر بصوته مقلداً -بـهمهمةٍ غريبة- مغني الفلامنكو، فيختلط الصراخ ببعضه محدثاً جلبة تفزع منها العصافير التي أسندت قوائمها الدقيقة إلى إشارات المرور وأعمدة الضوء.
“أوسكار” المهجوس بموسيقى الغجر يصرّ على رفع الصوت إلى أقصاه والشارع المتطامن يصرّ على لامبالاته.. وصاحب الدكان الوحيد المفتوح في هذه الساعة يخرج بين آونةٍ وأخرى ليرمق “أوسكار” بنظرةٍ هي مزيج من إشفاق ونفور ليعود من بعدها إلى الداخل.
أتـهالك في سريري، وتداعيات الذاكرة المفجوعة منذ قرون تضغط على أعصاب روحي، تطبق على صدري وتمنعني من التنفس باسترخاء، وساعات الصباح الأولى هي الأفضل للتأمل كما يقول المعلم الناحل بـهيئـته البوذية المتقشفة.
لن أذهب للدرس وسأكتفي بتنظيم أفكاري في جلسةٍ روحية أقوم بـها من فراشي -إنما الأعمال بالنيات- وستكون ذات جدوى حتماً فأعضائي منهكة، والقصة التي بدأتـها ليلة أمس استنفدت روحي، إذ حاولتُ ولا أزال أن ألتقط تفاصيل الذاكرة الـمتشظية كلها في قصةٍ قد تصلح يوماً شهادةً عن زمنٍ غادر ووعي مغدور دون أن أتنازل عن شروط القصة الفنية، وهي مهمة عسيرة أزعم أنـي قادر عليها. والآن سأنجح في نفث سموم الجسد والروح، سأسترخي، وأُركّز أفكاري في أمرٍ إيجـابي. نعم، فالأفكار تجلب مثيلاتـها، والخوف مصدر جـميع الأفكار السيئة، وأنا حقاً أنضح خوفاً منذ آماد بعيدة، وذاكرتي تبتلّ عرقاً كلما استعدت تلك الأيام. يقول “سد هارتا” إن التـأمل يقودنا إلى مفتاح السعادة الذي أخفته الآلهة عن الإنسان فقرّرتْ أن تضعه في أعماقه، لتضلله فلا يجده أبداً، وأنا سأجده حتماً فالمرء دوماً يجد ما يبحث عنه بالإرادة، وإرادتي تغور يوماً بعد آخر، وبالرغبة، بذلك الجهد اللاواعي للإرادة، ورغبتي تفتر وأشواقي وحدها تفترس جسدي كل ليلة.
برغم كل شيء، لابد من التركيز، من نفث الطاقة السلبية للجسد واستنشاق الطاقة الكونية بملء رئتيّ، ولكن موسيقى “أوسكار” تمنعني، تجرجرني إلى أحزان نائية تتصادى وذاكرة تلك الأيام، تحول بيني وبين مفتاح السعادة، بل لعلّني بالفعل عاجز عن بلوغ أي مفتاح مذ رميت مفتاح روحي في “دجلة” الحزين ذات عصرٍ سعيد كنتُ أذرع فيه جسر “الشهداء”..! سأُطبق جفنيّ وأنفث من صدري زفيراً بلون الكراهية وطعم الموت، ليخرج من حلمي جلادون وعساكر ومسوخ.. سأفكر بإيجابية وأحلم بأُمهاتٍ لا يفتحن الآن أفخاذهن تأهباً لإنجاب المزيد من الطغاة، بأطفال يلثغون بأسماء الأشياء الأولى قبل أن تـتشوّه بلُغة الدكتاتور.
ذاكرتي مثقلةٌ بالقصف وأصوات الانفجارات وبالأنين، وعازف الجيتار الغجري يضرب على أوتار الذاكرة، يجرّحها. أفتح عيني بألم وأنظر إلى الشارع ألمح “أوسكار” المترنح ثملاً بموسيقاه يكاد يهوي إلى الأرض ثم يعود ليستقيم بأعجوبة. إنـه منهك ووجهه محتقن، عمّا قليل سيسقط مصروعاً على الأرض البليلة وسيهرع صاحب الدكان المجاور لاستدعاء عربة الإسعاف. سيموت “أوسكار” يوماً من شدة النشوة، وسأموت أنا أيضاً إستجلاباً لحالة الاسترخاء لأعضائي المتـيـبسة ككومة حطبٍ ناشف.
كم ستكون خيبة معلمي البوذي عظيمة حين أُخبره أنـي عجزتُ عند نقطة الصفر، فلم أفلح في الاسترخاء، فكيف سأتوحّد والكون إذن!! كيف سأصهر الجليد بإيـماني وعزم روحي، وكيف سأبلغ ابتسامة “بوذا” بعد أن تشفّ الروح.. شكل المادة الأرقّ!!
في المرة القادمة سأسأل معلمي الورع إن كان بوسع “بوذا” أن يحتفظ بابتسامته الخالدة لو أنه أصغى لـمئات الصواريخ تدكّ الأرض من تحته وتصدّع السماء من فوقه!
سأتنفس بعمق الوجع وأزفر جمر الحنين، سأملأ صدري بموسيقى “أوسكار” علّنا نبلغ النشوة معاً، كلّ من عالمه، هو من رصيفه وأنا من سريري..! هو بأحزان غجره، وأنا بأحزاني التي تلتف اللحظة كأفعى أسطورية تـمتد من “بغداد” إلى غرفتي لتطبق على عنقي تـمنع عني الهواء، أول شرطٍ للاسترخاء ولتجميع أشلاء الذاكرة الـمتشظية في التأمل البوذي الصحيح.
أُجاهد لأفتح عينيّ، كأني بـ”أوسكار” يجاهد هو الآخر لئلا يسقط، يجأر بعنف مهتاج فـترتفع عشرات الأكفّ المصاحبة لمغني الفلامنكو بتصفيقٍ شبقٍ مجنون يلهب “أوسكار”، ترافقه في لحظة إنخطافه الموعود. والأفعى تلتف تضغط على عنقي وأنا أُقاوم لأصل إلى نهارٍ يغزوه القرف كل لحظة لأن بسطاراً بحجم أُمة يجثم على صدره.
البرد يتسلل إلى أطرافي والأوكسجين يشحُّ في الغرفة الرطبة ويمنعني من التأمل. أشعر بخدرٍ مقبل.. لعل لحظة إنخطافي قادمة، أحاول أن أتبينها بإعياء شديد خلل عويل عربة إسعافٍ مجنونة تدنو مهرولة لتوقظ الشارع.

*من مجموعتي القصصية “تأملات بوذية على رصيف الموت”.
**كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة باسبانيا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الجبار الجبوري : – سلاماً أيهّا البَحرُ مِنّي السّلاما – .

يؤلمُني البُّكا بين يديّها، فأهربُ الى سماء لا أرى فيها ،غيرَ عينين دامعتين، وشفتين يقطرُ …

| نبيل عودة : كيف صار لله شعب مختار؟.

اختلف اساتذة اللاهوت وممثلو الأديان من الشخصيات الدينية رفيعة المستوى حول أسباب حصول اليهود دون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *