ناطق خلوصي: “بيت على نهر دجلة”: تجليات البُعد المأساوي للحرب

يقف مهدي عيسى الصقر ، وهو صاحب تجربة ابداعية تمتد لأكثر من نصف قرن ، في الصف المتقدم ممن ينحازون إلى الواقعية من الكتـّاب العراقيين والعرب . غير ان أعماله تترفع عن الاقتراب من النمط التقليدي للواقعية ، النمط الذي قد يقع في منزلق فجاجة السطحية والمباشرة , انها تنتمي إلى نسق راق ٍ يغتني بالواقع ويغنيه : يغتني به حين يستلهمه بما يكتنزه من وثائق انسانية حيّة ، ويغنيه حين يعيد صياغته فنيا ً ووفق شروط معمار يلتزم بالرصانة ولكنه لا يتخلى عن الفنية .
 وضمن سباق انحياز الروائي للواقع ، وفي ظل صيرورة الحرب جزءا ً لا يتجزأ من حياة العراقيين ومكمنا ً رئيسيا ً من مكامن عنائهم وعذاباتهم ومواجعهم على امتداد بضعة عقود من السنين ، فإن هاجس الحرب ظل يؤرقه ابداعيا ً في مجمل أعماله الروائية بدءا ً من ” الشاهدة والزنجي ” ( 1988 ) وانتهاءا ً بـ ” بيت على نهر دجلة ” التي صدرت عن دار المدى في العام2006  قبل رحيله بأيام .
  تبدو لنا هذه الرواية ، التي كان قد أسماها ” الحصاد ” بادىء الأمر ، أكثر توغلا ً من سابقاتها في عمق الجرح العراقي النازف لتجسد البُعد المأساوي للحرب بكل افرازاتها الاجتماعية والأخلاقية بشكل خاص . إنها استقراء لرؤية الروائي لها وهي ليست رؤية شاهد من الداخل يكون على تماس عياني مع الفعل القتالي ( مثلما يفعل المراسلون الحربيون ) وإنما رؤية شاهد من الخارج يوظف ما يقرأه ويسمعه ويراه عنها ، جنبا ً إلى جنب مع ارهاصات حسه الانساني وموقفه الأخلاقي منها ، في انتاج هذه الرواية . إن البُعد المأساوي للحرب يتجلى على امتداد متن الرواية من خلال نماذج شخصياتها وطبيعة أحداثها وتفاصيل هذه الأحداث وعتمة المناخ العام الذي تتحرك في ظله .
  يوحي عنوان الرواية بالمباشرة ، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى ، لا سيما انه يحدد سلفا ً معالم المكان الذي ستدور الأحداث فيه . غير ان هذه المباشرة نا تلبث أن تقودنا إلى الكشف عن ثنائية تضاد تجمع بين الساكن والمتحرك : الساكن متمثلا ً بالبيت ، والمتحرك متمثلا ً بالنهر ، وهما في حالة مجاورة وتعايش وتبادل مواقع أيضا َ . إن الساكن ( البيت ) الذي تتكشف دلالته الرمزية ليصبح أكثر من رقعة مكانية ضيقة ، يتحول إلى متحرك حيث يصبح بؤرة تمركز أغلب الأحداث ، في حين ينسحب النهر إلى الهامش ليواصل جريانه المكتوم ، هادئا ً ، مستسلما ً ومتخليا ً عن عنفوانه المعهود ، فيظل جزءا ً من خلفية المشهد الروائي ، ولكنه جزء لا غنى عنه بما ينطوي عليه من إيحاءات .
 تشترك في حبك النسيج السردي للرواية بضع شخصيات مأزومة ، منها من هو مأزوم نفسيا ً ومنها من هو مأزوم أخلاقيا ً ، تتحرك في فضاء مكاني محدود ( البيت وعيادة الطبيب النفساني  ومركز استلام الجثث ) وتقع الحرب في خلفية الأحداث كلها وهي تشكل عنوان الأزمة الرئيسة فيها . منذ المطلع الاستهلالي للرواية يزج الروائي بالقارىء في اتون الوسط المأساوي للأحداث ” الهواجس التي يأتي بها الليل تؤرقني ! كل دقيقة ، كل لحظة ، اسائل نفسي ــ وأنا أتأمل وجهه الذاهل ــ إن كان سيشفى في النهاية أم يظل هكذا ضائعا ً ، يتأرجح بين مشلرف الوعي ومتاهات الجنون ” ( ص 5 ) .والمعني هنا هو” سعيد المطلوب ” العائد من الأسر في الحرب العراقية ــ الأيرانية ، أما الراوي فهو أخته ساهرة المطلوب ( وهما سيصبحان شخصيتي الرواية الرئيسيتين وسيشغلان الجزء الأكبر من زمنها ) .
  غير ان محدودية عدد الشخصيات والأمكنة لا تترك تأثيرا ً سلبيا ً على البنية السردية . فهي تغتني بما يؤهلها لاستقطاب انتباه القارىء وفي طبيعة معمارها ما يملي متابعة دقيقة ومتأنية . فالروائي لا يسير بأحداثه في خط أفقي أو يعرض سلسلة متتالية من الأحداث ، إنما يعمد إلى توظيف السرد المصحوب بالقطع والاسترجاه ، والذي تخترمه مقاطع حوارية مكثفة ن وتتداخل فيه الأصوات ويتشظى فيه الحدث الواحد وتتوزع أجزاؤه على امتداد ثد يغطي متن الرواية ، بل ان مقاطع كاملة تغطي بضع صفحات ، تخلو من أية علامة من علامات التنقيط حتى لتبدو كأنها جملة واحدة متواصلة . وفي هذا ما يستلزم حذر القارىء وهو يلتقط هذه الأجزاء ليوحدها معا ً . وهكذا فإن تقنيةالمونتاج السينمائي تجد لها حضورا ً واضحا ً هنا مما ييسر عملية إعداد الرواية سينمائيا ً في حالة توفر رعبة حقيقية للقيام بذلك .
 يلعب عنصرالمصادفة دورا ً واضحا ً في بناء الأحداث التي تتمثل بداياتها الفعلية في عودة سعيد من الأسر . فحيث كانتاخته ساهرة تقف في إحدى ليالي القلق والعذاب وهي تنتظر قوافل العائدين من الأسر بحثا ً عن أخيها الأسير سالم المطلوب ، وإذا بالمصادفة تقودهاإلى أن تلمح وجه أخيها الأسير الثاني سعيد بين وجو الأسرى العائدين في إحدى القوافل وهو الذي كانت قد تسلمت جثته ( أو قيل لها انها جثته ) ودفنته وأقامت له العززاء ، ولتكاشف فيما بعد انها كانت جثة مزعومة وإن الذي مات هو أخوها سالم ( وكان قد مات بسبب المرض ودفن في الغربة ) .
 والمصادفة ذاتها قادت ساهرة إلى التعرف على المحامي الجنوبي ماجد الذي صادف  مروره في ذلك المكان في ليلة تعرّفها على وجه سعيد ، ومد لها يد المساعدة ثم تطورت العلاقة بينهما على نحو سريع إلى الحد الذي جعلها توافق على الزواج منه قطعا ً للغط الآخرين وتقولاتهم . لكن ذلك الزواج كان شكليا ً بفعل الشرط الصارم الذي فرضته والذي يقضي بعدم التحامهما جسديا ً إلا ّ بعد شفاء سعيد ( وكان ذلك الشرط مستحيلا ً ) . لذلك ظل جسداهما بعيدين على الرغم من من انهما كانا ينامان على سرير واحد . وكانا يكبتان رغبات الجسد ، في مشاهد روائية جسدها الروائي بكل المردودات النفسية المؤلمة لهذا الكبت ، منها ذلك الصراع الحاد الذي يعتمل في داخل ساهرة بين أن تستجيب إلى غرائز الجسد المكبوتة منذ سنين وبين قرارها الداخلي في أن لا تفعل ذلك قبل شفاء سعيد : ” لمحت يده الناحلة السمراء تخرج من تحت الغطاء الأبيض المتهافت على جسده ، ثم تمتد لتخترق جدارها الوهمي ، الذي أقامته بين الجسدين ، وتتسلل بعد ذلك تحت قماش غطائها ، تتحسس الفراش ، حتى تعثر على يدها المطروحة بجوارها ، فتمسك بها متلهفة . أحست بدفء يده ، بالضغط المترفق لأصابعه ، فاستكانت أصابعها للضغط العطوف . غير انها بعد برهة من الزمن ، مرت بسرعة عجيبة ، وهي تشعر بذلك التواصل الصامت بالأيدي . داخلها الخوف من أن تنقلب مشاعر الإلفة والود بينهما ــ إذا امتدت اللحظات ــ إلى أحاسيس شهوانية مستعرة يتعذر السيطرة عليها ، فيعبر زوجها عندئذ بجسده المستثار ، ويخونها جسدها المتخاذل ، فتستسلم سريعا ً لانفجار غرائزها المكبوتة منذ سنين “( ص 8ــ ) ، وكأن ما يقومان به هي وزوجها يدخل في باب المحرمات . أما ماجد ، فقد حاول ــ ولكن عبثا ً ــ أن يعبـّر عن رغبته المكبوتة هو الآخر ، في أكثر من مرة ، منها تلك التي تجلت من خلال حركة يده التي تتلمس مكانها في الفراش : ” يشعر بالدفء الذي خلـّفه جسدها وراءه ، ويسري في لحم يده ، يترك راحته تتجول فوق مساحة الدفء الذي كان يبتعد شيئا ً فشيئا ً . كان مثل دخيل يحوم حول بستان محرم في غفلة من العيون ” ( 18 ) ، فزاد الحرمان الجنسي من حجم أزمته النفسية ، فهو كان يعاني من حالة رهاب يرجع سببه إلى الحرب حيث يداهمه بين حين وآخر ” نوع من الخوف الحيواني ” كما يقول ، وتقول ساهرة وهي تراه واجما ً ” لعله يستعرض بين تراكمات الظلال على السقف ، مشاهد من حياته الخاصة التي مزقتها الحرب ” ( ً8 ) .
ويقع الطبيب النفساني محمود سالم تحت وطأة جملة ضغوط نفسية تتراكم غرائزها على وعيه وتتضاءل يوما ً بعد آخر قدرته كإنسان حساس ، على التحمل ، فيتعرض إلى انهيار عقلي في آخر المطاف  ” عندما تنزل في بلاليع المجاري فإنك تتوسخ جسدا ً وروحا ً …. أنا أدخلها كل يوم . سنوات وسنوات وأنا أنزل فيها ــ كل يوم باستثناء أيام الجمع والعطل طبها ً ــ يأتون ويلقون ثقل عذاباتهم وأحزانهم على صدري … ” ( ص 187 ) و ” المرضى يملؤون الأرض والسماء ويحاصرونني … في السنوات الأخيرة غدت عذاباتهم لا تحتمل ” ( ص 190 ) ، وهو يعني سنوات الحرب . وينتهي به الأمر إلى أن يجمع بطاقات مرضاه والأشرطة الصوتية الخاصة بهم ويكومها ثم يتبول عليها ، في موقف يبلغ انهياره العقلي ذروته . وتأتي النصيحة التي يقدمها بأن يأخذ سعيدا ً إلى ” واحد من هؤلاء الذين يعاشرون الجن والملائكة ، يخط له حجابا ً يربطه حول زنده ربما نفعه ذلك ” ( ص187 ) ، ايماءة إلى تخلخل القيم واختلال الموازين وهزيمة العلم في زمن الحروب وتحت ضغط تأثيراتها . وإذا كانت شخصيات الرواية كلها تعاني من أزمات نفسية بدرجات متفاوتة ، فإن عبء الضغط النفسي على سعيد كان الأكثر وضوحا ً . لقد كان مدرسا ً قبل أن بياق إلى الحرب مخلفا ً وراءه زوجته الشابة فاتن وطفليه الصغيرين ، وشهد هناك ما شهد من أهوال الحرب ، فعاد منها وقد فقد عقله وتغيرت ملامحه حتى ان اخته ساهرة لم تتعرف عليه في الوهلة الأولى . فأمامها كان ” كهل في الثلاثين ، بالغضون اللعينة في وجههورقبته ، وذلك الرماذ المقيت في شعر رأسه وشاربيه ” ( ص 5 ) . وزاد من قسوة مأساته أن وجد حين عاد ، ان زوجته التي كان قد تزوجها عن تجربة حب ، تزوجت رجلا ً آخر في غيابه وان ولديه لا يتعرفان عليه . لقد ظلت لعنة الحرب تلاحقه حتى بعد عودته من الأسر إذ ظل يحمل إرهاصات العناء الروحي وتعرّض خياله إلى المسخ حتى كان وهو في البيت يتخيل انه يقف في طوابير الأسرى أمام دورات المياه ” الانتظار في الطوابير عذاب ” ( ص 16 ) بل انه كان يرى نفسه ميتا ً. يقول للطبيب النفساني الذي يحاول استقراء طبيعة حالته المرضية : ” لا استطيع أن أبوح لك بكل شيء . فلو ان جنابك سألتني وأنا لا أزال على قيد الحياة كنت حكيت لك الحكاية من أولها إلى آخرها لكنني الآن ميت ومثل أي ميت تركت ذاكرتي ورائي ” ( ص12 ) . وهكذا ظل ” يتخبط في فوضى خيالاته المضطربة ورؤاه المضطربة ، وولعه المجنون بإشعال النيران ــ هذا للانسان الممسوس الذي تصدر عنه اشارات تنذر بالخطر ، مثل دقات رهيبة لقنبلة موقوتة تدنو من لحظة الانفجار ” ( ص 6 ) . ان لإيماءة الروائي إلى رغبة سعيد في إشعال النيران ” أريد أم أشعل حريقا ً كبيرا ً ” ص 144 ) دلالتها الموحيةإلى مخبول مولع بإشعال النيران وكأن هذه الإيماءة تنطوي على نبوءة بما حدث ويحدث الآن ، ولعل في الإشارة الواردة في خاتمة الرواية إلى ان ” أضواء الحرائق تنير سماء المدينة ” ، ما يؤكد هذه الدلالة . فقد أشعل سعيد نارا ً هي شرارة حرائق كبيرة ، أشعلها في اللحظة التي كان جسدا ساهرة وماجد يوشكان على الالتحام مما يشي بتحول مفاجىء في موقف ساهرة فهي ” تقرب وجهها من وجهه ، وتقبّله في فورة من حب لم تكشف له عنه من قبل ” ( ص 197 ) وإذا بها ” تفتح عينين مفزوعتين ، ثم تنتفض جالسة على الفراش ” ( ص 198 ) بعد أن شمت رائحة جريق . ويوحي المشهد الروائي الختامي ان الجسدين سيظلان منفصلين مما يبررلا استخدام الروائي ل ” العذراء ” عنوانا ً داخليا ً للرواية .
 وتتجلى مظاهر التأزم الأخلاقي من خلال شخصيتين ويتمثل أبرزها في شخصية الضابط الشاب منصور غانم ( ولننتبه ألى دلالة اسمه وطبيعة عمله المرتبط بالحرب ) . لقد كان أحد مسؤولي مركز تسليم جثث العسكريين الذين يقتلون في ساحات القتال : شاب في الثلاثين يرى فاتن تقف في طابور المنتظرين للتعرف على جثث قتلاهم ، فتستقطب اهتمامه ويتودد إليها تحت غطاء كاذب من التعاطف والرغبة في ابداغء المساعدة ، في حين كان يحاول اغواءها ” يبتسم لها ابتسامة متواطئة … وهو يطوقها بنظراته الجذلة ” ( ص 147 ) ، نظرات ثعلب ماكر تشي بمستوى التدني الأخلاقي لأمثاله ، يعززها نمط سلوكه ، وهو” يواصل الكلام في متعة غريبة ، عما يصادفه أثناء عمله في المركز عن أحداث تبدو له طريفة ومثيرة ” ( ص 169 ) . وما يتكلم عنه بمتعة غريبة ويبدول له طريفا ً ومثيرا ً من أحداث ، إنما هي أحداث ترتبط بأوضاع الجثث المتفسخة التي يتواتر وصولها في شاحنات من جبهات القتال والتي ينظر إليها على انها رؤوس بصل ! ان إلى جانب غياب الحس الانساني لديه ، ثمة ما يدلل على انه يعاني من تأزم نفسي هو الآخر ، تؤكده تصرفاته الماجنة مع فاتن في سيارته التي يقودها بتهور مجنون . وبلغ سقوطه الأخلاقي ذروته في عملية التزوير التي اقترفها حين جاء بما ادعى انها جثة سعيد مصحوبة بشهادة وفاة مزورة ، لكي يستحوذ على فاتن . وتأتي شخصية الجندي المكلف بالحراسة ، امتدادا ً لشخصية منصور غانم ، انتماءا ً وسلوكا ً . فهذا الجندي الذي يقف قرب بيت ساهرة في أثناء حملة التفتيش عن الأسلحة عكس صورة اخرى للسقوط الأخلاقي حين تحرش بساهرة وهو يعمل علىمنعها من الوصول إلى أخيها بعد إلقاء القبض عليه . فقد كان ” يصدها بالضغط بجسده عليها ن يضغط ويضغط .  وهي في نزعها المتلهف للوصول إلى ابنها لا تنتبه للتحول الذي يطرأ على جسد الفتى المستثار الملتحم معها ، حتى يفيق جسدها نفسه وينتبه للخطر الداهم . عندئذ فقط تسمع لهاثه المتسارع وكلماته الفاحشة ، وترى البريق الغريب في عينيه فترتد فزعة ، لكنه لا يتركها ….تحس بوخز النظرات الشبقة للولد المهتاج على وجهها وعلى جسدها  .. وترى الارتفاع الفاضح بين فخذيه وتسمع حشرجة صوته اللاهث ” ( ص 81 ) وهو يحاول ارغامها على الدخول إلى البيت .
 وحيث تتقول ساهرة على فاتن بأنها تزني مع منصور غانم وتضعها بالتالي في خانة السقوط الأخلاقي ، فإن ماجد يرد على مثل هذا الاتهام بالقول ان زواجها من منصور شرعي وانه هو الذي قام بالإجراءات القانونية للزواج بحكم كونه محاميا ً ، وكأن يرد الاعتبار بذلك إلى فاتن ويبرر فعلتها بعد أن وجدت نفسها مترملة ومسؤولة عن رعاية طفلين . وفي الواقع ان الروائي اراد أن يقدم من خلال هذه الشخصية وشخصية ساهرة ، نموذجا ً للمرأة العراقية التي تحملت قسطا ً كبيرا ً من أعباء الحرب . لقد منح شخصية ساهرة قسطا ً من الايجابية حين جعلها تكرس حياتها لرعاية أخويها بعد رحيل أبويها وعاملت سعيدا ً مثلما تعام أم إبنها ، فقدمت نموذجا ً للتضحية ونكران الذات وهو دأب النساء العراقيات .
 لقد استأثرت ثيمة الجنس والموقف منه كحاجة انسانية يترك كبتها مردودات سلبية خطيرة ، باهتمام الصقر في أعماله السابقة وفي هذه الرواية أيضا ً . فالكبت الجنسي كان سببا ً في العناء النفسي الذي تعرضت له  أغلب الشخصيات ، فإلى جانب ما أشرنا إليه من معاناة ساهرة وماجد ، ترك الحرمان الجنسي لدى سعيد بصماته الواضحة على شخصيته وسلوكه . رأيناه يتلصص النظر ويسترق السمع من وراء باب غرفة ساهرة وماجد لكي يتأكد من ان اخته لم تمنح جسدها إلى ماجد ( الذي يراه دخيلا ً التقطته أخته من الشارع  ) ، ورأيناه يتلمس وجه فاتن معبـّرا ً بذلك عن رغبتة في التعويض عن احساسه بالحرمان الجنسي  . يضاف إلى ذبك سلوك منصور غانم والجندي المكلف بالحراسة ، وهو سلوك يقف الدافع الجنسي وراءه ، بل ان الطبيب النفساني يعيّرعن إحساسه بالحرمان الجنسي هو الآخرحين يقول انه يشعربأن مرضاه ينلمون بينه وبين زوجته على سرير نومهما  .
 ويتجلى البعد المأساوي للحرب من خلال أحداث الرواية أيضا ً ومنها ما أشرنا إليه خلال استقرائنا لمواضع التأزم النفسي والأخلاقي للشخصيات . غير ان ما دار في مركز تسليم الجثث يرسم صورة واضحة لبشاعة ما أفرزته الحرب من مآس ٍ ، فالحديث يدور عن التوابيت وعن طوابير انتظار تسلم الجثث وعن العويل المفجوع والرائحة المقززة : رائحة الجثث المتفسخة وعن تنظيفها من الدود ، إلى جانب الإشارة إلى الجثث التي تنفجر عند إنزالها من الشاحنات . يقول منصور وهو يتحدث باسترخاء لذيذ في حضرة فاتن : ” أحيانا ً يبعثون إلينا شحنات من الأهوار . بعض الجثث تصلنا منتفخة مثل البالونات ، مليئة بالغازات والسوائل بسبب بقائها في الماء . هذه تنفجر عند تحريكها ” ( ص 135 ) ، و ” الرائحة التي يعج بها الهواء تصبح عندئذ لا أدري كيف لأصفها . الأفراد  المكلفون بالعمل يهربون كل واحد إلى جانب الا اننا نأمرهم بالعودة ، وخوف العقاب يجعلهم يعودون مترددين ، يعملون بيد ويسدون انوفهم باليد الأخرى ، يجرونها من الذراع تنتزع الذراع .. من الساق تنخلع الساق وتأتي وحدها في أيديهم ، والبطن مفتوحة والمصارين على الأرض ” ( ص 135 ــ 136 ) . أما المكلفون بالقيام بهذا العمل فإنما يرتضون به تخلصا ً من إرسالهم إلى جبهات القتال، وحين يحاولون التهرب من القيام بهذا العمل فإنما يتم تهديدهم بإطلاق الرصاص فوق رؤوسهم . إن الايغال في ( تبشيع الصورة الروائية إنما هو انعكاس لرغبة الروائي في ( تبشيع صورة الحرب .
 ويضيف المناخ القاتم للأحداث زخما ً للبعد المأساوي وهو يوحي بطبيعة الوضع النفسي والاجتماعي المتردي في الجبهة الداخلية ” كل شيء في حالة قلق وترقب . السكون شامل داخل الدار وخارجها ، منذ بعض الوقت والمدينة الكبيرة تمسك أنفاسها وتنتظر . وحين يأتي الليل تلفها الظلمة مثل رداء سميك من القار السائل يغمر البيوت والعمارات العالية ، ونهر دجلة في جريانه المكتوم ، والأشجار الواقفة بسكون وأعمدة الكهرباء التي لا ضوء فيها ، والشوارع والدروب المهجورة … الكلاب وحدها هي التي تهيمن على ليل المدينة .. المدينة الحائرة والمنكمشة على نفسها ” ( ص 7 ) ، و” بدا السكون شديد الوطأة . ومن مكان بعيد حمل الهواء إلينا صوت زخات من الرصاص تطلقها أياد ٍ مجهولة على أهداف غامضة ، فهبت الكلاب المنتشرة تنبح بجنون ” ( ص 9 ) . ان الرواية ترسم صورا ً حادة كأنها محفورة بسكين ، لبغداد أيام الحرب وما تلاها من أيام ، فالجانب الآخر من المدينة يبدو للمارة ” ليس سوى خط من جدران قاتمة تتخللها ملامح أشجار سود تقف بلا حراك مثل نصب الموتى ” . و ” يتوحد سواد النهر بسواد الليل .. والسماء مكفهرة تغطيها السحب أو لعل ما يغطيها هو دخان حراق هائلة تحملها الريح من أماكن بعيدة ” ( ص 19 ) .ويتواتر تكرار حضور الظلام والشموع بكي والفوانيس والدخان ورماد الحرائق والسكون المهيمن والصراخ والعويل وصوت الرصاص ونباح الكلاب ، في خلفية الصورة المرسومة للمدينة. ويدفع الاحساس بالألم ، الروائي إلى تأنيب المدينة وأهلها بكثير من القسوة ، وهو تأنيب تحريضي في الواقع . فالمدينة” خامدة تماما ً  مدينة أثرية مات أهلها منذ زمن ، ولم يتبق منها غير هياكل عظمية مدفونة تحت أنقاض الجدران والسقوف المنهارة ” ( ص 20 ) ، ويُسمع صوت ساهرة وهي تقول ” وداخلني شعور وأنا أمشي مع ابني في دروب مدينة حل عليها غضب الله فتحول أهلها إلى أشباح وأشجارها إلى نصب سوداء ” ( ص 54 ) .
 إن هذه الرواية تربط بين حربين متتاليتين تعرّض لهما العراقيون وناءوا بعبء أهوالهما ، الحرب العراقية ــ الإيرانية ، وما يعرف بحرب الكويت التي لم يتوقف الروائي عندها طويلا ً ولكنه يلخص جانبا ً من بعدها المأساوي بقوله على لسان السارد : ” شاهدت وسط العتمة أكواما ً من الأنقاض لصف من البيوت دمرتها الصواريخ الأمريكية أثناء هجومها الشرس على العاصمة ” ( ص 56 ) .
 لقد تأخر صدور ” بيت على نهر دجلة ” خمسة عشر عاما ً ، فقد بدأ الصقر بكتابتها في 7 ايار 1991 وانتهى منها في 5 كانون الثاني 1992 ولم تجد فرصتها في النشر إلا ّ في العام 2006 ، وكان قد توقف عندها  في كتابه ” وجع الكتابة: مذكرات  ويوميات ” الصادر في بغداد في العام 2001 ، متحدثا ً عن ظروف ودوافع كتابتها ، وهو الكتاب الذي يبرر فيه النهج الواقعي الذي اعتمده في كل أعماله الروائية والقصصية حيث يقول : ” إن بناء أهرامات من الكلمات الجميلة المنمقة التي لا تقول شيئا ً ، أو ابتداع واقع مزيف لا علاقة له بموقف الانسان في مواجهة العالم ، وفي مواجهة نفسه المليئة بالشكوك ، والمهددة من كل جانب والميالة للسقوط أمام المغريات ، هو عبء وتضليل مقصود ” ( ص 75 ــ 76 ) .
 إ، ّ رواية ” بيت على نهر دجلة ” جاءت مدونة مفعمة بروح الصدق والجرأة ، تؤرخ لحقبة مظلمة من الزمن العراقي ، حقبة حافلة بالحروب الدموية المدمرة التي بدأت ولم تنته بعد وربما ستظل نهايتها مفتوحة على المجهول !

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *