الرئيسية » نقد » ادب » حميد الربيعي : جائزة مان بوكر

حميد الربيعي : جائزة مان بوكر

?

جائزة مان بوكر
اعلنت يوم امس الثلاثاء٢٢ مايو جوائز مسابقة مان بوكر ولم يكن لاحمد السعداوي نصيبا فيها، وتعد هذه الجائزة من اعلى الجوائز العالمية، وكانت تجري سابقا كل سنتين مرة، لكتاب دول مجموعة الكومنولث (دول المستعمرات الانكلوسكسونية) اي أن ما يرشح لهذه الجائزة فقط من يكتب باللغة الانكليزية او أن كتابه قد ترجم إلى لغات اخرى ،بمعنى آخر إن التقييم يتم على الكتاب المترجم ولا دخل للعملية الابداعية فيه بلغة الام ،ذلك إن الجائزة وحسب عنوانها تتجه نحو صناعة الكتاب، بما فيه من نشر وتوزيع وطباعة وترجمة ، وهنا لابد من التنويه بأن الترجمة هي خيانة للعملية الابداعية، فلربما قد نجد كتابا يحرص على لغة المؤلف وينقلها بامانة او قد نجد مترجما يشوه العمل الابداعي من خلال الترجمة السيئة .
احمد السعداوي في روايته (فرنكشتاين في بغداد)  والتي سبق لها إن فازت بجائزة البوكر العربية وترجمت للغات عدة ، كانت واحدة من مجموع خمس روايات مرشحة إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة ، عملية الترشيح بحد ذاتها تعد إنجازا متقدما في مسيرة السعداوي وفي مسيرة الرواية العراقية والعربية أيضا وهذه الرواية، كما وصفها الأستاذ محمد خضير بالفرس الجموح التي لم تستقر في عنفوانها مندفعة إلى الأمام ، وإن انكبت على وجهها في مسابقة مان بوكر ، قبلها بايام كتب الأستاذ كريم كطافة بان صعود رواية السعداوي إلى هكذا مسابقة والتي تعد الجائزة الكبرى ما دون نوبل أعدها ظاهرة ثقافية جديدة في حياة العراق،  فحسب رأيه لم يعد العراق المصدر للنفط فقط طوال سبعين عاما والذي كان يستهلك في تدمير البيئة المحلية والعالمية،بل أصبح العراق يصدر الآن بضاعته الاخرى الأكثر جمالا وأناقة وهي الثقافة وأعد بعضا من وجوه الثقافة العراقية التي اوصلت إنتاجها إلى العالمية ومنهم السعداوي.
بعدها بأيام وقبل إعلان النتائج كتب أستاذ أكاديمي معلقا على الحملة التي رافقت صعود السعداوي إلى القائمة القصيرة للمسابقة، مذكرا ومشككا بان ما صعد هو الكتاب المترجم عن الرواية ، ولا علم لنا بما احتواه ، وتشكيكه قائم على سوء النية بأن تم استغلال ظاهرة الأرهاب والعنف التي تعد ثيمة الرواية ، بان تم تشويهها ، أو على الأقل تحويلها إلى فلم بوليسي (اكشن) .
ومهما تكن التعليقات المرافقة للحملة ،ما قبل وما بعد اعلان النتائج فأني أرى أن الحدث بحد ذاته يعد إنجازا كبيرا في مسيرة الرواية العراقية ، رغم اعتراضاتي الفنية على الرواية والتي كنت قد كتبتها في أحدى الصحف المحلية قبل فوز الرواية منذ عدة سنوات ، الحملة الأعلامية تؤشر إلى واحدة من الموضوعات المهمة في حياة الناس في داخل العراق.
فلم يكن من قبل هكذا اهتمام ومتابعة للأنتاج الأبداعي من ناحية القراءة او الأهتمام به فقد كان الكتاب وما زالوا يشكون من قلة القراء بشكل مبتسر وفي أدنى مستويات النسب المئوية في العراق ،لكن هذه الحملة تؤشر اجتماعيا إلى تطور نوعي مغاير لما هو سائد ، فلقد لمسنا من خلال قنوات التواصل الاجتماعي في يوم إعلان النتائج تلك الحماسة المفرطة والجميلة في تتبع سير حفلة التتويج سواء بمتابعة أخبارها المباشرة او البحث في القنوات عمن ينقل الاحداث من داخل الصالة في لندن.
الاهتمام هذا شمل فئات مختلفة من الناس،  ليس القراء او متابعي الكتاب العراقي .بل نوعية جديدة من الناس وبالذات جيل الشباب.
ربما يفسر هذا الاهتمام الزائد بنتائج المسابقة من كونه أهتماما بمنجز عراقي بمعنى التضامن معه كونه عراقيا ،كما نرى في مسابقات كرة القدم أو الاحداث العامة التي تشمل الوطن ككل، ولا بئس بمثل هذا التوجه ،ما دام يصب لصالح وجهة نظر الثقافة وكتابها وانتشارها عالميا.
أرى إن مثل هكذا ظواهر أجتماعية بتراكمها ستؤدي حتما إلى تغيير نوعي في نظرة الناس في اقتناء الكتاب ومتابعة انتاجه سواء من خلال دخوله في المسابقات او نشره.
من الظواهر الملفتة أيضا ،انا المتابع للحراك الثقافي في الداخل وفي المنطقة العربية، وجدت بعضا من كتاب الرواية العرب من تابع و اهتم بالحدث ، مع إن هنالك جمهرة كبيرة من كتاب الرواية العربية وقنوات توصيلها او انتشارها ، بالاضافة إلى القنوات الاعلامية، لم تكترث ، قلة الاهتمام او المتابعة، وما العدد المحدود الذي تابع صعود رواية السعداوي إلا قلة ضئيلة، وهذا مؤشر على خلل في الساحة الثقافية العربية اولها وأهمها إن الحصول على جائزة كهذه تعد إنجازا كبيرا لمثقفي لغة الضاد، مثلما احتفينا وهللنا وفرحنا حين فاز نجيب مخفوظ بجائزة نوبل.
تبقى الاشكالية التي يجب أن ترعاها القنوات الثقافية العراقية والعالمية هي تطرح السؤال الجوهري: هل ستكون رواية (فرنكشتاين في بغداد) بوابة لدخول الرواية العراقية إلى العالمية والاهتمام بها ؟  هذا السؤال يتبادر إلى الذهن ونحن نتذكر ما فعله غارسيا ماركيز، بعدما فازت روايته (مائة عام من العزل) بجائزة نوبل، إذ فتحت أمام العالم بوابة أدب امريكا اللاتينية بمختلف مستوياته وكتابه.
هذا السؤال يبقى معلقا لمن يفعل باتجاه نشر الرواية العراقية نحو العالمية ،مؤسسات وأفراد.
حميد الربيعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *