مهدي شاكر العبيدي: الشاعر إبراهيم الشيخ حسون في مرثيته للمحامي علي القزويني

في يوم من عام 1950م دخل الأستاذ محمد بهجة الأثري أحد صفوف المدرسة المتوسطة في الهندية بوصفه مفتشاً اختصاصياً بمادة اللغة العربية وطريقة تدريسها فوجد رجلاً حاسر الرأس أشيبه، لم يرتد الزي الرسمي المألوف، شأن سائر موظفي الدولة ومستخدميها، بل يرتدي اللباس الأهلي المتعارف عليه في السوق التجاري، إنه الشيخ إبراهيم الشيخ حسون الذي أغلق دكانه وتخلى بصورة مؤقتة عن البيع والشراء ، منبياً عن استعداده للقيام بتدريس اللغة العربية بفروعها وأقسامها كافة من نحو وتاريخ أدب وبلاغة ونقد وغيرها حين تناهى إلى سمعه نبأ الحاجة إلى من يسد الشاغر بهذه المادة، فقد سبق لهذا الرجل الممتلئ طيبة وأريحية ومروءة إلى جانب اتسامه بالمرح والدعابة وأخذه الحياة من الجانب الساخر، في غير سقاط أو تبذل أو سفه، إنما الخفر والحياء والعفة، هو الأغلب على سليقته والأشيع في خليقته، لو أردنا أن نجمل القول ونغنى عن الإسهاب والتفصيل في طباعه وأطواره وعاداته، نقول سبق لـه في بواكير حياته أن تلقى دروساً نافعة في العلوم العربية على يد علماء أجلاء أمثال محيي هادي القزويني وخطباء اشتهروا بطلاقة لسان وفصاحة بيان وحضور بديهة، وقدرة على التأثير فيمن حولهم وحيازة إعجابهم، أمثال السيد صالح الحلي ، بالإضافة إلى جده ومثابرته وانقطاعه الكلي بنفسه لحفظ روائع الشعر العربي وأمهات القصائد المشهورة في الفخر والرثاء والحماسة، وكذا فقد أعجب الأثري بهذا المحاضر اللبق الجيد الفهم ، الغزير المادة، في غير تنطع أو حذلقة وشعور بالغبن أن لم ينل مكانته ويظفر بمرتبته اللائقة، على شاكلة بعض من يتلقون تحصيلهم في المدارس زمناً، أو يخالون ذواتهم في غير حجمها المحدود، فله من السمعة المحمودة والأدب الجم والشاعرية المعطاء والوجاهة الاجتماعية المرموقة، ما يغنيه عن الوظائف والألقاب، وكان أن سجل الأثري في تقريره السنوي عنه أن لـه من الكفاءة والأهلية للاضطلاع بالتدريس والتوفق في توجيه الطلبة وهديهم وإرشادهم وتبصيرهم بما يلزمهم في مقبل أيامهم من إحسان التعامل مع الناس وتفانٍ في خدمة الناس وغيرة على الوطن والأمة ، مالا يرقى إليه أولاء المتشدقون بما ألهموا به من علوم ومعارفٍ، وفرغوا من تحليله وفض مغالقه من حقائق وأسرار، ويظل الشيخ إبراهيم محتفظاً بتقرير الأثري- أو شهادته بحقه- طوال تسعة أعوام، فقد قدر له بعد ثورة الرابع عشر من تموز أنْ يستجيب لمبادرة وزارة المعارف- التربية حالياً- آنذاك إلى إقامة دورات تربوية لينخرط فيها أصحاب الدراسات الخاصة والمنتظمون في المعاهد الدينية بقصد تأهيلهم للتعليم الابتدائي تمشياً وخطة التوسع في هذا الحقل، فنسب إلى التعليم في محافظة واسط بعد أن جاز مرحلة التأهيل والإلمام بأصول التدريس ومبادئ التربية وقد لاتكون بالنسبة لمن في مثله من الدربة والخبرة والمراس، جديدة أو ذات فائدة في توسيع مداركه وصقل كفاياته، واستطاع بما أتيح لـه من إمكان على الحجاج والإقناع واستدلال بالوقائع الدامغة أن يحمل المسؤولين في مديرية – معارف الكوت- على تنسيبه إلى التعليم الثانوني، مجلين شهادة الأثري، معترفين بقيمتها في تزكية الرجل وتنزيهه من القصور والتنكب عن الواجب، واعتباره جديراً بما طالب به من مكان أو سمت ، في غير تنقص منه لتلك المرتبة الأولية من مراتب التعليم أو شعور بالاستعلاء على المنتظمين فيها، ولك أن تستغرب من عيافه الأعمال التجارية في سوق الشورجة بعد نزوحه إلى بغداد، وإقباله على التوظف في سن متقدمة، لم تسمح بإطالة أمد خدمته إلى أكثر من بضعة عشر عاماً، فقد أحيل على التقاعد لبلوغه السن القانونية التي لايجوز بعدها الاستمرار في الخدمة .
والشائع أن الشيخ إبراهيم يجيد نظم الشعر بالعامية في أغراض شتى، كأن يتناول بعض الظواهر الشاذة بالذم والتقبيح أو يهجو بعض من يستولي عليهم الغرور والثقة الزائفة بأنفسهم حد أن يسلكوا بذواتهم في عداد النابهين والأذكياء وأفاضل الناس، فيميط الحجب عن حقيقتهم وما ينطوون عليهن من الخواء والفجاجة، موضحاً ما ينبعث عن صفاقتهم ومغالاتهم وثقل ظلهم من نفور واشمئزاز، لكنه لايتجاوز في هذا التنديد حد الدعابة المترفقة والمزاج البريء، وإشاعة المرح في نفوس طالما عمها الحزن والاكتئاب رغم ما صيّر منه ذلك مبعث خوف وخشية بالنسبة لمن تقيمهم وتقعدهم نظرة الآخرين لهم وانطباعهم عنهم، وبقدر مكنته وإبداعه في نظم الشعر بالعامية، فإنه ينظمه أيضاً باللغة الفصيحة، في إجادة وتفنن وقدرة على الابتكار ومعرفة بمرادفات الألفاظ وحالات استخدامها لغرض تجلية المعنى والتشديد عليه، هذا إلى أنه لايعدم الجرأة على الجهر بالحق وتأريث الغضب الشعبي حيال المتربعين على كراسي الحكم أواخر الخمسينيات (من القرن الماضي)، أولاء الذين تسببوا في إشاعة الفساد والتفسخ في كيان المجتمع وابتدعوا صنوف الوسائل في وأد كل أمل لشباب الوطن في تحسين الأوضاع القائمة يومذاك حد أن بلغ اليأس من بعضهم أن راح يفكر في إيجاد الطريق المسلم به إلى التكيف والتلاؤم مع تلك الأوضاع الناجمة عن ارتباط البلاد بعجلة المستعمر بشكل سافر وغير مغلف ومحجب بستار خاصة بعد إبرام حلف بغداد، وكأن الانتفاضة الشعبية العارمة التي اندلعت انتصاراً للشعب المصري وإعلاناً عن الوقوف بجانبه في مواجهة العدوان الثلاثي، لم يكن لها أثر فاعل في صرف هذا البعض عن اليأس ونفض اليد من حاضر هذا الوطن، حتى ليخيل أن الأساليب القمعية التي لجأت عليها السلطات في قمع تلك الانتفاضة الباسلة زادتهم يأساً على ياس، والى هذا المعنى يشير الشيخ إبراهيم الشيخ حسون في قصيدته التي أنشدها في الحفل التأبيني المقام في الحلة، تشرين الأول عام 1957م، إعراباً عن التفجع لغياب الأستاذ علي القزويني أحد رجال المحاماة اللامعين ومعتمد حزب الاستقلال هناك، من بدء إجازته في أعقاب الحرب العالمية الثانية ولغاية سحب هذه الإجازة ومنعه من مزاولة النشاط العلني بالإجراءات التعسفية المتخذة بعد انفضاض مؤتمر البلاط المشهور واحتدام الصراع بين الشعب والفئة الحاكمة وتتويج ذلك بانتفاضة تشرين الثاني عام 1952م، وكم رام هذا القانوني البارز التي كانت المحاماة تعني عنده مهنة حرية وكرامة قبل أن تكون شيئاً آخر لايتصل بها بسبب، أو يفوز بالنيابة عن قصبة الهندية، وتحول مشيئة الحكومة في تزييف الانتخابات وطمس الإرادة الشعبية دون حظوته بعضوية مجلس النواب. فقد خاض المعركة الانتخابية ثلاث مرات، كانت الثانية ربيع عام 1948م وكان اخفاقه مثار دهشة واستغراب لأن رئيس حزبه الشيخ محمد مهدي كبة كان مشاركاً بالحكم بصفة وزير تموين ضمن الوزارة المشكلة فور سقوط صالح جبر وإحباط معاهدة بورت سموث، والثالثة صيف عام 1954م بصفة شخصية إثر انسحابه من حزبه لأسباب ودواعٍ نجهلها وليست هي الأخرى من لوازم المقال. ومع ذلك فقد كان بعض أقطاب هذا الحزب كفائق السامرائي ومحمد صديق شنشل من حضّار هذا الحفل بل إن الأول كان من خطبائه إلى جانب آخرين أمثال علي الخاقاني وعبد المنعم العجيل وشاعرنا الشيخ إبراهيم، وما أتينا على هذا الاستعراض وتعداد الأسماء الا لنستدل أن الحفل ذاك لم يكن تقليدياً يقتصر فيه الكتاب والشعراء على تعداد مآثر الميت وميزاته والأطناب في امتداح نشأته والثناء على الأسرة أو الأرومة الزاكية التي تحدر منها، إنما كان لذلك الميسم من منطلق الخطباء الموضع الثاني من الأهمية والأخذ بالحسبان، فقد كانت البلاد وقتذاك تنوء باصفاد الحلف البغيض الذي استلب منها كل حق وجردها من كل مشيئة ، هذا إلى جانب وقوف الحاكمين المزري من العدوان على مصر والضرب بشدة على كل من يرفع عقيرته محتجاً أو لاهجاً بالشكاة، أو حتى مطالباً إياهم بتحييد سياستهم على الأقل من صراع مصر مع المستعمرين، فلنزج أبياتاً مختارة من هذه القصيدة الباذخة التي وفق فيها الشاعر إلى ربط الخاص بالعام- كما يقول النقاد المحدثون- أو لنقل أنه استوحى ما رصد المؤبن لـه من وقته وجهده من تلكم المبادئ الخيّرة المتوخية تحرير الوطن من قيود الذل والمهانة والتطويح بأولئك الطغاة الذين لم يعد ثمة مبرر لوجودهم على قمة المسؤولية بعد أن تنكروا لقيم الأمة وأقروا المستعمر على نهب الثروات النفطية كأن لم يفجر الشعب ثورته الكبرى، وبعيد سنوات معدودة من توغل البريطانيين في رباضه تطلعاً نحو الاستقلال الكامل والسيادة التامة، وتأبياً لكل تدخل وهيمنة أجنبية من وراء الحدود على شؤونه ومقدراته، نزجي هذه الأبيات وكلنا إعجاب وفخر بما تكشف عنه هذا المحاضر في المدرسة المتوسطة في أمس البعيد، والمشتغل بالتجارة في سوق الشورجة وقت إلقائه إياها، من وعي ناضج بطبيعة الأحوال الجارية يومها، ومن شجاعة في إبداء الرأي وإظهار الكفر الصريح بهذه الصداقة المزعومة مع الانكليز التي فرضها علينا الصنايع والأذناب فرضاً، وتطلبوا منا أن نقاسمهم الضر فيما يعتريهم وتنذرهم به الأيام من الطوارق والدواهي:
ظفرت بما تهوى وإن ضمك القبر

  وفزت بما أملته ولك النصر
وحلقت بالذكر الجميل إلى العلا
  برغم ا لمنايا مثلما حلق النسر

كفى المرء فخراً أن يرى متمسكاً
  بمبدئه، من بعده، صحبه الغر

يقيمون من أعماله مرشداً لهم
  ويهدون من ذكراه ماخلد الذكر

ويسعون كيما يكملون رسالة
  لـه عن مدى إدراكها قصر العمر
وكنت تودّ العيش من أجل مبدأ
  يعز به شعب ويحمى به ثغر

ومن عاش حراً مثلما عشت لم يمت
  وخلده، من بعده، ذكره الحر
تعال معي بالله نجلو صحائفاً
  بأعماله في المجد خلدها سفر

طموح إلى الجوزاء زينة عفةٍ
  وعزم مداه دونه البر والبحر

وصبر على الحرمان والجهد مثمر
  ولكن برغم الحق يقتلع الجذر

وقدر علي عن دني مطامع
  فلم يغرّه مانال زيد ولا عمر

لعمرك هذي صفحة من جهاده
  يصدق من أفعاله الخبر الخبر

جهاد وإرشاد وإيقاظ أمة
  أحاط بها من كل ناحية شر

دعوت إلى الحق الصريح مؤيداً
  من الشعب يستهدي به جمعه الغر

تنادي بمن مالوا عن الحق هادياً
  فلم يستجيبوا واستبد بهم ذعر

وآزره إخوان صدق تعاهدوا
  على الحق لم يرهقهم الظلم والزجر

لقد وقفوا للحق أصدق وقفة
  ولاح لنا من ظلمة الأفق الفجر

وأعجب من هذا وذاك صداقة
  لنا مع بني سكسون أوجدها الدهر

صديقك هذا رغم أنفك فارعه
  وكن خدنه في الضر إن مسّه الضرّ
وبعد  كم من يدٍٍ عند أهالي الهندية للشيخ إبراهيم، قبل أن يبارحهم في بداية الخمسينيات (من القرن الماضي) تطلباً لما يقيم الأود ويفي بحاجته إلى الكفاف من متطلبات العيش بعد أن لم يعد لـه قبل بفتح دكانه مجدداً بعد استعفائه من إلقاء المحاضرات في المدرسة المتوسطة أثناء العام التالي بالنظر لسد الشاغر وتعيين أحد الخريجين، وبعد أن لم ينبر أحد لمنعه من النزوح والهجرة، كأن لم يعمل الرجل بكفاياته وقابلياته المتواضعة على خلق جو أدبي يشيع الصفو والألفة ، ويبعث في القلوب الأنس والفرح، ويستل منها ما يرسب في قرارتها من الضغن والبغض والاستكثار على الآخر ما يحوزه من البروز والوجاهة بل الاحترام في أدنى حال، وقد علمت مؤخراً بخبر وفاته ببغداد قبل عامين ، إذ آثر الإقامة فيها مجدداً بعد إحالته على التقاعد، على استئناف العيش في مهد نشأته الأول، فلله تلك الخصال الزاكية من الطيبة والوداعة ولقاء الحياة بالابتسام والسعي في خدمة الناس والعيش من أجلهم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

تعليق واحد

  1. ياسر الحلي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اتمنى من من يحفظ ابياته التي كانت بحق وفات سائق العربانة (المجاري) عندما شكى اولادة الشيخ الحاج ابراهيم الشيخ حسون إلى القاضي بسبب القصيدة
    وعند القائها أمام القاضي
    انقلب الكرسي مع القاضي إلى الوراء من الضحك
    فقد كان جدي المرحوم يرددها دائما
    وقد كتبتها
    لكنها اختفت
    فتكون شاكرا لمن يعرفها
    وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.