حميد حسن جعفر : الحياة بأزيائها تجربة غرام الربيعي مثالاً ثقافياً

الحياة بأزيائها
تجربة غرام الربيعي مثالاً ثقافياً
حميد حسن جعفر

أولاً : كتابة المرأة
كثيراً ما تشكل كتابة المرأة / الإنسان عن الإنسان / الأُنثى أكثر من إشكالية حياتية وإبداعية ، القارئ المتابع بكافة معارفه وجهالاته يتوقع أن تكون العلاقات بين الرجل والمرأة علاقة ذكر وأنثى فحسب ، رغم أهمية هكذا فهم وسط مجتمع شرقي / إسلامي / عربي . أي أن علاقة الجسد هي السائدة ، كما لو كانت تلك العلاقات تفاصيل مشبوهة تنتمي للسرانيات ، أو الممنوعات.
المتابع للكتابة عن الأنثى سواء عن طريق الانثى ذاتها ، أو عن طريق الرجل / الذكر ضمن تاريخ الكتابات عبر التاريخ العربي والإسلامي وثالثهما المشرقي سيجد فيضاً من من المدونات شعراً ونثراً بعيداً عن العيب والخطأ .
هل كانت مجتمعاتنا سابقاً أكثر تسامحاً وانفتاحاً واستجابة لمتطلبات الحياة وتنوعها دينياً واجتماعياً وعرقيا؟
المتابع للشعراء — صفي الدين الحلي مثلا — سيجد الكثير من القصائد / الشعر الماجن كما يقال عنه ، أو الفاحش ، أو الأدب المكشوف ، كل هذا من غير أن يتعرض الشاعر إلى التكفير آنذاك ، أو إلى التهجير، وليكن شاعرنا — معروف عبد الغني الرصافي — مثلا، في كتابه — السيرة المحمدية — الكتاب الذي يتعرض من خلاله للسيرة النبوية وتخريجاته التي تشكل الكثير من الخروج على المتفق عليه من قبل العلماء المسلمين بتنوع مذاهبهم ، ما من أحد على المستوى الديني أو المجتمعي أو السلطوي عمل على التعرض للرصافي أو اتهامه بالخروج على الملة.

****
محاولات الكاتبات العربيات – ليـــلى بعلبكي / كوليت خوري ، وغادة السمان، وجمانة حداد, اللبنانيات ، أو دعد حداد السورية ، أو أحلام مستغانمي الجزائرية — رغم تفاوت المنجز الإبداعي — كثيراً ما كانت تشكل مصدراً للقراءة لأجيال عديدة .
كانت هذه الكتابات للأسماء أعلاه وسواها , عن الأنثى وعن الجسد ودوره في صناعة المتغيرات .
تظل المرأة / الأنثى منذ بداية الوجود هدفاً مركزياً لاهتمامات الرجل / الذكر ، جسداً وروحاً ووعياً ، وفكراً، ومادة إبداعية .. البعض يحولها إلى مصيدة للإيقاع بالرجل / الذكر ، الممثل لقيم النبل والشهامة والشرف والرجولة .
المرأة / الأنثى .. هنا .. يحاول العقل المضاد / المعادي لها أن يصنع منها بؤرة للفساد والتفكك العائلي والمجتمعي منطلقاً من قيم تنتمي للمقدس الذكوري ، أو للحس الجمعي ، ولسلطة الحكومات ، تلك القيم التي من تصوراتها أن تكون المرأة منتجة للنسل والمتعة ، وتنعيم الذكر . ربما تشكل أُمُّنا حواء نموذجاً للمرأة التي دفعت بالرجل / آدم إلى الأقدام على التمرد ، أو ارتكاب المعصية ، نفس حواء ذاتها يعمل البعض وضمن فعل معاكس أن يحولها كما تقول — الميثويولجات — أن يحول ما ينسب إلى المعصية / الشجرة ، أن يحول تناول التفاحة إلى رمز معرفي ، إلى دور المرأة لا في ارتكاب المعاصي بل في الحث على البحث عن المعرفة / الأسماء التي تميز بها آدم عن الملائكة لتكون مصدرا لتصورات مستقبلية ، مصدرا للمغامرة .
***
يبدو أن مجرد وجود امرأة / إنسانة في حقل ثقافي لابد له من أن يعمل على إعادة الحسابات ، أن وجود الشاعرة في حقل رجولي هو فعل ينتمي للإزاحة ، لتجريد الحياة من سكونيتها ، بالشعر والتشكيل والأزياء، هكذا هي الشاعرة غرام الربيعي في ممارساتها الحياتية, إذ كل واحد من الفنون مجموعة من حقول معرفية , تمكنت الشاعرة من صناعته كحقل قادر على المزاوجة بين نص الصورة / التشكيل , ونص التدوين / الشعر , ليجد في حقل الأزياء ما يمثل فعلاً ابداعياً ينتمي للفعل الروحي بعيداً عن الفعل الغريزي .
***
ربما هناك سرد وتشكيل لمي مظفر، إذ أن الانتماء لفعلين ابداعيين في آن واحد يمثل بعض الإطاحة برؤية الرجل / الذكر، حول أن يكون أحدهما كافياً لأن تتحول المرأة الى كائن يقف خارج طبيعة الأنثى ، بل ان الرجل ذاته قليلاً ما يصادف القارئ شاعرا تشكيلياً ، أو قاصاً تشكيلياً ، عادل كامل مثالاً ، ربما وجود أكثر من فرصة إبداع حالة نادرة ، جبرا إبراهيم جبرا مثالاً ، قاصاً وشاعراً و روائياً، ومترجماً .
شعر وتشكيل وأزياء , ثقافة حياتية متميزة هذا ما يجد المتابع للشاعرة غرام الربيعي ، على الرغم من أهمية إعادة ترتيب الأكثر بروزاً ، ربما يشكل نص الصورة / الزي , الملمح الأول ذا قراءة للعين ، وسلطة لأعلام الصورة في صناعة القراءة العينية ، ليتبعها الفن التشكيلي كعمل حرفي بسبب توفر المعارض وقاعات العرض .
ربما تشكل الجدران أكثر من فرصة لمعارض الهواء الطلق ، وتوفر المتلقي ، وثالثها القصيدة / الشعر الأكثر أهمية رغم ضيق المساحة والأقل بروزاً بسبب حاجته إلى الفعل القرائي الذي لا يجيده الجميع .
ثانياً : حياة التمرد
قد تعني المرأة في معظم مفاصل حياتها أشياء من التمرد، —
أن تعدد هيئات وأشكال وأحوال الجسد ذكورياً أو انثوياً وتحولاته يمثل نموذجاً ناضجاً لغياب الثبات وحلول المتغير ، وربما يكون الجسد الإنساني المخلوق الوحيد الذي يحاول أن يقف خارج التدجين ، فالحرية ، أو مجموعة الحريات مفهوم واسع لا حدود له ، ولكن من الممكن أن يختصر بشيء من التقنين والالتزام ، على الرغم من التحجيمات التي تطلقها الثوابت ، او اللاالتزام الذي يعني الفوضى ، وربما يكون التمرد ممثلاً لأحد الحقول المهمة للحريات التي على المرأة أن تحافظ على وجودها الشخصي وعلاقاتها المجتمعية والإبداعية من خلال تفعيل هذا المفصل.
غرام الربيعي — توجب عليها أن تمارس أكثر من حرية ، ملتزمة بمفاهيم — تسمو بالجسد والروح سوية – غرام الربيعي — لديها من رعاية الإبداع ما يؤهلها لأن تتمكن من صناعة الشعر والتشكيل وثالثهما ثقافة الازياء، (العمة / الزينة / الاقراط / الاساور / الأردية – التنورة ، القميص ، الكنزة ، الجواريب ، الكعب العالي — الورد / الرياش / الألوان) هنا تبرز ثقافة مجتمعية تنتمي لنوع من الفعل الإبداعي ، وبما يلفت اليها النقد الثقافي المهتم بما يقف خارج الكتابة الشعرية أو التشكيلية ، من سلوكيات من شأنها إقامة وادامة الجمال .
الاهتمام بالزي يشكل فعلاً منتجاً من خلال المحمولات الثقافية باعتباره معبراً عن شخصية المرأة عامة والكاتبة خاصة , ومحاولة استغلال الثغرات غير المرئية في جسد الممنوعات.
***
هل من الممكن لمتابع الشعر النسوي أن يقتفي أثره بعيداً عن الموسيقى والغناء والرقص الشعبي والمسرح والسينما, هذه المفاصل المنتمية المغايرة والمضغوط عليها كثيراً في الوقت الحاضر، في هذه اللحظة إذ ينفرد الخصوم — حيث الفكر المضاد وثوابت المجتمع والسلطة الذكورية، — و لتتمكن التحجيمات من إلغاء وإيقاف الكثير من الأنشطة التابعة للفعل الثقافي الإبداعي، وليبق الشعر عامة والنسوي خاصة يحاول التنفس من خلال الجهد الشخصي أو من خلال منظمات المجتمع المدني ، ولتجد الشاعرة نفسها وحيدة في الساحة ، فالفن كل واحد ، وان ما يضرب مفصلاً ما تستجيب له ما تبقى من التفاصيل.
قد يشكل الرجل / الشاعر، أو الرجل / المثقف ، سواء كان داعية للتحرر أو داعية لوأد المرأة أو المتابع ، جانباً مهماً من ظهور أو عدم ظهور ما يسمى بالأدب النسوي ، هذا الكائن الذي يتشكل من خلال الفعل الثقافي الشامل ، أنه جزء من كل .
ولأن ثقافاتنا العربية الإسلامية الشرقية ثقافة ذكورية ، فليس من السهل نهوض أدب نسوي يمثل وجهة نظر المرأة كإنسان ، والمرأة كأُنثى تهتم بجماليات الجسد والروح والأزياء والمكياج والرجل ، وتدير بيتاً وأولاداً
وعائلة وزوجاً ، أنثى لها تاريخ وعلاقات ، سواء كانت فاشلة أم ناجحة ، أنثى تحب وتغضب وتختار وتهوى وتزعل ، وتمتلك وعياً أو فكراً أو آراءً ، وتحدد مسارات علاقاتها مع الآخرين بعيداً عن الإحساس بكاميرا المراقبة التي يحملها الرجل في دواخله ، بعيداً عن الإحساس بتوقع الخسائر , التي كثيراً ما يحاول الذكر إن يحولها إلى ما ينسب إلى العيوب .

***
على المرأة عامة أن لا تتخلى عن إنسانيتها ، قد يعتبرها البعض كائناً غريزياً ، لا تتمكن من ممارسة حياتها من غير الذكر ، كأي كائن حيواني — سواء كان إنساناً أو سواه من المخلوقات — يعمل على الحفاظ على النوع. لم تعد المرأة هكذا بعد أن تمكنتْ من أن تمسك بمقود الحياة ، وتمتلك نوعاً من الوعي والمعرفة.
غرام الربيعي — شاعرة وفنانة وكائن إنساني متلبس بالتجديد ، حيث بنية المرأة الخارجية المنتمية للجمال ، كائن إنساني يمارس الفعل الحياتي بعيداً عن رعب الآخر .
المتابع لنشاط غرام الربيعي الحياتي يجدها واضحة في مجال الفنون التشكيلية / اللوحة مع أشياء كثيرة من البدائية أو الفطرية ، بعيداً عن الأكاديميات ، التشكيل هنا فعل احترافي / وظيفي ، لا كفعل هاو ، بل حرفة الشاعرة في المشغل التعليمي هو الذي حوّل الهامش الثقافي لديها إلى مركز .
ثالثاً : وظائف
قد يتابع المتلقي اهتمامات — الشاعرة غرام الربيعي — بالأزياء كمنتج جمالي واضح ، تلك الاهتمامات لا يمكن أن تبعده عن وظائف المرأة الحياتية في ممارسة تفاصيلها الخاصة ، حتى تبدو للقريب منها على هيئة قصيدة ، أو لوحة تشكيلية فيها شيء من فطرية وبدائية المرأة الأم أو المرأة الجدة ، هذا الشيء مكن الشاعرة من الإضافة إليه والحذف منه لتتشكل المعاصرة أو شيء منها . وضمن كل من القصيدة واللوحة هناك فعل جمالي يمثل جانباً مهماً من الحياة .
إنها تمثل نوعاً من الاستقلالية في الانتقاء والاختيار والبحث بعيداً عن سلطة واختبارات الرجل / الذكر، أو عما هو سائد في الوسط البيئي – البيت والمجتمع. المنجز الشعري قد يعلن هذه التفاصيل عبر الإعلان عن المرأة / الانسان التي أنجزت الشكل الخارجي للإنسان / الأنثى .
هذا الإعلان يشكل فعلاً ينتمي لممارسة الحرية . هل تشكل — غرام الربيعي — والعديد من زميلاتها الشواعر ما ينتمي إلى الظاهرة / الحركة الحياتية ، إلى وجود ملفت.
الكتابة خروج / بالنسبة للمرأة / الأنثى , خروج عن بيت الطاعة — سلطة الرجل / الذكر.
وهل كانت المرأة عامة والأنثى خاصة — العراقية تحديدا — قادرة غلى صناعة وجودها ، وأن تدافع عن منجزها وضمن تعدد الفضاءات ؟
إنه الأدب عامة والشعر خاصة ، الشعر بحاجة إلى جمهور قارئ ، وإلى جمهور آخر مستمع. ربما كانت الشاعرات ((راوية الشاعر / سمرقند الجابري/ بلقيس خالد / إيمان الفحام / رسمية محيبس / سلامه الصالحي / فرح دوسكي / منتهى عمران / أفياء الاسدي/ علياء المالكي / نجاة عبد الله / ابتهال بليبل .. واخريات)) , من أكثر العناصر النسوية المتابعات من قبل المتلقين . هل كان الفعل الشعري النسوي دالاً على وجود الشاعرة، ؟ (هموم فردية — رأي مختلف — خط شروع منحاز — منجز؛ — استقلالية نوعية .علاقة الرجل بالمرأة كـ — كائنين انسانيين – الذكورة والأنوثة، موقف الثورات ، وحركات التحرر ، الحقوق والواجبات للمرأة العاملة أو الأم ، أو الحبيبة .
ربما تشكل المرأة الشاعرة البعض من اهتمامات المتابعين للفعل الثقافي , إذ الفعل الثقافي السائد يشكل مصدراً أساسياً للتغذية ، وهو فعل ذكوري لذلك سوف لن يجد المتابع إلا القليل من المنجز الثقافي الدال على امكانية الكاتبة ، فالثقافة الذكورية قدرة لاغية ، ومن يجعل من منجزاتها المصدر الوحيد للثقافة لن ينتج قوة مختلفة، بل سيكون منجزه تابعاً ، لذلك على المرأة أن تغادر الثقافة التي يكتبها الذكر , وتبادر إلى تشكيل نوع من (الثقافة النسوية / الأنثوية( , (منتدى أدبيات البصرة إنموذجا) . ربما يشكل هذا المنتدى نموذجاً / في هذه المرحلة ، نموذجاً طيباً من أجل وجود نسوي ينتمي للإبداع ، ومن الممكن أن يشكل ظاهرة قادرة على صناعية وإنتاج النخبة المبدعة ، والمتلقي / المستهلك . ساندة قادرة على إنتاج شخصية المرأة العاملة / المنتجة للفعل الثقافي بعيداً عن الصراع ، قريباً من التشابك ، هل كانت — غرام الربيعي — كفنانة تشكيلية مضحية بشيء من الفعل الشعري ، أو أن الأزياء كفعل ثقافي قد اخذ من جروف كل من الشعر والتشكيل والفعل الحياتي؟.
ان التكافل الثقافي الذي يشكل فعلاً صعب الحصول كان يمثل القانون، إلا أن الواقع كثيراً ما يعلن تصاعد مناسيب فعل ثقافي على حساب فعل ثقافي آخر ، على الرغم من أن استقلالية فعل ما عن سواها قد يضعف من متانة الآخر .
الكثير من المهتمين بهكذا تداخل – (- تداخل واستقلالية الحقول الكتابية مع سواه – السينما ، المسرح ، التشكيل، الدين ، السحر) , وظيفي ابداعي سوف يضع أصبعه على شظايا مختلفة متداخلة ، توفر حالات من الاختلاف حيث يتحول التنافر إلى موائمة ، والتشظية الى تكتل ، وإلى إعادة تشكيل المنجز الإبداعي ، على وفق نظرة أخرى مختلفة.
ربما تشكل تجربة — غرام الربيعي — تجربة مختلفة بحاجة إلى الكثير من الاهتمام ، لا بسبب الاختلاف الذي يشكل ملمحا واضحا ومهما ، أو بسبب استناد البعض على البعض / حقول متداخلة ، أجناس ربما تدخل فضاء التناص الصعب التأشير عليه ، لذلك على القارئ أن يكون على شيء من الحذر عند استقبال أي مفصل من الثلاثة التي هي (الشعر والتشكيل والأزياء) المفصل الأخير ربما تنفرد به القلة القليلة من الشواعر، ربما تكون الشاعرة سمرقند الجابري وغرام الربيعي في مقدمة المهتمات بنص الأزياء.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. محمد حسين السماعنة : السحر الأسود في قصيدة نزار قباني “يوميات امرأة”.

احتلت المرأة مساحة واسعة من أوراق نزار قباني فقد مدت ظلها على أكثر عمره، وأكثر …

| علم الدين بدرية : رحلة استطلاعيّة على أعتاب الفردوس وقراءة نقديّة في لوحة الأديب والشاعر وهيب وهبة الإبداعيّة (الجنَّة).

كتاب الجنَّة الطبعة الرابعة يقع في مئة صفحة من الحجم المتوسط باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، يضمُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *