الرئيسية » نصوص » شعر » د. عاطف الدرابسة : سلالةُ البحار

د. عاطف الدرابسة : سلالةُ البحار

أرجو أن تقرأ بعيداً عن متناول الأطفال .

قلتُ لها :

أنحدرُ من سُلالاتِ البحارِ العظيمةِ
والمحيطات ..
أحملُ في كينونتي ملايينَ الجينات :
جيناتِ المدِّ والجزرِ
الموجِ والغضبِ
البيانِ والسّحرِ
اللغةِ والحرفِ
العواصفِ والرّياحِ
وبينَ تفاصيلي العميقةِ
تُقيمُ أسماكُ القرشِ والحيتان
تقتاتُ على الأسماكِ الضعيفةِ
مثلَ السياسيين
ورجالِ الأعمالِ
حينَ يقتاتونَ من لحمِ الفُقراء ..

أنا من سُلالة البحارِ العتيقةِ
أحملُ على ظهري 
سُفُنَ الغذاءِ والدّواءِ
وسُفُنَ الموتِ ( حاملات الطائرات )
وحينَ أثورُ
لا يعرفونَ مدى ارتدادِ أمواجي
وشدّةَ دورانِ أعاصيري
فتختفي مُدنٌ
وتحيا مُدنٌ 
وحينَ تهدأُ ثورتي
تروني رقيقاً كالأطفال ..

أنا من سُلالة البحارِ
في جوفي جزرٌ
تستحمُّ بالخوفِ والحُزن 
وجزرٌ تستحمُّ بالدّمِ والنّار
وجزرٌ تستحمُّ بالمسكِ والعنبرِ وأرجِ الأزهار ..

أنا من سلالةِ البحارِ الأبديّةِ
بيني وبينَ الشّمسِ
لغةُ عشقٍ وحوار
وبيني وبينَ النّهارِ
مسافاتٌ من الأملِ والرُّعبِ والعذاب
تغفو على شواطئي مُدنٌ للجمالِ
ومُدنٌ للظّلام ..

أنا من سُلالةِ البحارِ
بيني وبينَ ثقافةِ الصّحراءِ
مسافةٌ كبُعدِ الأرضِ عن السّماءِ ..

أنا من سُلالةِ البحارِ
أقترفُ كلَّ أشكالِ الخطايا والآثامِ
وحينَ أدخلُ في دورةِ السّكونِ
أغتسلُ بماءِ الأنهار ..

أنا من سُلالةِ البحارِ
أقرأُ الجروحَ العميقةَ في الأرض :
الوديانَ والأنهارَ
وأستحمُّ بماءِ الشّمسِ
وأتركُ الرّيحَ تمشّطُ شعري
والليلَ يعرجُ بي نحوَ السّماءِ
كأنّني قمرٌ سكران ..

أنا من سُلالةِ البحارِ
مخرتْ عُبابي آلافُ السُّفنِ والقواربِ
وثوى في أعماقي :
الهاربُ والمنبوذُ
الثائرُ والمهاجرُ
والمقموع ..

أنا من سُلالةِ البحارِ العظيمةِ
حينَ تحتضرُ الطبيعةُ
ويموتُ في السّماءِ الضّياءُ
وتجفرُ الابتسامةُ على الشّفاه
ويرحلُ الربيعُ عن الحياة 
ويبكي الأملُ في عيونِ الأطفالِ
ويضيعُ الحقُّ في الزّحامِ
وتحينُ لحظةُ الاحتضارِ العظيمِ
أُطلقُ العنانَ لنغمي الحزينِ
وأُعلنُ للجميع :
أنا المعبرُ الأولُ
وأنا المعبرُ الأخير ..

د. عاطف الدرابسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *