حسين سرمك حسن: “عناد غزوان” هل نسيناه حقا ؟

«الأدب ضمير الإنسانية والنقد ضمير الأدب. فماذا يسمّونه إذاً؟»
 «بول سوديه – تطور النقد الأدبي الحديث»
رحل المربي الناقد «عناد غزوان» لتطوى صفحة واحدة من أهم الصفحات الباهرة في المسيرة النقدية العراقية. وحسب قواعد عمل الثقافة العراقية – القطة التي تأكل أبناءها والتي تسير وفق أحكام المثل العراقي المعروف «ما طاح راح».
لم يحتفِ به أحد أو جهة رسمية أو مؤسسة ثقافية ولم يصدر عنه ملف في صحيفة أو دورية ولا برنامج يستعرض حياته وإنجازاته، وهو الذي أفنى عمره كاملاً من أجل تأصيل الثقافة العراقية – النقدية خصوصاً – وحركة الترجمة في العراق على أسس علمية ومنهجية محكمة، فأثرى المكتبة العراقية والعربية بالعديد من المؤلفات المتميزة؛ كان كلّ منها يشكّل درساً موضوعياً في النقد التطبيقي، كما تخرجت على يديه الكريمتين أجيال من طلبة النقد علمهم أولاً – وهذا هو الشرط الأخطر – أخلاقيات الباحث، وأمانة الناقد. كان رغم شهاداته العلمية ونبوغه المتفرّد وعلمه الغزير وحضوره الدولي في مجال الترجمة مثالاً للكائن الإنساني البسيط، وأنموذجاً للتواضع الهائل الذي يجعله يستمع إلى طلاّبه وكأنه تلميذ لهم، فيخجلهم ويربِّكهم بإنسانيته.
اقرأ ما كتبه في مقدمة كتابه «أصداء: دراسات أدبية نقدية»: «هذه دراسات أقدمها للقارئ وأتمنى مخلصاً قراءته النقدية البنّاءة لها. فكلنا طلاّب علم نبقى نتعلم من تجارب الآخرين من الأدباء والنقاد الكثير لنحقق به ما نطمح إليه من بلوغ الحقيقة الأدبية».
كانت الحقيقة رائدة في حياته يقدّمها بلا رتوش، ولا حشد ولا محسنِّات. وأتذكر ما قاله في آخر لقاء تلفزيون أجراه معه الفنان «حامد المالكي» وعرض قبل أسبوعين من وفاته بعد صراع طويل مع المرض. 
«سأله المالكي: مؤلفاتك صغيرة الحجم، ما السبب؟ فأجاب: لو أعطيت مؤلفاتي إلى النقاد والمصورين فسيكون حجم كل منها أكثر من (600) صفحة، أنا لا أميل للحشو».
لقد قدّم غزوان العديد من المؤلفات منها: (المرثاة الغزلية في الشعر العربي /1974)، (القصيدة العربية أصلها وخصائصها/ 1978)، (التحليل النقدي والجمالي للأدب/ 1985)، (آفاق في النقد والأدب/ 1990)، (مستقبل الشعر وقضايا نقدية/ 1994)، (أصول نظرية نقد الشعر عند العرب/ 1998)، (قراءات نقدية في الأدب العربي/1998)، (مدخل إلى الشعر الجاهلي/ 2000)، (نقد الشعر في العراق بين التأثرية والمنهجية/1999)، (أصداء، دراسات أدبية ونقدية/2000)، وكان أستاذي الشيخ كثيراً ما يردّد على مسامعي عبارة يحبها من وصية (جورج وليها ميل) لولده يقول فيها: (وعندما يأتيك فكرة كتاب، وتجد في نفسك ميلاً وفي وقتك متسعاً لعمله، ألقِ بنفسك إليه بكل قواك، ولكن لا تنسَ أن تعيش أولاً.. عش بحرارة ثلاثة أشهر لتكتب ثلاثة أيام وتنتج ثلاث صفحات) وكان هذا ديدنه في الصبر والتحمل والإيجاز.
كان رحمه الله مدرسة في العلم والتربية والروح الوطنية، وها قد مرّت سنوات على رحيله.. فهل نسيناه حقّاً؟ أجيبونا!!..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

6 تعليقات

  1. سعد الصالحي

    كلا يا أخي حسين سرمك حسن ، أيها ألأوفى ، لم ننس أبا معتز ، ألأستاذ ألأب الشيخ الجليل ، ولكن إن نسيته المؤسسة فهذا لا يعني على الإطلاق أن تلامذته ومحبيه قد نسوه .. فهو حاضر في كل حديث وحاضر في كل محفل نقدي .. عسى أن نتمكن أنا وأنت وآخرين من الإسراع لتخصيص ملف عبر الناقد العراقي للإحتفاء بخالد الذكر عناد غزوان .

    محبتي وإحتراماتي أخي ألأوفى .

  2. هشام القيسي

    يبقى الراحل الحاضر أبداً د. عناد غزوان قامة علمية عالية جمعت بين السفر النقدي الأبداعي والروحية الوثابة المتطلعة دائماً . إنه كنز كبير . الرحمة الأبدية لك يا استاذ الأجيال وكل التقدير والثناء لمسلك الوفاء د . حسين سرمك حسن الذي عمد هموم الوطن بماء عينيه .

  3. حسين القاصد

    الرائع الحبيب اباعلي : شكرا لوفائك وكرمك ، لم ننس غزوان ولن ننساه ، وانت تعرف صلتي به فأنا معه اخر ايام حياته وقد رافقته في رحلته مع المرض ، وكنت من المشيعين القلائل له ، ولي فيه قصيدتان في رثائه ، وقد عملت برنامجا وثائقيا عن وفاته بعد وفاته بأيام وقريبا سترى برنامجا جديدا عنه ، حيث سيكون في الحلقة الثانية من برنامجي الوثائقي الجديد (المضيئون دائما ) لان الحلقة الاولى كانت للعلامة الاعرجي ، والبرنامج يضم الاسماء المضيئة منهم الجواهري ومصطفى جمال الدين والسياب العظيم ، واخيرا : البرنامج جاهز للبث وسيبث الشهر القادم ، وتقبل مني هذا البيت :
    والله لو مات الفرات عذرته
    …. واقول قد مات الفرات (عنادا )

  4. رمزي العبيدي

    أستاذي الكريم الدكتور حسين سرمك حسن المحترم ، تحية عطرة ، وبعد : لم تقع عيني على الأستاذ الدكتور المرحوم عناد غزوان إلا مرَّة واحدة أثناء حضوري لمناقسة البحث المقدم من قبل أستاذي الباحث جعفر صادق حمودي التميمي عام 1993م ، إلى كلية الآداب جامعة بغداد لنيل درجة الدكتوراه ، لا أذكر عنوان الرسالة بالضبط ، لكنها كانت عن شعر النقائض أو عن شعرائها في العصر الأموي ، وكانت لجنة المناقشة مؤلفة من الدكاترة : المرحوم نوري القيسي رئيسا ً ، والمرحوم ناصر حلاوي عضوا ، وعبد الرحمن شهاب عضوا ً ، وبهجت عبد الغفور الحديثي عضوا ً ؛ والمرحوم عناد غزوان مشرفا ً ؛ ولاحظتُ أثناء سير المناقشة أنَّ الدكتور الحديثي متحاملُ بشكل غريب ولافت للنظر على الباحث وعلى الرسالة ، فسألتُ أستاذتي طيبة الذكر زينب الجميلي ــ وكانت تجلس إلى جاني وتراقب لأنَّ مناقشة رسالتها للدكتوراة في الأسبوع القادم يوم ذاك ــ قلتُ لها : أتلاحظينَ ما ألاحظ ؟ وهل ترينَ ما أرى ؟ ، ابتسمَتْ بلطافة كعادتها وقالتْ : معك حق ، فالموضوع هو أنَّ هناك خلافا ً بين الدكتور بهجت الحديثي صنوه الدكتور عناد غزوان دفع ثمنها الباحث جعفر ، عندها توضَّحَت الأمور وزال الاستغراب والعجب ، ليس الغرض من سردي لهذه الرواية إلا أنْ أشير إلى حكمة الدكتور المرحوم وعقلانيته عندما جاء دوره في التعليق على الرسالة التي أشرف عليه ، وطلب منه التعقيب على ما طرحه المناقشون الأربعة ، إلا أنْ قال كلمة واحدة وهي : ( لا تعليق ) ، متسامحا ً مع الدكتور بهجت الحديثي ومع نفسه ومع الآخرين ، فما كان من رئيس لجة المناقشة الدكتور نوري القيسي إلا أنْ شكره وبالغ في الثناء عليه ، وهذا هو عناد غزوان كما رأيته بعيني مرَّة واحدة . ولعل تسامح عناد غزوان يسود اليوم بيننا ، في حياتنا ووسطنا الأدبي . شكرا لك أستاذي الكريم الدكتور حسين سرمك لأنـَّك ذكرته وذكرتني بما أحفظ له أو عنه ، ولم أشأ أنْ أفرد ما كتبته في مقالة منفردة وأضيف عليها وأنمقها ، لأعترف بفضلكم ودالتكم عليَّ وعلى قرائك الكرام . أخوكم وتلميذكم رمزي العبيدي ، دمشق 27/4/2011م

  5. رمزي العبيدي

    أستاذي الكريم الدكتور حسين سرمك حسن المحترم ، تحية عطرة ، وبعد : لم تقع عيني على الأستاذ الدكتور المرحوم عناد غزوان إلا مرَّة واحدة أثناء حضوري لمناقسة البحث المقدم من قبل أستاذي الباحث جعفر صادق حمودي التميمي عام 1993م ، إلى كلية الآداب جامعة بغداد لنيل درجة الدكتوراه ، لا أذكر عنوان الرسالة بالضبط ، لكنها كانت عن شعر النقائض أو عن شعرائها في العصر الأموي ، وكانت لجنة المناقشة مؤلفة من الدكاترة : المرحوم نوري القيسي رئيسا ً ، والمرحوم ناصر حلاوي عضوا ، وعبد الرحمن شهاب عضوا ً ، وبهجت عبد الغفور الحديثي عضوا ً ؛ والمرحوم عناد غزوان مشرفا ً ؛ ولاحظتُ أثناء سير المناقشة أنَّ الدكتور الحديثي متحاملُ بشكل غريب ولافت للنظر على الباحث وعلى الرسالة ، فسألتُ أستاذتي طيبة الذكر زينب الجميلي ــ وكانت تجلس إلى جاني وتراقب لأنَّ مناقشة رسالتها للدكتوراة في الأسبوع القادم يوم ذاك ــ قلتُ لها : أتلاحظينَ ما ألاحظ ؟ وهل ترينَ ما أرى ؟ ، ابتسمَتْ بلطافة كعادتها وقالتْ : معك حق ، فالموضوع هو أنَّ هناك خلافا ً بين الدكتور بهجت الحديثي صنوه الدكتور عناد غزوان دفع ثمنها الباحث جعفر ، عندها توضَّحَت الأمور وزال الاستغراب والعجب ، ليس الغرض من سردي لهذه الرواية إلا أنْ أشير إلى حكمة الدكتور المرحوم عناد غزوان وعقلانيته عندما جاء دوره في التعليق على الرسالة التي أشرف عليه ، وطلب منه التعقيب على ما طرحه المناقشون الأربعة ، إلا أنْ قال كلمة واحدة وهي : ( لا تعليق ) ، متسامحا ً مع الدكتور بهجت الحديثي ومع نفسه ومع الآخرين ، فما كان من رئيس لجنة المناقشة الدكتور نوري القيسي إلا أنْ شكره وبالغ في الثناء عليه ، وهذا هو عناد غزوان كما رأيته بعيني مرَّة واحدة . ولعل تسامح عناد غزوان يسود اليوم بيننا ، في حياتنا ووسطنا الأدبي . شكرا لك أستاذي الكريم الدكتور حسين سرمك لأنـَّك ذكرته وذكرتني بما أحفظ له أو عنه ، ولم أشأ أنْ أفرد ما كتبته في مقالة منفردة وأضيف عليها وأنمقها ، لأعترف بفضلكم ودالتكم عليَّ وعلى قرائك الكرام . أخوكم وتلميذكم رمزي العبيدي ، دمشق 27/4/2011م

  6. معتز عناد غزوان

    الاستاذ الحبيب د.حسين سرمك المحترم بعد التحيات الطيبات اشكرك كثيرا على كلماتك الرائعة ايها الكبير المبدع وسوف اضعها ضمن الكتاب الخاص بسيرة الوالد بطبعته الجديدة مع حبي الكبير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.