الرئيسية » ملفات » أ. د. علي ناصر غالب: لغـة الشِّعر عند الجواهـري (2) (ملف/27)

أ. د. علي ناصر غالب: لغـة الشِّعر عند الجواهـري (2) (ملف/27)

إشارة:
مرّت ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق. 

الفصل الثالث
التركيب اللغوي
إنَّ خِبْرَة الجواهري باللُّغَة وسَيطرتَهُ على آلياتِها أتاحَتْ لهُ قُدْرَةً عجيبةً على استنفاد وسائل التَّعْبير بهذِهِ اللُّغَة، فهو لا يقف إزاءها ـ بوصفها الأداة الَّتي يستعملها الشَّاعر في بناءِ  عملِه الفنّي ـ مَوْقِفَ العاجز أو الخائف لكِنَّه يَقفُ موقفَ المتَمكِّنُ مِنْها القادرُ على استعمال أَيّة طريقةٍ مِنْ طرائق النَّظْم لِتُعَبْرَ عن أيِّ انفعال يعتريهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يشعرَ بِوردُّدٍ، ذلِكَ
أتاحَ لهُ أَنْ يَستعملَ اللُّغَة بحرِّيةٍ فلا يتركُ طريقةً مِنْ طرائقها إِلا سَلَكَها، ولا يقفُ عند هذا الحَدِّ مِنَ الشَّائعِ المعروف مِن قوانين اللُّغَة بل يميلُ إلى استعمال الشاذّ أو النادر مِنْها أو يستعين بما أتاحه نحو اللهجات العربية القديمة فينهل مِنْهُ لبناء عبارَتهِ الشِّعريَّة.      
    إنَّ درايَتَهُ الواسِعَة بالقرآن الكريم جَعَلَتْهُ لا يكتفي باختيار مفردات قرآنية يوظِّفُها في شِعْرِهِ فحَسْب بل نَجِدُهُ يتأثَّر بأنماط مِن الصَّوْغ القرآني للعبارة أو الجُمَلة نحو كَثْرَة العطف أو البناء للمجهول أو بناء الجُمَلة الطويلة أو مَيْلهِ إلى التَّنويع في الجُمَلة بَيْنَ النَّفي والإِثبات أو الخبر والإنشاء وإلى أَنْ تتداخلَ الأساليبُ في شعرهِ بطريقةٍ تنمُّ عن وَعْيٍ عظيمٍ بقوانين اللُّغَة وأسرارها.
ومِمّا لا جِدالَ فيه أنَّ الشَّاعر يمتلك معرفة خِصْبَةً بالتُّراثِ الشِّعري السابق لعصره مكََّنَتْه مِنَ الاطمئنان إلى الكثير مِنَ الاستعمالات الَّتي قد يَظُنُّ البعض أنَّ الشَّاعر قد أخْطَأَ فيها أو خَرَجَ على قوانين اللُّغَة.
وَقَدْ نَبَّهَ علماءُ العربيَّة القدماءُ إلى أنَّ الشَّاعر هو الذي يتحكَّمُ في اللُّغَة ويسخِّرُها لما يريدُ التَّعْبير عنه فقال الخليل: ” الشُّعراء أُمراءُ الكلام يُصَرّفُونَهُ أنّى شاءوا وجائِزٌ لَهُمْ مالا يجوزُ لِغيرِهِمْ ” ( ).
فهم يولِّدونَ أنماطاً لُغَويّة تسمحُ بها طاقة اللُّغَة الواسعة( )،  فضلاً عن ذلِكَ أدركوا أنَّ للشِّعر لُغَةً خاصَّةً وأنَّه يَقْتَحِم مجالات جديدة في اللُّغَة: ” لما يتولَّد فيها مَرَّة بَعْدَ مَرَّة وإنّ المولِّدَ لها قرائحُ الشِّعراء الذينَ هُمْ أُمَراء الكلام بالضرورات الَّتي تَمُرُّ بهم في المضايق الَّتي يُدْفَعونَ إليهِا عند حَصْرِ المعاني الكثيرة في بيوت ضَيِّقة المساحة،  والإعنات الذي يَلْحقّهُمْ عند إقامة القوافي الَّتي لامحيدَ لَهُمْ عن تنسيق الحروف المتشابهة في أواخرها فلا بُدَّ أَنْ يدفعهم استيفاء حُقُوق الصنعة إلى عَسْفِ اللُّغَة بفنون الحيلة، فمَرَّة يعسفونها بإِزالة أمثلة الأسماء والأفعال عَمّا جاءت عليه في الجِبِلّة لِما يُدْخِلُونَ مِنَ الحذف مِنْها أو الزيادة فيها ومَرَّة بتوليد الأَلْفاظ على حَسْب ما تسمو إليهِ هِمَمُهُمْ عند قرض الأشعار” ( ).
وفي سَعْي الشَّاعر إلى التَّعْبير عَمّا يريدُ لايبالي بِنَوُّع الجُمَلة الَّتي يبدأ بها أوْ نَوُّع الأُسْلوب لكِنَّه يُعَبْرَ بِشَكْلٍ عَفْويٍّ عَمّا يُريدُ فتنهمر عليه اللُّغَة انهماراً عَبْرَ دَفَقاتٍ مِنَ القول يَهصرُها خَيالُهُ الخِصْبُ ولذلِكَ كأَنَّ شعره يمثِّل اللُّغَة وهي في كامل حيويتها وعُنْفُوانِها بَعيداً عن القوانين التَّعليمية الَّتي يَفْرِضُها النَّحْوِ، وَقَدْ نبّهَ سيبويه إلى ذلِكَ في باب ما يحتمل الشِّعر( ) َوخَلُصَ إلى أنَّ للشِّعر نَحْواً خاصَّاً يختلفُ عن اللُّغَة العادِيّة وذلِكَ يَنْبُعُ مِنْ طبيعة الشِّعر نَفْسِهِ.
إِنَّ ما أدْركَهُ سيبويه وغيرُهُ مِنْ عُلَماء العَرَبّية مِنْ طبيعة لُغة الشِّعر دَفَعَتْهُمْ إلى التسمُّح إزاء خروج الشَّاعر على قوانين اللُّغَة ولجوئه إلى ما تقتضيه ضرورة الشِّعر فَضْلاً عن أنَّ الشِّعر يختلف عن الأمثلة التعليمِيَّة المَصْنُوعة فليس شرطاً فيه أنْ يتجاوَرَ المبتدأُ والخبر أو الفِعْل والفاعل أو خلق علاقات جديدة بَيْنَ الأَلْفاظ مِنْ خلال عَلاقة التجاور بَيْنَ المُضاف والمُضاف إليهِ أو الصِّفة والموصوف وغيرهما،  فالشِّعر يثري اللُّغَة الحيَّة مِنْ خلال قُدْرَة الشَّاعر على خَلْقِ علاقاتٍ جديدةٍ بَيْنَ ألْفاظها لم تَكُنْ معهودةً مِنْ قَبْلُ.
وَقَدْ عَمَدَ الجواهري في العديد مِنْ قصائده إلى تأليفٍ غيرِ خاضعٍ خُضوعاً مُقَنَّناً لِما تَضُمَّهُ كُتُبُ النَّحْوِ مِنْ قوانينَ فَجَعَلَ لِشعره نظاماً لغوياً يشتركُ فيه مع غيره مِنَ الشِّعراء لكِنَّه يتفرد مِنْ بَيْنَ معاصريه في الأَقلّ بخصائِصَ غيرِ مألوفةٍ في العربَّية المعاصرة.
وفي مجال الوقوف على طبيعة بناء التراكيب والجُمَل في شعر الجواهري نَتَلمَّسُ ظواهرَ عِدَّة سَنَقِفُ عِنْدَها تِباعاً ومِنْ بَيْنَهِا:
توازنُ العبارة:
ونَعْنِي بالتَّوازن تَماثُلَ العِبارة بِشَكْلٍ أُفُقيٍّ بَيْنَ الصَّدْرِ والعَجْزِ أو تماثُل عمودي يَضُمُّ عِدَّة أَبياتٍ تتكرَّرُ فيها الأنماطُ نَفْسُها.
ويشيع التوازنُ الأُفقُي في شعر الجواهري فلا تكاد تخلو مِنْه قصيدةٌ فضلاً عن أنَّ الشَّاعر يوظِّفُ هذا النَّمَط مِن البناءِ في أثناء القصيدة بهدف إضافة عنصر آخرَ مِنْ عناصرِ الموسيقى إليهِا فيأتي صدرُ البيت متماثلاً مع عجزه والشَّاعر حينذاك ينطلق مِنْ مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ وسنتَّخِذُ مِنْ قصيدة ” دجلة في الخريف ” ( ) مَثَلاً لنا نحن بِصَدَدِهِ وذلِكَ لاِنتشار هذِهِ الظاهرة في شعرِهِ فقالَ:
جَرْداءُ وهو يَضِجُّ ملْعَبُهُ
ظَلْماءُ وهو يُشَبُّ مَوْقِدُهُ
* * *
والهِيمُ تخزُنهُ وتنهبُهُ
والغِيدُ تُنزِلُهُ وتُصعِدُهُ
* * *
والنَّجْمُ حارسُها وحارسُهُ
والظِّلُّ مَوْعِدُها ومَوْعِدُهُ
* * *
فلِفَقْدِه نَفَساً تنفُّسُهُ
ولِذكرِهِ نَهْداً تَـنَهُّدُهُ
* * *
فَمِنْ الشَّمال يدٌ وتُـنْهِضُهُ
ومِنْ الجنوب يدٌ وتُقْعِدُهُ
* * *
والفَصُلُ، دُوْنَ الفَصْل، يُنْعِشُهُ
والأرضُ، دون الأرضِ، تُسْعِدُهُ
* * *
النَّجْمُ أَعمى لا يُرافقُهُ
والطَّيْرُ أخرسُ لا يُغرِّدُهُ
* * *
والغَيْمُ يحلِفُ لا يُبارحُها
والرّيحُ تَحلِفُ لا تُبَدِّدُهُ
فلو تَتَّبَعْنا صُدورَ الأبيات وأعجازِها لَوَجَدْنا تماثُلاً في بناء الجُملة مِنْ حيثُ مُكَوِّناتُها النَّحْوِية والصَّرْفَّية وسَنَكْتَفِي بتحليلِ البيت الأَولَّ لنتبَيَّنَ ذلِكَ على النَّحْوِ الآتي:

جَرْداءُ    َوهْوَ    يَضِجُّ    مَلْعَبُهُ
ظَلْمَاءُ    وَهْوَ    يُشَبُّ    مَوَْقِدُهُ
 
خبر لمبتدأ محذوف    الواو حالية    فعل مضارع    فاعل مضاف
تقديره ( هي )    والضَّمير مبتدأ    مرفوع    إلى ضمير الغائب

فَيَتَماثَلُ بِناءُ الصَّدر والعجز مِنَ النَّاحية النَّحْوِيَّة، أَمَّا التماثُل الصَّرْفي فيقومُ مِنْ خِلال تماثُل
 ( جرداء ) و ( ظلماء ) فكِلْتاهُما على وزن ( فعلاء ) ويتماثل الفِعْل المُضارِع ( يضج ) والفِعْل ( يشبّ ) فهما مُشْتَقَّانِ مِنْ فعليْنِ ماضيينِ مُضَعَّفَيْنِ هُمَا : ضَجَّ وشَبَّ فضلاً عن تماثل اسمَي المكان ( مَلْعَب ) و ( مَوَْقِدِ ) في عدد الحروف والسَكَنات بِغَضِّ النظر عن اختلاف في فَتْح العَيْن وكَسْرِ القاف، كما تكرَّرَت واو الحال بِصُحْبَة ضمير المفرد الغائب في الصَّدْر والعجز.
إنَّ التماثلَ النَّحْوِيَّ والصَّرْفيَّ يُسْهِمُ في إِغْناء الموسيقى في القصيدة على الرَّغم مِنْ أنَّهُ وسيلةٌ سَهْلَةٌ بإِمكان الشَّاعر أن يُكْثِرَ مِنْها لكِنَّ براعتَه تقوم على توظيف هذا المِنْحى في القصيدة ليقوم بوظيفة تشبه وظيفة الدور في المُوَشَّح على حَسْب توزيعه لهذِهِ الأبيات في القصيدة مضيفاً إليهِا عنصراً جديداً مِنْ عناصر الموسيقى الشِّعرية.
وَقَدْ بَرَزَتْ في شعر الجواهري ظاهرةُ التَّوازن في بناء العبارة ولا سيّما في صدور عِدَّة أبياتٍ متعاقبةٍ فيأتي البناء النَّحْوِي بناءً واحداً فقال في قصيدة ” لُعْبَة التَّجارِب ” ( ):
فكانَ  لِزاماً أَنْ تَحُوزَ عِصابَةٌ
        تَفَيَّتْ بظلِّ الجاهِ أعلى المراتبِ

وكانَ لِزاماً أن تَتُمَّ سيادةٌ
        عليه لأبناءِ ” الذَّواتِ ” الأطايِبِ

وكانَ لِزاماً أَنْ تُقادَ جُمُوعُهُ
        حُفاةً عُراةً مُهْطِعينَ ” لراكبِ ”

وكانَ لِزاماً أنْ تُحاكَ دَسائِسٌ
        لَهُ تَحْتَ أستارِ الخِداع الكواذبِ

وكانَ لِزاماً أنْ تُعطَّلَ صَنْعَةٌ
        وأَنْ يُصْبِحَ التَّوْظِيفُ أعلى المكاسبِ

فقد بنى خمسة أبيات متعاقبة بناءً نَحْوِياً واحداً يعتمد على ” كانَ ” النَّاقصة وَقَدْ تَقَدَّم خَبَرُها على اسمها وجَعَلَ اسمَها مصدراً مؤوَّلاً مِنْ ” أَنْ ” المصدرية والفِعْل المُضارِع لكِنَّه نَوَّع في المُسْنَد إليهِ فجاء فاعلاً أو نائبَ فاعل، وعلى الرَّغم مِنْ أَنَّ الشَّاعر لم يلتزمْ هذا التماثلَ في أعجاز الأبيات تَخلُّصاً مِنَ الرَّتابة وإتْماماً لمتعلِّقات الفِعْل أو وُصُولاً إلى القافية لكِنَّ هذا النَّوع مِنَ البناء يُعَدُّ علامةَ ضَعْفٍ لاتُغني الشَّاعر الَّذي ينبغي أنْ تَتَّصِفَ لُغَتُهُ بالإيجازِ والإيحاءِ لا إلى التَّفصيلِ، وَقَدْ نَبَّهَ ابنُ سِنان الخفاجي في معرض حديثه عن تَكرار بعض أشْكال التَّعْبير إلى ضرورة الاعتدال في ذلِكَ فقال:
” إنَّ تكرار التَّصغير والنِّداءوالتَّرخيم والنَّعت والعطف والتَّوْكيد وغير ذلِكَ مِنَ الأقسام والإسهاب في إيرادها معدودٌ في جُمْلة الَّتكرار ويجبُ التَّوسط فيه فإِنَّ لكل شيء حَدّاً ومقداراً لا يَحْسُنُ تجاوزه ولا يُحْمَدُ تعدِّيه ” ( ) .
وقال في قصيدة ” يا بدر داجية الخطوب ” ( ):
ونَرى الصِّيانةَ للدُّموع رُجولةً
        حتَّىيُرى سَبَبٌ إلى التَّضييعِ

فالآنَ تَصْدُقُُ دَمْعةُ الباكي إِذا
        نَزَلَتْ عليك وأَنَّةُ الموجوعِ

والآنَ يَنْزِلُ كلُّ طالبِ حاجةٍ
        في قَفْرَةٍ ليسَتْ بذات زُروعِ

والآنَ تَفْتََقِدُ البلادُ مُحنَّكاً
        يُحْتاجُ في التَّنفيذِ والتَّشْريعِ

والآنَ تَلْتَمِسُ العيونُ فلا تَرى
        أَثَراً لوجهٍ رائِعٍ ومُريعِ

فبنى الشَّاعر أربعة أبيات على الابتداء بالظَّرف ” الآن ” تَعْقُبُه جُمَلٌ فِعْلِيَّةٌ فِعْلُها مضارعٌ فهو يَنْطَلِقُ في تأسيس أبياته مِنْ مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ يَرْشَحُهُ ذِهْن الشَّاعر ويستسيغُهُ ويوظِّفُهُ لِقَصْد استكمال أوْجه الفكرة الَّتي يريد إيصالها.
إنَّ الانطلاق مِنْ مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ أَسْهَلُ على الشَّاعر مِنْ أَنْ يُنَوِّع في تعابيره فالقالب النَّحْوِي والصَّرْفي في مُعْظَم الأحيان يكون جاهزاً وفي مُتَناوَلِ الشَّاعر فلا يُتْعِب ذِهْنَهُ في البحث عن صورة قَوْلية جديدة.  إنَّ الشَّاعر لا يتفرَّدُ بهذِهِ الظاهرة فهي موجودة لدى غيره مِنْ شعراء العربية سواء في عصورهم القديمة أم في العصر الحديث ( ) دُرِسَتْ بوصفِها َمظْهَراً مِنْ مظاهر التَّكرار في الشِّعر ولا سِيّما التَّكرار اللَّفظي لكِنَّ الجواهري يلتزمُ بها في مراحل حياته الشِّعرية كلِّها فقال في قصيدة ” دمُ الشَّهيد ” ( ) :
فلَيْتَ الحزنَ تُطْبِقُ فوق سالٍ
        سحابتُهُ وتأبى الإنقشاعا

ولَيْتَ الليلَ يغمرُهُ دخاناً
        ولَيْتَ الصبحَ يُمطرُه الَّتياعا

ولَيْتَ مُنْىً يراودُها فِجاراً
        تعاودُه لتنهشَه ضِباعا

ولَيْتَ ضميرَه يَثِبُ افتزاعاً
        مِنَ الذِّكرى وينتفضُ التذاعا

ولَيْتَ العارَ يبرحُ مستضيفاً
جج         سريرتَهُ اصطيافاً وارتباعا
ج
ولَيْتَ أمامَ عينيهِ احتراقاً
        جرى كالشَّمْعِ حاضرُه وماعا

ولَيْتَ خيالَ ماضيه مَسِيخاً
        يلوحُ على ملامِحِه انطباعا

فكرَّرَ الشَّاعر ” لَيْتَ ” ثماني مرَّاتٍ في سبعة أبيات متتالية وأسَّسَ الأبيات جميعَها على ” لَيْتَ ” وخَرَجَ التَّمنِّي إلى دعاء بالشَرِّ تنَوُّعتْ صورُهُ فكأَنَّ الشَّاعر يُريدُ أنْ يدفع عن نفسه صفة الإنسان الذي يسلو الشهيد وينسى ذكره، وَقَدْ وردت أخبار ” لَيْتَ ” كلها جملاً فعلية وحافظ على نظام الجُمْلة فجاءت أسماء ” لَيْتَ ” ثُمَّ أعقبتها الأخبار على الرَّغم مِنْ وجود فروق تَخُصُّ التَّعريف والتَّنكير أو تقديم بعض المتعلقات على اسم لَيْتَ كما يَتضِحُ مِنَ النَّصِّ. إِنَّ هذا النَوُّع مِنَ البناء يتيح المجال أمام الشَّاعر لِيُعَبْرَ عن الفكرة كاملةً عَبْرَ تنَوُّع الصُّوَر وتَراكُمِها.
ويُؤْثِرُ الشَّاعر استعمالَ هذِهِ الطريقة لتكريسِ صُوَرٍ مُتَنَوُّعةٍ لقَصْدِ السُخْرية فقال في قصيدة ” سِرْ في جهادك ” ( ):
فَمُكَرِّشٌ نُفْجُ الحضين كمُقْرِبٍ
        بادي الوِحام كأَنَّهُ ” النُّفَساءُ ”

ومُصَعْلِكٌ لِصْقُ الهَوانِ كأَنَّما
        قَذَفَتْهُ مِنْ أحْشائِها الغَبْراءُ

وشَواحِبٌ ضُنْكُ العِظامِ خُُدُودُها
        وكأَنَّهُنَّ بما نُزِفْنَ خَواءُ

ولَواهِبٌ حُمْرُ الخُدُودِ كأَنَّما
        فِيهُنَّ مِنْ شُرْب الدِّماء حَياءُ

ومُكافَأُونَ على الجَرائِمِ خَيْرَ ما
        يُجْزى الكَريِمُ ! لأَنَّهُم قُرَباءُ

ومزاملو قَعْرِ السُّجونِ كَرامةً
        ويُعَذَّبونَ لأنَّهمْ كُرَماءُ

إنَّ تأسيسَ الأبياتِ يأتي مُتَماثِلاً مِنْ حَيْثِ بناؤها النَّحْوِي فضلاً عن التَّماثُل الصَّرْفي بَيْنَ “مكرش ومصعلك” وبَيْنَ ” شواحب ولواهب ” وبَيْنَ ” مكافأون ومزاملو” إنَّ هذا التنويع يخدم الموسيقى الشِّعرية الَّتي تُنْقِذُ النَّصِّ مِنَ الرَّتابة فضلاً عن أَنَّ تَتِمّات الأبياتِ لا تأتي مُتَماثِلَة في أغلب الأحيان مِمّا يُسْهِمُ في إبعاد الملل عن المُتَلَقّي أو القارىء.
وَقَدْ حَرَصَ الشَّاعر على أنْ تأتي مُعْظَم النُّعُوت مُرَكَّبَة تركيباً إضافياً في ” نُفْج الحضين ” و ” لِصْق الهوان ” و ” ضُنْك العظام ” و ” حمر الخدود ” فجاءت متماثِلَةً في بِنائِها مِمّا يَجْعَلُ الموسيقى تطفَحُ على السَّطْح.
إنَّ التَّماثُلَ في الصِّيَغِ والتَّراكيب يتبعُ مَيْلَ الشَّاعر إلى رَسْمِ صُورَةٍ مُتَناقِضَةٍ عن نَماذِجَ بَشَرِيّة تنافرَتْ أحوالُها وطبائِعُها:
مكرِّش: مُصَعْلِك
لواهب: شواحب
مُكافَأون على الجرائم: مزاملو قَعْر السُّجون
والشَّاعر يهدف مِنْ هذا البناء إلى التركيز على موقف انفعالي مُعَيَّن ومِنْ ثُمَّ تصويره بدقةٍ مُتناهيةٍ فهو مَعْنِيُّ بإظهار صُوَر الاستغلال والتَّرف والظُّلم تقابِلُها صُوَر القَهْرُ والجوع والمعاناة وإظهار البَوْن الشَّاسع بَيْنَ حياتين يعيشها نموذجانِ مِنَ الشَّعب أحدهما يَقْبَعُ في ظِلّ شَجَرَةِ السُّلْطة الوارفة والآخر يَتَلوّى جُوعاً في الهجير.
ويلجأ الشَّاعر إلى هذِهِ الظاهرة أََعْني بها ظاهرَة التَّوازن العَمودي في بناء الجُمَلة الشِّعرية في كثيرٍ مِنَ الأحيان وعلى امتداد حياته الشِّعرية الطويلة لكِنَّ ذلِكَ لا يعني أنَّ الشَّاعر يحافِظُ على هذِهِ الظاهرة في كل قصيدة أو أنها تأتي واحدة في القصيدة فالثابت أن الشَّاعر مغرمٌ بتنويع أنْماط القَوْل الَّتي يُؤسِّسها على مُنْطَلَق واحد ثُمَّ يَكْسِرُ هذا النَّمَط لِيَخْرُجَ إلى مُنْطَلَقاتٍ قَوْليةٍ مُتَباينة يَعودُ بَعْدَها إلى حالة التَّماثُل وهكذا.
ويُفَصِّلُ الجواهري في جُمْلَة مَقُولِ القَول عَبْرَ أبْنِيَةٍ تَتَماثَلُ فيها صدورُ الأبيات تماثُلاً عمودِيّاً مَبْنِيَاً على ” ما ” الاستفهامية المسبوقة بحرف الجر في أربعة أبيات تعقبها ثلاثة أبيات تتماثل صدورها تماثُلاً نَحوياً تامّاً فقال في قصيدة ” عبد الحميد كرامي ” ( ):
قُلْنا لَهُمْ: ِفيمَ اللَّجاجَةُ والسَّما
        تُعطي وتَمْنَعُ والقضا غَدّارُ ؟

وعلى مَ يَشتَطُّ الممثِّلُ مِنْكمُ
        رفْقَاً بساعةَ تُرفَعُ الأسْتارُ ؟

وعلى مَ يوغِلُ في الحماسةِ راقِصٌ
        بأشدَّ مِمّا ينفُخُ الزَّمّارُ ؟

وعلى مَ يَسْدُرُ في الصَّبابة سادِرٌ
        وعلى مَ يُخْلَعُ في الغِرام عِذارُ ؟

    ويَكْسِرُ هذا النَّمَط فينتقل إلى مُنْطَلَقٍ قَوْلي مُتماثِل يَختلفُ عن الأوّلَ فقالَ مباشَرةً:

قُلْنا لَهُمْ: إنّ الشُّعوبَ مُنْيخةٌ
        أبداً وحُكّامُ الشُّعوب سِفارُ

قُلْنا لَهُمْ: إنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّداً
        يَأبى الخَنا والواحِدُ القهّارُ

قُلْنا لَهُمْ: إنَّ البَياضَ لَشَحْمَةٌ
        واللَّيلَ ليلٌ والنَّهارَ نَهارٌ

إنَّ التَماثُلَ النَّحْوِي الذي يكتَنِفُهُ تَماثُلٌ صَرْفِيٌ فضلاً عن وَحْدَة الأُسْلُوب في كُلِّ مُنْطَلَقٍ يساعِدُ في التنويع في الصُّوَرة واستـنفادِ وجوه الفِكْرَة كُلِّها.
وَقَدْ تَتَكَرّرُ المُنْطَلَقاتُ اللُغَوية المُتَماثِلة في القصيدة الواحدة كما فَعَلَ في أََحَد مقاطع قصيدة ” معروف الرُّصافي ” ( ) فقالَ:
” معروفُ ” نَمْ فوق التُّرا
        بِ مُضَمّخاً بشَذى العُطورِ

بالمُحْسِناتِ الصُّنْعِ لَمْ
        تَطلُبِ بها أجْرَ الشَّكورِ

والعابِقاتِ كأَنَّها
        مُتَفَتّحُ الزّهَرِ النَّضيرِ

والصَّاخِباتِ كأَنَّها
        مَوْجٌ يُزَمْجِرُ بالهَديرِ

وإِذا سَأَلْتَ عَنِ ” العرا
        قِ ” فقد وَقَعْتَ على الخَبيرِ

الجَوْرُ يَخْطَفُ أهْلَهُ
        خَطفَ الأجادلِ للطيور

والسَّوْطُ يأكلُ مِنْهُمُ
        أكْلَ الذِّئابِ مِنَ الجَزورِ

والوَعْيُ يَدْفَعُ بالوُعا
        ةِ مِنَ السُّجونِ إلى القُبورِ

والذُّلُّ يعصِفُ في مشا
        رِفهِ ويطفَحُ في الثُّغُورِ

زَلَّتْ مُتونُ المدّعيـ
        نَ بهِ عِنْ الحِمْلِ العَسيرِ

وَتَرَّنّحَتْ زُمرُ الشَّبا
        بِ بقاصِماتٍ للظُّهورِ

وَتَراكَضَتْ فيه تَجُو
        لُ كما اشْتَهَتْ خَيْلُ المُغِيرِ

    فقد أسَّسَ الشَّاعر ثلاثة أبيات على مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ اعْتَمدَ التفصيلَ في الفِعْل
 ” مُضَمِّخاً ” فجاءت ثلاثُة أبياتٍ مصدَّرة بِجَمْعِ المؤنث السالم ثُمَّ كَسَرَ الشَّاعر هذا النَّمَط ( ) بوساطة ” إِذا ” الشَّرْطية ليدخلَ إلى نَمَط قَوْلي آخَر مبدوء بأربعة أسماء هي محاور أربعة أبيات وهي : ( الجور والسَّوْط والوعي والذُّل ) تلحقّها أفعال مضارعة مُتَماثِلة صَرْفّياً هي
( يَخْطُف ويأكل ويدفع ويعصف ) وحَرَصَ الشَّاعر على تماثلها الصرفي والزماني لدلالتها على دوام صُوَر القهر والظُّلْم واستمرارها ثُمَّ ينتقل إلى نَمَطٍ قَوْلي آخر مَبْني على أفعال ماضية لَحقتها تاءُ التَّأنيث في ( زَلَّتْ وتَرَنَّحَتْ وتَرَاكَضَتْ ) .
إنَّ قُدْرَة الشَّاعر على توليد أََنْماطٍ لُغَوية والإنتقال مِنْ نَمَطٍ إلى نَمَطٍ آخر أمْرٌ لا يُتاحُ لأيِّ شاعر لكِنَّها مهارةٌ تَتطلَّبُ خِبْرَةً وافِيَةً في استعمال اللُّغَة وَقُدْرةً على التَّنْويعِ في الصُّوَر بِما يُتيحُهُ خيالَ الشَّاعر الخِصْب الذي لا يعرف الحدود.   
إنَّ سَعْيَ الشَّاعر إلى هذِهِ الأنماط المتماثلة دليلُ ضَعْفٍ عِنْدَ غَير الجواهري ذلِكَ لأنَّهُ يرقى بهذا الضعف إلى رُتْبَةٍ تَليقُ بشاعريَّتِهِ مِنْ خِلال ثَراءٍ في الأَفْكار واللُّغَة والخيال وبدون هذِهِ الصفات فان النَّصِّ الشِّعري لا يقوى على التَّماسُك والارتفاع عن السقوط ( )، كذلِكَ يبدو أنَّ سَعْيَ الشَّاعر لتَقَصّي عَناصِر الفكرة يَتُمُّ مِنْ خلال التنويع في الصُّوَر وأنَّ لُغَتَهُ الخِصْبَة وخَيالَهُ المُتَدَفِّقُ يَرفعان هذِهِ النماذج مِنَ السُّقوط أو التَّهافت.
لقد حافَظَ الجواهري على هذِهِ الطَّريقة طَوالَ حَياتِهِ الشِّعرية عَبْرَ تَكرارِها في قصائدِه لكِنَّهُ في جانبٍ آخَرَ يميلُ إلى تنويع مُنْطَلَقاتِهِ اللُغَوية وبذلِكَ يُحقّقُ لِقَصِيدَتِهِ بِناءً مُحْكَماً( ).
قال في قصيدة “ظلام” الَّتي بناها على نظام الأشطار( ):
كأَنَّ العوالِمَ رَهْنُ الثُّبورْ

كأَنَّ الطبيعةَ بِنْتُ القُبورْ

كأَنَّ القُبورَ بحورٌ تدورْ

كأَنَّ البُحورَ سَماءٌ تَمُورْ

كأَنَّ السَّماءَ عَجاجٌ يَثُورْ

كأَنَّ العجاجَ بَشيرَ النُّشورْ

    كأَنَّ النُّشورَ كِفاحٌ يَطولْ

    تكسَّرُ فيه القنا والنَّصِّولْ

    وتُسحب للموت فيه ذُيولْ

    كأَنَّ الرُّعودَ قِراعُ الطُّبولْ

    كأَنَّ الغُيومَ مَساقُ العُجولْ

    كأَنَّ البُروقَ خيالٌ يَجُولْ

    كأَنَّ الأعِنَّةَ ريحٌ شَمولْ

    كأَنَّ سنا البَرْق نَصْلٌ يَغُورْ

    كأَنَّ الهَزِيمَ حوارٌ يَدُورْ

إِنَّ هذا الضربَ مِنَ التَّوازُن في العبارة وسيلةٌ يَلجأُ إليهِا الشَّاعر لِيُنَوُّع في الصُّوَر ثُمَّ يُعْقِبَهُ بِنَمَطٍ قَوْلي آخر مَبْني على السُّهولة المتناهية في استعمال التَّكرار واستمراره فقال:
أَجَلْ أَيُّها الفَلَكُ العاصفُ

            سَمعْناكَ:
                    يا أَيُّها الهاتفُ
أَجَلْ أَيُّها الغَرَبُ القاصفُ

أَجَلْ أَيُّها المُرْعَبُ الخائفُ

    أَجَلْ يا مُخِيفَ السَّما والصُّقورْ

    ويا مَنْ يخافُ الصَّبا والدبَّور

    ويا مَنْ نَعتَهُ بُغاثُ الطُّيور

أَجَلْ أَيُّها الفَلَكُ الأَعْجَفُ

أَجَلْ أَيُّها الصّاعِقُ الأَجْوَفُ

أَجَلْ أَيُّها الشَّارقُ الأَغْدَفُ

أَجِلْ مِنْ خُيولِكَ ما يَعْصِفُ

فبنى عبارته الشِّعرية على استعمال حرف الجواب “أَجَلْ” مُتَصَدِّراً جُمْلَة النِّداءثُمَّ ينتقِلُ إلى نَمَطٍ قَوْلي آخر قائمٍ على الابتداء بِفِعْلِ الأمْرْ لِيَكْسِرَ النَّمَط السَّابِق.
مَدُّ الجُملة:
أفاد الشَّاعر مِنْ بناء طائفة مِنَ الجُمَل الَّتي تَرِدُ في بعض الأساليب كالشَّرْط والقَسَم والنِّداءوالطَّلَب وغيرها بما يُتيح له المجال لِيفَصِّلِ في الفِكْرَة ويُنَوُّع في الصُّوَر وذلِكَ بأنْ يَمُدَّ القصيدة فيباعد بَيْنَ عناصر التَّركيب اللُّغَوي الواحد( )، والجواهري مَيّال إلى هذا النَهْج طَوال حياتِهِ الشِّعريّة فلا يقتصرُ ذلِكَ على مرحلة دُونَ سِواها.
إنَّ طَبيعة بعض الأساليب مُعَقَّدَةٌ فلا يأتي المعنى مِنْ خلال جملة واحدة بل تَتَطلَّبُ بناءً لُغَوياً خاصّاً كما يحدث في التَّركيب الشَّرْطي القائم على:
أداة الشَّرْط + جملة فعل الشَّرْط + جواب الشَّرْط
فبناء الجُمَلة الشَّرْطية فيه مِنْ التَّعقيد ما يجعل المُتَلقِّي بحاجةٍ لشَحْذِ اهتمامِهِ بعناصرها والصِّلَة المعقودة بَيْنَ فِعْل الشَّرْط وجوابِهِ.
وَقَدْ حَرَصَ النَّحْوِيُّون في أمثلتهِم التَّعليميَّة وفي شواهِدِهِمْ الَّتي استَقُوها مِنَ القرآن الكريم أو   مِنَ الشِّعر العربي القديم على أَنْ تتجاور عناصر التركيب سواءً أكانَ شرطاً أم قسماً أم نداءً أم سواها مِنْ ضروب التَّعْبير ووسائله في العربية فكثيراً ما يختارون نماذج مِنَ الشواهد يتجاوز فيها فعل الشَّرْط وجوابه أو فعل الطلب وجوابه أو النِّداءوجوابه حتَّىتسهلَ على مُتَعلِّم العربية القاعِدَّة النَّحْوِيَّة الَّتي هُمْ بِصدَدِ عَرْضِها.
    والحقُّ أنَّ لهذِهِ الأساليب في لغة الشِّعر صوراً غيرَ معهودة في الأمثلة التعليميّة كأَنْ يُفصِّلُ الشَّاعر في جملة الشَّرْط ويؤخِّرُ جملة الجواب بَعْدَ مساحةٍ قَوْليةٍ تتألَّفُ مِنْ عِدَّة جُمَل فيسترسلُ الشَّاعر في جملة فعل الشَّرْط ولا تعثَرُ على جواب الشَّرْط إِلاّ بَعْدَ استنفاد الشَّاعر ما يريدُ تصويرَه فتمتَدُّ الجُمَلة بوسائلٍ عِدَّة كاستعمال العَطْف أو النَّفْي أو تعدّد النُّعوت فتضمُّ جُملة فعل الشَّرْط جُمَلاً مَتنَوُّعة لا جملةً واحدة، وَقَدْ يَعْمَدُ الجواهري في كثيرٍ مِنَ الأحيان إلى مَدِّ جملة الشَّرْط وجملة الجواب معاً باستعمال آليات اللُّغَة المعروفة كالعَطْفِ وتَتَابُع النُّعُوتِ وغيرِهما.
    قال الشَّاعر في قصيدة “ظلام”( ):   
فإنَََّكَ مَهْما تُشِعْ مِنْ سَوادْ

وتُلْبِسْ دياجِيْكَ ثَوْبَ الحِدادْ

ويُذْرَ مَعَ الرِّيْحِ مِنْكَ الرَّمادْ

    ومَهْما ارْتَمَتْ خافِقاتُ الظِّلالْ

    فُوَيْقَ السُّهوبِ وبَيْنَ الرِّمالْ

    تُرجِّفُها بَيْنَ آلٍ. . . وآلْ

كآبةُ دَيْجُورِكَ الزَّاحِفِ 

وَوَحْشَةُ زِنْجيِّكِ الرَّاجِفِ

ومُلْهِمُ قَيْثارِكَ العازِفِ

    ومَهْما ترامَتْ رُؤوسُ الجبالْ

    تُثيرُ مِنَ الرُّعْبِ مِثْلَ الخَبالْ

    بحيثُ تَهِيمُ بناتُ الخَيالْ

وَقَدْ آدَ مِنْهُنّ وِزرُ الخَطايا

حواسِرٌ مِنْ فَرْط هَوْلٍ عَرايا

تجوسُ الثَّرَى وتَجُوبُ الثَّنايا

فَلَسْتَ ببالِغِ رُعْبِ البَرايا

إِذا خَطَرَتْ في بُرود الجَلال

    وَقَدْ سَتَرَتْ جِيَفاً في الحَنايا

    وإِنْ هِيَ زَرَّتْ جُيوبَ الكَمال

    وَقَدْ راعتها قُبْحُها في المَرايا

    لقد كرَّر الشَّاعر أداة الشَّرْط “مَهْما” ثلاث( ) مرّات نَوُّع فيها في أنماطها ولم يأتِ الجواب إِلاّ بَعْدَ مساحةٍ قَوْليّة كبيرةٍ تَجْعَلُ ذِهْنَ المُتَلقِّي يشتاقُ أكْثَر لمعرفةِ العُنْصِر المُكمِّل للتركيب وهو جواب الشَّرْط فتحقَّقَ بِقَوْلِهِ:
فَلَسْتَ ببالغِ رُعْبِ البرايا
    إِنَّ هذا النَّهْج في مَدِّ جملة الشَّرْط عَبْرَ تَكرار أداة الشَّرْط أو تناوب الأدوات الشَّرْطية فيما بَيْنَها كما في، ” إِذا ” و ” إن ” جَعَلَ الشَّاعر يستنفدُ صُوَراً عِدَّة للظَّلام الذي رمز به للنظام السياسي السائد آنذاك.
    ولو تحرَّيْنا الدِّقَةَ فإنَّ الجواهري قد استعمل جملةً طويلةً متداخلةً كان ينبغي أَنْ يكون جواب الشَّرْط فيها محذوفاً لأنَّهُ اكتنفَهُ ما يدل عليه غير أَنْ ما يبَعْدَ هذا التخريج أنَّه إستعمَلَ الفاء رابطة أو أنَّه تَرَكَ (إنْ) دون خبر أو أنَّه عَدَّ جملة الشَّرْط الطويلة كُلَّها خَبَراً، إنَّ هذِهِ الطَّريقة في بِناء الجُمَل أَمْرٌ لا يُتاحُ لأَيِّ شاعرٍ إلاّ للّذي يَمتَلِك لُغُة ثَرَّة وخيالاً خصباً ولولاها لَما إستطاعَ أنْ يُحافِظَ على مَتانةِ لُغَتِهِ وبناءِ عِبارتهِ الشِّعرية وزيادة على ذلِكَ فإنَّ الطَّاقةَ الإِنفعالية الهائلة لديه هِيَ الَّتي تَعكِسُ هذا اللون مِنْ البِناءِ المُعقّد.
    ويستثمرُ الشَّاعر هذِهِ الطّريقة في بناءِ المَقطَعِ التالي فيبدأُ بـ ” إِذا ” الَّتي يُكرِّرُها سَبْعُ مَرّاتٍ ولا يَذْكرُ الجّوابَ إلاّ بَعْدَ مساحةٍ قَوْلِيَّةٍ طَويلة فَتَمْتَدُّ بذلِكَ الجُمَلةُ وتَصْبح غايةً في التَّشابك ومِنْ جانب تُعَبّر عَنْ مَيْلِ الشَّاعر إلى شَحْنِ النَّصِّ بما يضطرمُ في نفسه مِنْ انفعال فيثير الشوق لدى القارىء الذي يبحث عن الجواب بلهفة فلا يصل إليهِ إلا بَعْدَ نفاد صَبْر.
    إِنَّ هذا النَّهْج في بناء الجُمَلة الشَّرْطِيَّة لدى الشَّاعر يُعَبِّر عن تَأَثُّر واضحٍ بأسلوب القرآن الكريم الَّذي يَعْمَدُ إلى تَكرار أداة الشَّرْط فتمتدُّ عَبْرَ جُمَلٍ شَرطِيَّة عديدة ولا يأتي جواب الشَّرْط إلا بَعْدَ امتداد الجُمَل الشَّرْطية في آيات عديدة، قال الله تعالى في سورة التَّكوير:
( إِذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذا النّجُومُ انْكَدَرَتْ. وَإِذا الجِبَالُ سُيِّرَتْ. وَإِذا العِشَارُ عُطِّلَتْ. وَإِذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ . وَإِذا البِحَارُ سُجِّرَتْ. وَإِذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ. وَإِذا المَوؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. وَإِذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ. وَإِذا السَّمَاءُ كُشِطَتْ. وَإِذا الجَحيمُ سُعِّرتْ. وَإِذا الجَنَّة أُزْلِفُتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ).
    فَجاءَ الشَّرْط في ثلاث عشرة آية وتَأَخَّرَ الجوابُ بَعْدَها ليكونَ جواباً صالحاً لأفعال الشَّرْط جميعها، إنّ هذا الأسلوب القرآني المعجز قد نَبَّهَ الجواهري لهذِهِ الطريقة في بناء جملته الشَّرْطية هذا البناء المُمتَدّ.
    وقال في قصيدة “فلسطين”( ) مُسْتَعْمِلاً “لولا” أداة شرط فَكَرَّرَها مَرَّةً واحدة وجاء جواب الشَّرْط في البيت العاشر:
حُماةَ الدار لولا سُمُّ غاوٍ
        أساغَ شَرابَه فَرْطُ التَّمادي

ولَوغٌ في دَمّ الخِلِّ المُصافي
        فقل ما شِئْتَ في الجَنِفِ المُعادي

ولبّاسٌ على خَتَلٍ وغَدْرٍ
        ثيابَ الواقفين على الحِيادِ

وخِبٌّ لا يُريكَ مَتى يُواتي
        فتأمنَ سِرَّه ومتى يُصادي

تطَلَّعُ إذ تَطَلّعُ في رَخِيٍّ
        وتَقرَعُ حين تَقرَعُ في جَماد

ولولا نازلون على هواه
        سُكارى في المحبة والودادِ!

نسُوا ـ إلاّ نُفُوسَهُمُ ـ وهاموا
        غراماً حيثُ هامَ بكلِّ وادِ

أجَرَّهُمُ على ذَهبٍ، فَجَرُّوا
        فلسْطيناً على شَوْكِ القَتادِ

وقادَ وهالَهُ كَبْشَ افتداءٍ
        صَنيعَ الهاربَيْنَ مِنَ التَّفادي

لَكُنْتُمْ طِبَّ عِلَّتِها وكانَتْ
        بِكُمْ تُحدى على يدِ خيرِ حادي

    وفي أسلوب القسم يلجأ الشَّاعر إلى التَّنْويع في المُقْسَمِ به( ) عَبْرَ مساحة قَوْلية كبيرة ثُمَّ يأتي جواب القَسم وَقَدْ جاشَت القصيدة بصور عِدَّة رسمها مِنْ خلال المُقْسَم به فقال في قصيدة “معروف الرصافي”( ):
أَقْسَمْتُ بالصَّالين دُو 
        نَ شُعُوبِهِمْ، حَرَّ الهَجيرِ

بمُساقِطين لها النَّدى
        ومُرمَّضين على الهجيرِ

بالقادة المتطَّلعـ
        نَ إلى السَّما مثلَ الصُّقُورِ

بالسَّادة المتُكَدِّحيـ
        نَ لخَيْرِها كَدْحَ الأَجيرِ

بالسَّابقينَ زمانَهُمْ
        أَعْيا وغَذُّوا في المَسيرِ

بالنُّورِ يَقْتَحِمُ النُّفو
        سَ مِن النَّظِيمِ أو  النَّثِيرِ

بالكفِّ توميءُ للطريـ
        قِ كأَنَّها يَنبوعُ نُورِ

بالظُّفْرِ مُدَّمِياً لِما
        نَحَتَ الحياةَ على الصُّخُور

بالرَّأْس مُشتعِلاً وَقَدْ
        ضَوّى به وَخْطُ القَتِيرِ

لولا شَذاتُكَ وهي عِلـ
ج        قٌ لا يعُوَّضُ بالنَّظِيرِ

وهواتِفٌ كَرُّ السِّنيِـ
        نَ يُجِدُّ مِنْها والشُّهُورِ

لعَجِبْتَ مِنْ هذا التَّشا
        كُلِ في حياتِكَ والمَصيرِ

ما كانَ أشبهَ نَعْـشَكَ الـ
        بالي بمُنْجَرِدِ السَّريرِ

إنَّ حِرْصَ الشَّاعر على التَّنويع في المُقْسَم به ثُمَّ الانتقال إلى الشَّرْط ليجتمع القَسَم والشَّرْط ثُمَّ يأتي جواب القسم في آخر بيتٍ في المقطع دليل على أَنَّه يَتَرَسَّم أُسْلُوب القرآن الكريم الذي ينَوُّع في المُقْسَم به ولا يأتي جوابُ القَسَمِ إلاّ بَعْدَ آيات عِدَّة مِنْ ذلِكَ قوله تعالى في سورة الشمس:
( وَالشَّمْسِ وَضُحاهَا. والْقَمَرِ إِذا تَلاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاّهَا. وَالَّليْلِ إِذا يَغْشَاها. وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. والأَرْضِ وَما طَحَاهَا. ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاها. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مِنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاها).
    وَيعَمَدُ الشَّاعر إلى مدّ الجُمَلة في أسلوب النِّداء( ) ولا سيّما في ندِاء الصِّفات حين يذكر المُنادى وينَوُّع في نداء صفاته ولايأتي تمام جملة النِّداءإلاّ بَعْدَ مساحةٍ قَوْلية كبيرة فيقول في قصيدة: ” أخي جعفر ” ( ):
أخي ” جعفراً ” يا رُواءَ الربيع
        إلى عَفِنٍ باردٍ يُسْلَمُ

ويا زهرةً مِنْ رِياض الخُلود
        تَغَوَّلَها عاصِفٌ مُرْزِمُ

ويا قَبَساً مِنْ لهيبِ الحياةِ
        خَبَا حِيْنَ شَبَّ له مَضْرَمُ

ويا طَلْعَةَ البِشْرِ إِذْ يَنْجَلِي
        ويا ضِحْكَة الفَجْر إِذْ يَبْسِمُ

لَثِمْتُ جِراحَكَ في ” فَتْحَةٍ ”
        هِيَ المُصْحَفُ الطُّهْرُ إِذْ يُلْثُمَّ

    فنَوَّعَ في المُنادى عَبْرَ تَعدُّدِ صفاتِهِ ويأتي جواب النِّداءفي البيت الخامس ويسترسل فيه مِنْ خلال استعمال العطف في سبعة أبيات أخرى.

    وتمتدُّ الجُمَلة عند الجواهري حين يفصل في أحد عناصر الإسناد فيها كالتَّفصيل في الخبر والمبتدأ ( ) أو في اسم (إنَّ) وخبرها ( )، فقال مُفَصِّلاً في الخَبَر المقدَّم ( ثُمَّ ) مِنْ خلال التنويع في الظُّروف ( تَحْتَ ) و ( حَيْثَ ) إلى أنْ يَصِلَ إلى المبتدأ المُؤخَّر ( عُشُّ ) وهو ضرب مِنَ الاعتراض المطول بَيْنَ عناصر الإسناد في الجُمَلة:
وثُمَّ غَرْبيُّ بَغْدادٍ ودجلتِها
        وتحتَ مِنْتَطَحِ الأَطْباقِ والحُجَرِ

وحَيْثُ ترتَفِعُ الأسوارُ مُطبِقةً
        على وجوهٍ صَفِيقاتٍ مِنْ الصَّعَر

عُشٌّ للاجِئَةٍ ضَمَّتْ جوانِحَها
        على ضَحايا لِمْا سَمَّوْهُ بالقَدَرِ

    ويميل الشَّاعر في ذلِكَ إلى تكوين تراكيب مُتَداخِلَة مِنْ خلال انتشار ظاهرة الاعتراض بَيْنَ عناصر الجُمَلة إلى الحَدِّ الذي يكون فيه الاعتراض مُطَوَّلاً مِمّا يسمح بِمَدِّ الجُمَلة عَبْرَ مساحة قَوْلية كبيرة فقال ( ):
وَلأَنْتُمُ إِنْ غَابَ نَجْمٌ يُقتدى 
        أَوْ حُمَّ خَطْبٌ حالِكٌ غِرْبيبُ

وتأزَّمَتْ كُرَبٌ وضاقَتْ خُطَّةٌ
        واستوحشَتْ طُرُقٌ لنا ودُرُوبُ

سُرُجٌ تُنيرُ الخابطينَ وأَنْجُمٌ
        نغدو على أضوائها ونَؤوبُ

    فجاء الاعتراض بَيْنَ المبتدأ ” لأنتم ” والخبر ” سُرُجٌ ” بجملة شرطية نَوُّع الشَّاعر فيها بجملة فعل الشَّرْط مِنْ خلال استعمال العطف وسيلة لذلِكَ وهذِهِ الجُمَلة هي:
        إِنْ غـابَ نَجْـمٌ يُقْتَــدى
        أَوْ حُمَّ خَطْبٌ حالِكُ غِرْبِيبٌ
        وَتَأزَّمَتْ كُرَبٌ
        وَضاقَتْ خُطَّةٌ
        واستَوْحَشَتْ طُرُقٌ لَنا وَدُروبُ
    إِنَّ التَّفصيل في فعلِ الشَّرْط يَهدِفُ بِهِ الشَّاعر إلى تقصّي أطراف الفكرة كلِّها ويخلُقٌ تَشَوُّقاً لدى المتَلقِّي لمعرفة تَتَّمة الجُمَلة فيأتي بالخبر ” سُرُج ” نكرة موصوفة بجملة فعلية ويضيف إليهِا خبراً آخر باستعمال العطف ” وأنجمٌ ” الذي يصفه بجملة فعلية أخرى، أَمّا جواب الشَّرْط في هذا التَّركيب فمحذوف على رأي النحاة لأَنَّه اكتنفه ما يدلُّ عليه والشَّاعر يدرك تماماً هذِهِ الميزة لتتيح له مجال نقل الصُّوَرة كاملة إلى المتَلقِّي وكأَنَّه يرسِمُها رَسْماً فوتوغرافياً.
    ويخلق الشَّاعر اعتراضاً مُطَّولاً آخر بَيْنَ اسم ” إِنَّ ” وخبرها فتمتد الجُمَلة عَبْرَ مساحة قَوْلِيّة كبيرة فقال في قصيدة ” ﭙاريس ” ( ):
تَعالَيْتَ ” ﭙاريسُ ” إِنَّ السِّنينْ

بما تَعْلَمِين وما تَجْهَلينْ

وما تَستَلِذّينَ إِذْ تحلُمينْ

بوَقْعِ الشَّكاةِ ورَجْعِ الأنينْ

ونَثْرِ الزُّهورِ على الفاتِحِينْ

وثَلِّ العروشِ وضَرْبِ الوَتِينْ

وما سَنَّ ” روسو ” و ” لا مارَتينْ ”

    أناخَتْ طويلاً على عاتِقَيْكِِ

    وألقتْْ بريقاً على ناظِرَيْكِ

    وهَدْهَدتِ المَوْجَ مِنْ ناهِدَيْكِ

    وبرغم طول هذا الاعتراض يَضِجُّ النَّصِّ بالموسيقى الَّتي تتشكَّلُ عَبْرَ تَكرار صيغة المُضارِع المُسْنَد إلى ياء المخاطبة: تعلمين وتجهلين وتستلذين وتحلمين يضاف إلى ذلِكَ وحدة القافية الَّتي توافق تلك الأفعال في النهايات ( ين ) وتوافق صيغة قَوْلية عمودياً في :
        وَقْعُ الشُّكاة
        نَثْر الزهور
        ثَلِّ العروش
    وأفقياًَ في ” وقع ورجع ” و ” ثلّ وضرب ” .
    إِنَّ الموسيقى تجعل المُتَلقِّي لا يشعرُ بالملل في أَثْناء طريقهِ إلى خَبَر ” إنّ ” في الأشطار اللاحقّة الَّتي يعشبها الشَّاعر بموسيقى جديدة مِنْ خلال تساوي مفردات القافية صَرْفِيّاً في:
        عاتِقْيكِ        
        ناظِرَيْكِ
        ناهِدَيْك    
    والتَّماثل النَّحْوِي العمودي بَيْنَ:
        أَناخَتْ طويلاً
        وأَلْقَتْ بريقاً
    إَنَّ هذا النَّوع مِنْ البناء يجعل الشَّاعر يستوفي عناصر الصُّوَرة مِنْ خلال الاحاطة بالفكرة مِنْ جوانبها كُلِّها عَبْرَ التفصيل في عناصر الجُمَلة فَيُسْهِبُ في الاعتراض الذي يُخَفِّفُ وطأته إِمّا الموسيقى أو الصُّوَر الَّتي يَبثُّها في جَسَد القصيدة.
    وقال في القصيدة نفسها مُفَصِّلاً في اسم ” إِنَّ ” عَبْرَ اعتراض طويل بَيْنَه وبَيْنَ الخبر:
تعلمتِ ” ﭙاريس ” أَنَّ الضَّجَرْ 

إِذا لَمْ يُدَفْ بِلَذيذ السَّمَرْ

ولحنِ الكُؤوسِ وسَجْعِ الوَترْ
ج
    وما لم تَغَصَّ بحُلْوِ اللَّمى 

    شفاهٌ تعودُ لِتَشْكو الظَّما

    وما لم يَجِدْ مِعْصَمٌ مِعصَما

    له في حِمىً مُستباحٍ حِمى

    أماتَ الضَّمير ولاث الدِّما

    فالمساحة القَوْلِيَّة الكبيرة بَيْنَ اسم ” إِنَّ ” وخبرها الَّتي كَوَنَّها الشَّاعر باستعمال الشَّرْط والعَطْف خَلَقَتْ نَوُّعاً مِنْ التَّشويق لدى المُتَلقِّي وتفسحُ للشَّاعر أَنْ يَصِفَ هذِهِ المدينة وَصْفاً سِحرِّياً مُبْهِراً.
    وينسج اعتراضاً آخر بَيْنَ الفِعْل ” يرى ” وبَيْنَ معموليه عَبْرَ التفصيل في صِلَة الموصول فقال ( ):
سَيَرى الَّذين تدَثََّروا
        وتَزَمّلوا وتَجَلْبَبُوا

وتَحدَّثوا نَزْراً كمَعْزاةٍ بِجَدْبٍ تُحلَبُ
وتناذَروا هَمْساً كما 
        ناغَى ” جُنَيْدِبَ ” جُنْدُبُ

خُطُواتُهُمْ وشِفاهُهُمْ
        ورُؤوسُهُمْ تَتَرتّبُ

نَسَقاً كما الآجُرُّ صَفَّفَّهُ صَناعُ مُدَرَّبُ
إِنَّ الحَياةَ سَرِيْعَةٌ 
        وجَرِيئةٌ لا تُغْلَبُ

    فجاءت جملة إِنَّ واسمها وخبرها لتسدَّ مسدَّ مفْعُولي الفِعْل ” يرى “.
    إِنَّ مَدَّ الجُمَلة عَبْرَ الاعتراض لا يقتصر على هذِهِ الشواهد فحَسْب لكِنَّه يَتَحَقَقُّ مِنْ خلال أَشكالٍ قَوْلِيّة أُخرى يتزاحَمُ فيها الإستفهام والنِّداءوالأَمْر في عِدَّة أَبْياتٍ مُتَعاقِبةَ.
      ويقع الاعتراض في أحيان أخرى لكِنَّه لا يمتُّد إلى مساحة قَوْلية كبيرة كما في قوله ( ):
أم سَوْفَ يَنْدىَ مِنَ التَّاريخِ زَوَّرَهُ 
        ما شاَءَ وَغْدٌ جَبِيْنٌ بَلَّهُ العَرَقُ

    فيتجاوز في عجز البيت فاعلان لفعلين وردا في صدر البيت، أو يتحقّق الاعتراض بَيْنَ اسم إِنَّ ويأتي خبرها في البيت التالي فقال ( ):
إِنَّ الجبَينَ الَّذي ضَوّى جوانِبَهُ 
        مِنْ جَعْدِ شَعرِك ما قد زَرّدَ الحَلَقُ

مَشَتْ عَلَيْه تَجاعِيْدٌ يُضارِبُها
        عَبْرَ الغيومِ صَباحٌ مُشْرِقٌ أَلِقُ

    وَيَسْهَلُ الاعتراض على الشَّاعر مَهَمَّةَ الوُصول إلى القافية فيكثرُ مِنْه في العديد مِنْ قصائده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *