عبد الهادي والي : في قصة (وتبقي قطام) – استرجاع الدلالة وتوظيفها

في قصة (وتبقي قطام) – استرجاع الدلالة وتوظيفها

عبد الهادي والي
ناقد

يظل المعني غاية الآداب و الفنون ، في كل مكان و زمان ، و ما الشكل إلا وسيلة توصيل ، قد تنقطع أحياناً فيعيش المتلقي غربة النص ، و انفصاله ليدور في فلك لعبة شكلية خالصة ، تفتقر إلي الرؤي و المضمون الذي من خلاله تكتمل رسالة الكلمة وفقاً للمقولة : (( الكلمة رسالة فلنحسن إرسالها كي لا تشتط عن المعني )) . و بدوافع فنية أخري للتمويه ، و إغراق النص بما يتعدي حدوده من الغموض المقبول ، للهروب من قبضة الرقيب ، تعدت الأساليب و التقنيات الكتابية فبالغ بعضهم لدرجة حجب النص بطرق مسدودة لا تفضي إلي شيء ، و هنالك بعض الأساليب التي اعتمدت التورية و استخدام الرموز و الدلالات التأريخية و الاجتماعية و السياسية ، لتنويع النص و إثرائه بالمعاني المتعددة التي تقود في النهاية إلي الغاية التي يستشفها المتلقي ليحقق النص حضوره و تأثيراته المطلوبة ، و بغض النظر عن حداثة النص أو قدمه فإن تأثيراته و معيار جودته لا تعترف بفيزياوية الزمن . إن التطور في الأساليب و التقنيات مطلوب ، و لكن ليس علي حساب الهوية و قضية الصراع الإنساني ، في حياة مليئة بالمحبطات و الظروف القاهرة ، التي تستدعي من الأديب و الفنان أن يشمر عن ساعديه ، و يشحذ ذهنه بما يحدث التوازن و التوافق ، في حياة إنسانية أقل شقاءً و مكابدة ، و يسهم بدلوه ، و لا يكون متفرجاً بطراً ، فرسالة الفنان الحقيقية ، في كثير من الحالات تتفوق علي رسالة السياسي ، إن لم تكن مرادفة لها . و ليس الأمر مطالبة بالعودة إلي تلك الأساليب المباشرة التي تستنسخ الواقع كما هو ، دون أن تضيف إليه لمساتٍ من روح العصر ، و روح الفنان و أحاسيسه ، و لكنها دعوة إلي واقعية جديدة ، متطورة ، تكون مزيجاً من فنٍ راقٍ ، و أخيلةٍ و معانٍ ترفد الحياة بما يعزز كينونة الإنسان و حياته المهددة ، بضروب التطرف المختلفة و الفوضي و الأطماع البشرية التي ليس لها حدود . إنها دعوة لانتشال النص من غربته الطويلة ، التي غيبته عن المتلقي ، و جعلته يسبح في سديمٍ عبثي لا جذور له في الواقع الذي نعيشه و نتخيله . في جريدة الزمان 24 / آيار نشر القاص علي السباعي قصة بعنوان : (( و تبقي قطام )) امتازت بأسلوب شعري ، و لغة غنية استفادت كثيراً من المنجز القصصي الناضج ، بما يحتويه من مجاز و تورية ، في تعميق محتواها الذي يلامس الواقع بحرارة ، ليكشف عن تجربة حية ، ترتفع بالأثر الفني إلي الغاية المنشودة ، في تعميق وعي المتلقي ، و في استجلاء المعايير الجمالية و الفنية ، في أسلوبٍ أعتمد المزاوجة بين المقاطع المتنوعة ، لربط الواقعة التأريخية ، بما يماثلها في الحاضر ، و قد أعانته في ذلك لغة سلسة تحتشد بالمعاني و الرموز ، و قد أسبغ عليها القاص من خياله الخصب غلالاتٍ شفافة ، موحية من النثر المكتنز بالصور البلاغية التي أغنت المضمون ، و اقتربت بالقصة من حافة تحقق النضج و الاكتمال . تعالج القصة موضوعة (( قطام )) و ما فعلته عبر تأريخٍ غابر ، يعج بالفتن و الدسائس ، حين صبغت جبين الشمس بالدماء و أسدلت علي وجه الفجر ظلالها القاتمة السود، فها هي تعود ثانية يملأ صدرها الحنق و البغضاء لتطل علي الآخرين بوجهها المسخ الذي لطخته الكراهية ، تدعو بوقاحةٍ لا مثيل لها بوأد جميع الذكور ، تتسلل إليهم هذه المرة في الساحات و الأسواق العامة و المطاعم ، لتنشر عقـــــيدتها الجديدة الملغمة . ها هي تطل بقامتها المديدة و سحرها الشيطاني لغواية أشباه الرجال ، ناقصي العقول الذين يتعقبون خطاها و ينصاعون لأمرها ، يستفزها وقت الصلاة في المسجد ، عند ظهيرة ذلك اليوم السابع عشر من رمضان ، لتدفع بألعوبتها لاقتلاع ظل تلك الشجرة الخالدة الوارفة ، مسعورة تحرض النسوة و هن يصلين في مسجد المدينة ، و تدعوهن للثأر و الانتقام ، و كأن تلك الواقعة القديمة لم تشفِ غليلها من ذلك الحقد الذي اشتعل كالحريق ليلتهم جسد علي بن أبي طالب . و عبر حواريات مكثفة تتناسل تلك الحوارية العمياء ، و رغبة الانتقام يمتد حريقها إلي عصرنا الحاضر ، يوظفها القاص بطريقة مبتكرة ناجحة ، ليعكس لنا صورة ذلك التأريخ المتماثل في وقائعه المتكررة ، و ليعكس طبيعة متحجرة لا تغيرها ثقافة العصور المتعاقبة .
لقد حققت القصة هدفها من توصيل فكرتها و هي تدين أخلاقيات الوأد الجديد ، و القتل العشوائي الذي يفجره الجهل و التحجر بأسلوبٍ أدبي ممتع و بلغة ٍ ذكية أكسبت القصة متانة و قدرة علي الإقناع . (( در أيها الناعور در ، أرادت عكس دوران ناعورها بالوأد ، كون كل الأشياء في الطبيعة تدور عكس عقرب الساعة ( البيضة المخصبة ، الذرة ، المجرة ، الشمس ، القمر ، الأرض ، الطواف حول الكعبة ) إلا قطام أدارت ناعورها مع عقاربها . قالت : – خذوا حصتكم من الوأد / قال : – كل شخص مستعد أن يظلمك ، كل شخص مصغر عن قطام . رأت قطام ارتجاف طرفي شاربه .
قال : – ما أنا إلا خروف يخاف الخروج عن القطيع / هدرت ضاحكة و هي تشير بسبابتها ناحية صدرها : – ما قطام إلا جب الخيانة ، لقد أنفقتُ التأريخ و بداخلي يتقاتل غولان : حقدي و كراهيتي )) . لقد استطاع القاص علي السباعي أن يلامس الجرح ببراعة موظفاً تلك الواقعة التي قادتها قطام و أمثالها من القطاميات العصريات لإلحاق الضرر بمسيرة الإنسان و صحوته الحضارية ، و تعطيل كفاحه ، و نشر العراقيل أمام عجلة تقدمه نحو غدٍ إنساني أقل دموية ، لكن قطام لم تكن سوي لطخة سوداء في صفحة الأيام المجيدة التي تسترجعها البشرية لتأخذ منها دروساً لن تنسي ، و إن هذه اللطخة السوداء لن تدوم فهي تزول خاسئة تعقبها لطخات أخري مماثلة ، و لن يرسخ في هذه الأرض إلا الشجر المثمر الذي يأكل منه الناس ، لقد تركت القصة أثرها الواضح لدي المتلقي / الناقد لتقترب بذلك من تلك الواقعية الجديدة المنشودة في كتابة القصة الحديثة ، واثقين من قدرة القاص علي السباعي في الإتيان بنماذج أخري تحمل بصماته المميزة في كتابة هذا اللون من القص ، الذي يحتشدُ بالموروث التأريخي و الشعبي ، فضلاً عن استفادته من أسلوب التقطيع و اللقطة السينمائية التي ترتد عبر الماضي و الحاضر .

جريدة (الزمان) الدولية – العدد 2170 في 25/7/2005

شاهد أيضاً

الصراع في رحلة البرزخ
مادونا عسكر/ لبنان

تتوجّه هذه القراءة نحو قصيدة “البرزخ” للشّاعر الفلسطينيّ كميل أبو حنيش، متّخذة من “البرزخ” والبرزخيّة …

د. وليد العرفي: تقنيَّات أسلوبيَّة في الومضة الشَّعريَّة

يُحاول الشاعر: شوقي مسلماني أن يُقدّم الشعر في إطار فلسفي يُوجّه سمت بوصلته إلى العقل …

الحركتان الخارجية والداخلية في قصة “صعلوك” لنازك ضمرة د. أفنان القاسم

التحليل سيقارب نقدي المنقود ليس تبعًا لما تقترحه المعاني التي تمتلئ به، لسبب بسيط ألا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *