التشبث بالأرض وإنْ جارَت على أبنائها.. الفكرة الأبرز في رواية (في محطة أمستردام) لقصي صبحي القيسي
بقلم : سيف صباح الحسيني

saif alhusainyالتشبث بالأرض وإنْ جارَت على أبنائها.. الفكرة الأبرز في رواية (في محطة أمستردام) لقصي صبحي القيسي
بقلم : سيف صباح الحسيني

قد يبدو خيار الهجرة حلاً منطقياً أمام من يجد نفسه يقطن في بلد يكابد أزماتٍ أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وصحية وتربوية…. الخ، سيما إذا كان يؤمن بما ذهب إليه الشنفرى في قوله :
وفي الأرضِ مَنْأَى للكريمِ عن الأذى = وفيها لمنْ خافَ القِلَى مُتَحَوَّلُ
لكن هذا الخيار الذي قد يستسهله البعض قد لايبدو سهلاً لمن اشتد تعلقهم بأوطانهم الى درجة جعلتهم يؤمنون بأن كينونتهم مستمدة من كينونة أوطانهم، فإذا انسلخوا عن أرضهم تجردوا من أرواحهم لا من هوياتهم فقط!
وبقدر ما يتعلق الأمر بالعراق الذي مرَّ شعبه بمحن وشدائد عظمى على امتداد عقود من الزمن، نجد أبناءه اختلفوا بين مَن وضع مصيره على كفِّ الاغتراب، ومَن تشبّث بالأرض التي سجّلتْ أفراحه وأتراحه..
في رواية (في محطة أمسترام) للكاتب قصي صبحي القيسي، نجد أنفسنا أمام تجارب إنسانية تتباين في مواقفها إزاء الاغتراب أو المكوث في وطن ذي أحوالٍ تتقلب تقلُّبَ الطقس الإستوائي، بين حرب وسلم، حصار اقتصادي ورفاهية، احتلال واستعادة للسيادة، أمن وانفلات، حكومات تأتي واخرى تذهب، تناقضات عديدة تقدم لك بمجملها صورة لعدم الاستقرار .
في هولندا، يصعب على بطل الرواية (ثائر) أن يفهم كيف استطاعت عائلة عراقية أن تقطع جذورها لأكثر من عشرين عاماً وتغادر وطنها بلا أية نية في العودة إليه، يقول (أنا الآن اُجالسُ أناساً انتحروا في نظري باقتلاعهم جذورهم والمضي بعيداً عن تربتهم، تلك الخطوة برأيي كانت ومازالت انتحاراً مريعاً، فالاغتراب بالنسبة لي موت، والتشبث بالأرض هو الحياة، مهما كانت الأرض قاسية، كيف تجرأوا وأقدموا على الهجرة؟! كيف تقبّلوا فكرة العيش في مكان بعيد عن وطنهم والمكوث فيه حتى مماتهم؟! كيف سيسمحون لأرضٍ غريبة باحتضان أجسادهم بعد الموت الى أبد الآبدين؟!) .
ربما لم يبالغ الكاتب في وصفه لاقتلاع الجذور بأنه انتحار، فعلى الأقل، عندما يصل الإنسان الى مرحلة الشيخوخة في منفاه الإختياري سيدرك بعد عمرٍ من الاغتراب بأنه انتحر منذ اقتلاعه جذوره من الأرض التي نبتَ فيها، إذ ليس من السهل على المرء أن يستبدل وطنه بآخر، تاركاً وراءه أرشيفاً من الذكريات التي تجمعه بأهله ورفاقه وجيرانه وزملاء الدراسة والعمل.. ثم كيف يموت ويُدفن في أرضٍ لاينتمي لها؟! ومن عساه يزور قبراً يثوي فيه إنسان غريب؟ وفي صورة تجسد خصوصية الهوية العراقية والبغدادية على وجه التحديد، يقول (هل من السهل أن نقتلع جذورنا ونحاول العيش في المنفى لما تبقى من حياتنا؟ هل من السهلِ عليَّ أن لا أجتاز جسر الجادرية وأتمشى في الكرّادة مرة اخرى في حياتي؟ هل بمقدوري أن أواصل حياتي بدون الأعظمية والكاظمية؟) ، وهذا هو الشعور باليُتم، ومن غير المنطقي – من وجهة نظر الكاتب – أن يختار الإنسان بملئ إرادته أن يعيش بقية عمره يتيماً .
وقد يستيقظ شوق المغترب الى أوطانه لدى سماعه لحناً أو أغنية تبعث فيه روح الانتماء الى أرضه الأم، وهذا ما حصل لدى سماع الشابة المغتربة (منى) مقطعاً من أغنية لفيروز، يقول الكاتب على لسان بطل الرواية (انتبهتُ الى ملامح منى وهي تغني مع فيروز المقطع الذي تقول فيه “فزعانة يا قلبي.. أكبر في هالغربة.. وما تعرفني بلادي.. خذني على بلادي..” كانت تترنم به بانفعال وتأثر شديدين، حقاً إن بلادها لاتعرفها الآن، قد تبدو منى شابة سطحية التفكير ضربت الدنيا عرض الحائط بعد خروجها من تجربة زواج فاشلة جعلتها مسؤولة عن طفلين، لكنها في النهاية إنسانة تنتمي الى وطن، هجرتْهُ في طفولتها مع أمها وشقيقيها دون إرادتها، وكبرت لتجد نفسها تعيش على أرض لاتنتمي لها، ليست لها أية ذكريات فيها، ما أقسى الحياة عندما تُرغمنا على الانسلاخ عن بيئتنا وترمي بنا في بيئة لانعرفها ولا تعرفنا !) .
ثمة نموذج آخر، أو تجربة اخرى يضعها الكاتب أمامنا وينقل لنا من خلالها صورة لتشبث الإنسان بوطنه وهويته في حلّه وترحاله، فالمغاربة المهاجرون الى أوربا لم يتقبلوا فكرة التجرد عن هويتهم وثقافتهم وعاداتهم التي نقلوها معهم الى المهجر، يقول الكاتب (المغاربة هنا – أي في هولندا – يعشقون سماع أي حديث يذكرهم بوطنهم، سواء كان عن موسيقى الراي أو الأكلات الشعبية المغربية، فالمغربي لو عاش ألف سنة في المهجر ستبقى كل قطرة في دمائه مغربية، بل حتى المغاربة اليهود في إسرائيل يقال أنهم يعلقون على جدران بيوتهم صور ملك المغرب وأعلام بلدهم الأم رغم كونهم يهوداً، الهوية المغربية مميزة وتفرض وجودها في كل أنحاء العالم…).
اليوم، بينما تشهد مجتمعاتنا العربية موجة هجرة غير مسبوقة الى دول أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا وغيرها، يسخر الكثيرون – وللأسف – من الحديث عن التمسك بأوطان لم توفر حكوماتها العيش الكريم والأمن لشعوبها، بل بات البعض يتندرون ويستهزئون بقول الشاعر :
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ = وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ
وهذه التوجهات تجانب الصواب، فالشعور بالإحباط يجب أن لايجعل من الهجرة الخيار الوحيد، فلو هاجر الجميع من سيبقى ليغير ما يمكن تغييره للأفضل؟
سيف صباح الحسيني

شاهد أيضاً

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

مريم لطفي: الهايكو فن التامل

“لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز،وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق”..برتراند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *