عبد الغفار علي العطوي: المتخيّل السردي (ملف/17)

إشارة :
طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي عبر فهم عميق لسرّ الحداثة المنبثقة من عمق التراب العراقي (تراب البصرة تحديداً). يذكرنا جهد جابر أو مشروعه بما قاله الراحل الكبير “عبد الرحمن منيف” في رسالة إلى المبدع “شاكر خصباك”: “النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة”. واعتزازا بتجربة جابر السردية المتفرّدة تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

المتخيّل السردي في مجموعة “طريدون” لجابر خليفة جابر
عبد الغفار علي العطوي

تنشئ طريدون وهي عبارة عن كتاب قصصي للقاص جابر خليفة جابر عالماً متخيلاً حول طرق البحث عن الحقيقة طالما انها لم تضع لهذه الحقيقة تصوراً عاماً لها عند الآخرين.
فللوهلة الأولى نلمس رغبة المؤلف في تأكيد ان (طريدون) هي ليست عين الحقيقة، ومن الممكن دحض أية تصورات مسبقة عن ملامحها أو امكانية وجودها اصلاً في هذا العالم مع علمنا بان (طريدون) هي كل ما يمت للبحر والبحارة من صلة وان خفيت على الناظرين، هي من زاوية واسعة حقيقة (الشيء) الذي يجري في اليم، لقد بنى المؤلف كتابه القصصي في جزئيه على رؤيتين تتمخضان عن تصور عام ينم بصورة (طريدون المبعثرة في البحر).
وتجيئ هاتان الرؤيتان عبر تنوع الصلات بحقيقة (طريدون) وما جرى لها وفق لغة سردية سلسة بشهادة جميع من تعرف على طريدون بجميع اوضاعها: غريقة، عائمة، طافية، راسية، مبحرة، راكدة … الخ، فثمة مشاهد تختلف عن الآخرى لكنها تعيد التفاصيل للحادثة المروعة لـ(طريدون) وما تبقى من متطلبات وجودها كاملة حتى اننا ندقق في ما قاله (كارستن نيبور) من كلمات واضحة في بداية مفتتح (طريدون). انهم يعيشون جميعاً، على نمط واحد يتعشقون الحرية إلى درجة قصوى، شأنهم شأن اخوانهم في البادية يصطادون اللؤلؤ ولا يأكلون سوى التمر والسمك ويطعمون ماشيتهم بدورها سمكاً، اما مساكنهم فمتواضعة تراهم عند اقتراب العدو يلجأون إلى متون مراكبهم ويختبئون في الخليج .
لكي نعرف ما تعني (طريدون)بالنسبة لكل الذين عاشوا صفحات مأساتها ومارسوا عن قرب أو بعد تجارب التعرف على جزء من المأساة، فلعل الكابتن شهاب البحر أو احد البحارة أو طباخ الباخرة أو اخيراً الرسام … واحد من هؤلاء يروي لنا هذه التجربة، انهم جميعاً من خاضوا غمار تجربة معاينة طريدون في شتى اوضاعها الساكنة أو المتحركة الحية أو الميتة وتصرفوا بانضباط عال.
يقول الكابتن شهاب البحر: رأيت اللوحة على الورقة الأولى من سجل الباخرة، كانت تخطيطات بالحبر الملون يتغير شكلي فيها وموقعي مع تغير زوايا النظر وتحرك مساقط الظلال … الخ، هذا الكلام للكابتن يكشف صدق كلمات نيبور في ان الهوس يصيب كل من تقع عينه على اثر من آثار (طريدون)، انظر الطباخ مثلاً في مخيله السردي كيف يعالج لحظة انبهاره بـ(طريدون) حيث يقول: (بدت طريدون وكأنها تتخلق من النار، وشيئاً فشيئاً احتلت الحيز كله وازاحت الصاج) .
مع ان (طريدون) ليست حقيقة ظاهرة ابداً بل عالم غارق في البحر فان ما يراه الطباخ هو شرخ في الواقع السردي لـ(طريدون) لا يحدده الزمن لهذا يدرك المؤلف في (المسلة والمنظار) ذلك العنوان الجانبي الذي يفتتح به المشهد السردي لـ(طريدون) ويقتل به الحقيقة الخافية لها حينما يقول في البداية عن مسألة السفينة الغارقة التي اكتشفها سردياً: طريدون مذ قامت اشرعتها معها وكلما زحفت مسافة كانت تتخذ من انسحابات البحر ارضاً جديدة ويقول في الثاني عندما بانت (طريدون) مجرد لوحة بالية تمسك بالحياة الندية الساكنة (عند حواشي المرأة) تجزأت طريدون صوراً متفرقات) ، ومع ذلك الاحساس المروع بذهاب حلم (طريدون) الا ان الرسام يعجل بزيادة برهافة الاطلاع على خفايا عجيبة لهذه الباخرة تظهر لجميع بحارتها الميتين حينما يبعثون احياء في لوحة الرسام، ويزيد من روعة هذا المنظر كيفية صناعة طريدون من المتخيل حيث (اراها – هذا ما يقوله الرسام- امامي تتخلق على الحائط وانا جالس بشكل مجسمات لا اول لها ولا منتهى، منها نضحت طريدون باخرتي) ، ولنعد من جديد بعد هذا كله الا ان (طريدون) سيرة ذاتية للمؤلف مع واقعه المنتظر بدلائل افتتاحياته الشعرية لجملة من الشعراء مثل كريم جخيور، حيدر الكعبي، عادل مردان … الخ، وانشغاله بحكاية صديقه صانع الفخار وموته المروع الذي يدين سلطة غاشمة وتأكيداته غير المنقطعة عن ان (طريدون) لم تعد تمتلك روح الهزيمة.
يقول طباخ الباخرة: مشاعل دواره اضاءت المكان وايقظتني … لاهثاً قفزت، وكانت الحرائق تطاردني … دخاناً ثخيناً، كلما رأيت بعد دخاناً اسود خانقاً . واذا ما عدنا مرة اخرى لحكاية صانع الفخار وما ترشح عن هذه الحكاية من مكابدات للمؤلف الدور الواضح في تجسيدها، استطعنا ان نفهم لماذا يؤكد المؤلف المتخيل السردي في سبر غور حكاية (طريدون) حيث يقول بصدد حكاية صانع الفخار ما يلي :
– لا شيء لا شيء
– لا شيء كيف ؟ ما بك ؟
– آه … صاحبي صانع الفخاريات …
– ما به.
– قضى في المستشفى، اعدموه، دمه لم يزل على جدار العيادة الخارجية واخته تركتها هناك تدق على الجدار وتنتظر ….
لعل المؤلف هنا كان يتوقع ان يجد صدى لمكابداته على صديقه الفخراني بالنسبة نفسها ازاء طريدون، لعل طريدون لوحة عارمة لخياله اللافح الذي يجسد عظم ماساته الحياتية، وراح يتخيل ماجرى على متن طريدون كانما يجري على الفخراني المحق نفسه والضياع نفسه .
مرة سأل متى تبحر طريدون …؟ جاءه الصدى :
– ان شاء ستبحر طريدون .
والحقيقة انها لم تكن قد ابحرت منذ زمن طويل الا ان الرسام كان يحفز فينا رؤيتها كل مرة يرسم فيها لوحتها حيث يقول : والا لما انبعثت لوحتي كالعنقاء من نارها كما انبعثت بكل هذا لوحتي في عرض قصتك، قصة طريدون على الجميع .؟
ويبقى المؤلف بعد ان انهى رسم (طريدون) عبر سلسلة طويلة من العروض على قناعة تامة يريد ان يصدرها الينا بضاعة، بامكاننا احياء (طريدون)وفق رسم ملامحها على طريقة الاركيولوجيين اي القيام بعمليات الحفر (هنا الرسم المموه على الصاج او المرآة بالاحبار المزعومة كافة )، ومع محاولاته العديدة لوصف ذلك الرسم البياني الذي تتصاعد اليه ملامح الباخرة او تتسائل عنه والقناعة التي تدفع المؤلف باتجاه ذلك، نضع نحن اصبعنا على البيانات التالية بخصوص الرد على تلك القناعة وكالتالي :
اولا : لم تكن الباخرة (طريدون) ذات يوم سوى فكرة خطرت في ذهن المؤلف وصاغها بعبارات منمقة بغية القول باغتراب الانسان عن وجوده وان هذا الاغتراب اشكالي لا يحل بؤر انشداداته غير المنتظرة من قابل الايام .
انظر لقطعة (حيدر الكعبي) الشعرية ومدى انسجامها مع ما اقصد اذ ليس المهدي الذي خاله الكعبي ورسمه الرسام سوى ذلك المخلص الجبار الذي ينتشل الانسان وطريدون من قاع الفاقة والضياع ويوحد آمال وطموحات الافراد للنجاة من غرق اكيد .
ثانيا : يستعير المؤلف وهو هنا ليس المحرك الاول للسرد انما يعاني برما ونفورا منه حتى لايتسنى له المواربة اصلا في اقحام حكاية صانع الفخار في جوهر البحث عن خبايا طريدون .
يستعير فكرة الشهادة من باب ادلجة الواقع السردي اسوة بالواقع الخارجي مما يعطي انطباعا صارما بانه لا فرق بين الواقع والمتخيل وهذا مجاف للحقيقة .
ثالثا : تعتبر طريدون كتابا قصصيا كما هو في العنوان وليست تعقيبا لاثر او متابعة لخيوط حكاية عفا عليها الزمان او طويت صفحاتها، وهي على هذا الاساس تظل رهينة القراءات المختلفة للمؤلف اولا، ما كان سيقوله لو كانت الظروف آنذاك تسمح له بالتعبير عن صدق النوايا وحقيقة المشاعر الا ان طريدون الكتاب القصصي قد وقع تحت تاثير قرارت اخرى للمؤلف تهربا من حقيقة واضحة هي مأساة الانسان حينما يقع فريسة الضياع .
هوامش :
طريدون كتاب قصصي تأليف جابر خليفة جابر الناشر (جيم) 2006م البصرة
2طريدون ص 5.
3طريدون ص 30
4طريدون ص 74.
5 طريدون ص 23.
6طريدون ص 89.
7طريدون ص 99.
8طريدون ص 87-88.
9طريدون ص 67.
10طريدون ص 101.
11طريدون ص 94.

شاهد أيضاً

ألق يتجدد طيفا من بغداد الى كتارا…
(رحال) مفردة غناها القيصر وصاغت ناصرة العراق دوامتها (ملف/5)

حوار – احمد الحاج ناصرة السعدون ، نجمة متلألئة في سماء الإبداع العراقي أبت ومنذ …

نجاح الجبيلي: ثلاث أقاصيص (ملف/42)

إشارة: جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل …

سعد جاسم: تجليات الحب ومدارات التأويل
سمر محفوض* (ملف/26)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *