عبد الهادي والي : زليخات يوسف.. لعلي السباعي الشخصيات بين طرائق القص وتنويعات الأسلوب

زليخات يوسف.. لعلي السباعي
الشخصيات بين طرائق القص وتنويعات الأسلوب

عبد الهادي والي
ناقد
القصة القصيرة هذا الفن الساحر الجميل، بتأثيراته العميقة في الوجدان، الذي اغرقته التجريبية الفجة بقيعان من العتمة والشكلانية اسيرة التقليد الاعمي من خلال اجترار اليات تفرض سطوتها عن طريق الاستلاب والانبهار اللامحدود، بثقافة الغير والانجرار غير المبصر لتقليد اساليب وافدة لم يتم تمحيصها وتدقيقها مما خلف جيلا اديبا لاهثا، يحاكي ما يختطه الاخرون من اساليب برغم عدم ايمان الكثيرين بجدوي ما يكتبون من قصص تفتقد تماما لكل اشتراطات القصة من سرد شفاف مشوق، ومن حدث تتمحور حوله الجزئيات والتفاصيل الصغيرة المبثوثة بين ثنيات السرد. ولم يقتصر الامر علي القصة فقط، وانما انتقلت عدوي الابهام والغموض المفتعل، والتعقيدات غير المسوغة الي النقد الذي اصبح بدوره يرطن بلغة غريبة ويدور في حلقات مفرغة من الشروح وعمليات الاحصاء الثقيلة، بدعاوي عملية النقد وتطوره، لنخرج بحصيلة مبهمة من عدم الفهم، مستذكرين تلك النقود الرصينة التي ترتكز علي اساسيات تقود المتلقي الي اشباع ذائقتة، من دروس الجمال في الفن وتقريب النص واضاءته ورصد جوانبه وامتداداته الاجتماعية والتأريخية والنفسية وتعميق الاحساس وتنوير الذهن ليخرج المتلقي وقد استوعب درسا يضيفه الي رصيده في مجالات المعرفة المتنوعة بدلا من اختزانه الارقام جامدة وخربشات رسوم واسهم عمياء تقود الي متاهة يقف الاديب امامها حائرا عاجزا عن فك طلاسمها والغازها المحيرة، فما بالك بالمتلقي العادي الذي يصطدم بحاجز الانغلاق وعدم الفهم، ويقول الناقد هـ كومنز (ان الكاتب الذي يملأ صفحاته بالافكار العويصة لكن لايستطيع ان يكون مؤثرا في قرائه بصفته كاتبا يمكن ان يكون مفكرا ساذجا!).. ان عملية التثقيف والمثاقفة تحتاج دوما الي التدرج النوعي بالذائقة، وبالوعي لنصل الي الغايات التي ننشدها منبثقين من اصولنا وثقافتنا وخصوصيتنا المتجذرة في الارض. ان القفز فوق الواقع لاينتج الا ادبا مسخا مشوها يفتقد الهوية التي هي عنوان ادب الامم وعلامة مميزة لحضارتها وتنوعها.
عن دار الشؤون الثقافية العامة/ 2005 صدرت للقاص علي السباعي مجموعته القصصية الموسومة: (زليخات يوسف) تضم قصصا هي علي التوالي: مريم البلقاء/ مومياء البهلول/ وساخات آدم/ وتبقي قطام/ الجذر التربيعي للقمر/ الزاماما/ احتراق مملكة الورق/ عطش ذاكرة النهر/ زليخات يوسف/ بكاء الغربان.في قصة المجموعة الاولي: (مريم البلقاء) يستدرج القاص المتلقي عبر تقنية اسلوبية خاصة، في سياحة لذيذة مقتطعا لمحات تاريخية واستذكارات متتالية لترصيع نصه بشذرات تشد المتلقي، لمتابعتها عبر اسلوب شفاف ولغة محملة بالدلالات والايماءات والاستعارات الجميلة، التي تعقد صلة وثيقة بين النص والمتلقي وتقلل حالة الاملال الناتجة من غثاثة بعض النصوص مستعرضا تفاصيل وجزئيات صغيرة عن حياة قد انصرمت وتر كت اثارها راسخة لاتغيب مخلفة طعم المرارة والحرمان، وقائع ايام بائسة كان للحاكمين اثرهم في رسم ملامحها القاتمة التي تنعكس شكوي وخطوطا من دم تلوث صفحات بيض النفوس بريئة اكتوت بنيران التعسف والجور، فضلا علي بصمات واضحة لرموز فنية ناصعة، تركت تأثيراتها الايجابية من خلال استعراض ملامحها الراسخة في الذاكرة الجمعية (فائق حسن/ جواد سليم) واستعراض علاقة حب تقترن دائما بنهايات مأساوية يبثها السارد لواعجه باسلوب يتقطر لوعة وحنينا الي ماضٍ يفتقده ويتسرب من بين أنامله كحبات الرمل.
(برغم اصوات اللطم والصراخ واللغط، الشابات يشاركن بنات عمي اللطم، وما هي الاهنيهات حتي راحت اجسادهن تتقافز، رؤوسهن منفوشات الشعر، تنطح الهواء الساكن وتدافع مناكبهن بدا واضحا، مصحوبا بانصفاق اردافهن وارتجاج اثدائهن المتنافرة، كل زوجين يتلاكمن فوق حلبة جسد احداهن).
وفي قصة: (وساخات آدم) يرصد السرد حالة الفوضي التي تسود المجتمع وحالة الضياع بتفشي الجوع والبطالة التي تدفع الاخرين- خاصة في مدن منسية مهملة- الي الاستجداء والتنقيب في القمامات. (اكوام قمامة تفوح عفونة، متسولون هياكل سيارات محطمة، كلاب تقضم بكسل صفائح سكاكنن مكسور زبالون فكوك حيوانية بأسنان ذئبية وآدم يلهو بعصا ينكأ جرح الشمس، هدر دمها مجتاحا لافتة تقول: مرحبا بكم في مجمع النفايات).
هذا ما تعكسه القصة فهي مرآة الواقع عبر رؤية فنية، تلتقط صورا تشير الي وضع مزر واناس تتعثر خطاهم في دروب وعرة كاشفة عن ملامح ادانة تفصح عنها السطور والايماءات المبثوثة في جمل قصيرة ولغة تتعمد الاثارة وكشف المخبوء! تتصاعد نبرة الرفض والادانة في قصة: (بكاء الغربان) وهي تشير الي مدن ملوثة بالدم وعن غربان لها نعيق يثير الاشمئزاز وجماجم استفاقت مثقلة بحصار مرن مدفونة بتراب ارصفة الخديعة يتعالي صوت السارد وهو يؤشر ممارسات واســـاليب طغمة تمادت في غيها لتنشر الخراب والحزن في النفوس التي اعتورتها مشاعر الاحباط والخوف والاستسلام لواقع مرير امتد به الزمن طويلا لتتقرح الاجفان وتشيب الرؤوس لهول ما حدث! انها صرخة مكتوية بنار اوقدتها حفنة من الجلادين الذين لم يحسنوا قراءة الواقع وتعاملوا معه بروحية هولاكو وجحافلة الكاسحة، من دون ان يكتنزوا شيئا من معرفة او اعتدال انساني يقودهم الي الطريق القويم وفي قصة: (وتبقي قطام) يتلون السرد بطيف ساحر من البث الشفيف والتقطيع في الاسلوب لاسترجاع واقعة تاريخية سالت بها الدماء لتعكر صفحة تاريخ زاخر بالفتن والاحداث ملوثة اسطره بوشم الخديعة والغدر، حيث تطاولت الايدي الاثيمة لتنال من جوهرة فريدة يشع بريقها عدلا وانصافا ومساواة ليغرقوها بفحيح كراهيتهم العمياء غير انها تأبي الا ان تشع وتخطف الابصار بنورها وهي ترتفع شامخة مشيرة باصابع الاتهام لمجموعات من الغوغاء والسوقة الذين لايفقهون شيئا من دنياهم ويعرفون الضار من النافع، او يميزوا قيمة المعدن النفيس ليحرصوا عليه ويكتنزوه لايام غابرة، انها قصة الغدر بعلي بن ابي طالب، من قبل امرأة تقمصها الشيطان لتحرك الرجال كالبيادق حيث يعيد التأريخ نفســـه مع قطاميات عصريات قطاميات السيارات المفخخة والارهاب البربري الذي يعكس همجية البعض وجهلهم المطلق في عصر العلم والتقنيات الحديثة، ليفكروا بعقلية الانسان المتحجر القديم! (قطام هي التي رأت ان الذكور هم نصب حي لخلودها وخلودها يأتي بوأد الذكور انها حكاية قديمة لناعور يدور بالكراهية حول محور التأريخ واذرعه منتضية حراب الطعن من الخلف تغدر الرجل وظله. قالت: لقد انفقت التاريخ وبداخلي يتقاتل غولان حقدي وكراهيتي!).
ان اغلب قصص المجموعة مروية بضمير الغائب عبر لسان راو عليم لاتفوته ادق التفصيلات والايماءات التي يزج بها ليحتشد السرد بخزين معرفي يومي الي ثقافة مجتهدة ان ما يميز هذه القصص هي حركة الانتقالات السريعة في سرد المشاهد المتعددة والمتضاربة في الزمان والمكان عبر رؤية نقدية للواقع ومواضعاته اي ان القصة الواحدة تحتشد بالعديد من الاقاصيص القصيرة، التي تنضوي وتتلاقح في نسيج القصة الرهيف ثم تنتظم في خيوط اتصال لتتوحد في بؤرة القص. ان براعة القاص علي السباعي لاتتجلي في بناء الشخصيات او بناء الحدث وانما في قدرته علي صياغة اسلوب متفرد، تتوهج فيه المفردات والجمل عبر الوصف، والادهاش في سبك الجملة القصصية التي تتخذ لها موقعا رصينا في تعزيز بنية السرد للقصة حيث لاتجد احداثا متنامية ولاشخوصا تتصارع وانما تداعيات وانثيالات تستدعي كل الامكنة والازمنة الماضية والحاضرة. وتستمر بقية قصص المجموعة- علي ذات النهج- في رسم ملامحها الانسانية وبصماتها التي تؤشر موهبة متدفقة لاتزيدها الممارسة في مجال الفن الا رسوخا وثباتا. انا مجموعة (زليخات يوسف) القصصية ترســـــخ قناعتنا بقدرة القاص علي السباعي في توثيق فنه الجميل عبر لوحات تتدفق خصبا وعطاء لتضيف الي لوحة القــــــصة العراقية العريضة خطــــوطا مميزة وبارزة.

جريدة (الزمان) الدولية – العدد 2563 في 6/12/2006

شاهد أيضاً

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

مريم لطفي: الهايكو فن التامل

“لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز،وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق”..برتراند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *