صناعة المعاني الصغيرة كيف تكتب وتقرأ القصة المايكرو
هولي هويت درينغ
ترجمة: أمجد نجم الزيدي

صناعة المعاني الصغيرة
كيف تكتب وتقرأ القصة المايكرو
هولي هويت درينغ
ترجمة: أمجد نجم الزيدي
المقدمة
تهدف هذه المقالة الى استكشاف مفهوم القصة المايكرو (microfiction) عند القارئ والكاتب: وهذا يعني بانها ستدرس مصادرها وجذورها التاريخية، مثل القصص الخرافية والامثال، في الصين واليابان. حتى تطورها كجنس ادبي بحد ذاته، حيث اصبحت أكثر شعبية في القرن العشرين وما بعدها. وتناقش هذه المقالة ايضا انماطها العامة، مثل بحثها عن الصدمة واستخدامها للتقنيات الشعرية في شكل النثر، في حين فحصت علاقتها بالقصة الومضة (flash fiction) وشعر النثر. أُستُخدِمَ مصطلح القصة المايكرو هنا كمصطلح شامل لكل اشكال القصة القصيرة جدا، فقد اتخذ الفحص منهجا شاملا بدلا عن ان يكون مقسما، دُرِستْ فيه معا كل الاشكال القصيرة جدا، بالإضافة الى الاشكاليات النقدية، وتطرقت هذه المقالة ايضا الى العملية الابداعية وطرق كتابة القصة المايكرو، مع اسئلة ونصائح.
اريق الكثير من الحبر على كيفية كتابة القص المايكرو، او كيف تعرف، وكيف تختلف ربما، مثلا، عن قصيدة النثر او قصة الومضة، وقد اتهمت انها جميعهن (بعض الاحيان كلهن في قطعة واحدة!)، لا اريد لهذه المقالة ان تصبح جدالا عن الوظيفة الشكلية او تحديد العوامل التي تبني القصص القصيرة جدا، بل اود ان اتطرق الى ما يمكن ان تكون عليه القصص القصيرة جدا، وكيف تكتب من وجهة نظر الكاتب- الناقد (او الممارس النظري، ربما) يبدو ان السؤال كيف تكتب القصة المايكرو بدلا عن لماذا، هو ما نود معرفته كممارسين. مع ذلك، فالحكمة القديمة تقول ان تعريف ما تناقشه مفيد دائما، مع الاخذ بالحسبان، انني سأقدمكم لعالم الكتابة القصيرة جدا، من خلال مناقشة بعض المصادر التاريخية او جذور القصص القصيرة جدا، وكيف كانت تعمل كشكل في بداياتها، فضلا عن المكان الذي ربما جاءت منه من البداية. سأحاول ايضا الكشف عن التشابك النظري حول اسماء مثل هذه القصص، وصعوبة تخصيص مكان للقصص القصيرة جدا في نظرية الاجناس الادبية، وسأناقش ايضا طرق كتابة القصص القصيرة جدا، مع بعض الامثلة العملية، سأستخدم في غالبية المقالة مصطلح القصة المايكرو (microfiction) لوصف اي قطعة نثرية مكتوبة تقل عن 1000 كلمة، على الرغم من اننا سنرى ان هذا الاستخدام مفتوح للمناقشة.
• التاريخ
على الرغم من شيوعها الكبير في الأنطولوجيات والمختارات وكأداة للتدريس والكتابة في دورات الكتابة الابداعية، فهي ليست شكلا جديدا كما يتصورها البعض، بل ان لها نماذجا تاريخية استخدمت لقرون عديدة في اليابان والصين وامريكا اللاتينية وأوربا، ففي اليابان هناك تاريخ كبير للقصص القصيرة جدا، والذي من المحتمل ايضا ان يكون الخلفية الاقدم للقصة المايكرو الاكثر حداثة، فأشكال مثل الهايبون (وهي مزيج من النثر وشعر الهايكو) الذي تطور بصورة بطيئة في اليابان منذ القرن السابع عشر، مرتبط بشعر الهايكو ومرتبط ايضا بالقصة المايكرو بسبب اختزالها للغة، فالهايبون وكشكل قديم، قاد بشكل كبير الى قصة الكيتاي (وهي قصص لها من الطول ما يناسب رسالة نصية) والتي نشأت ايضا في اليابان في نهاية القرن العشرين. والتي كان يطلق عليها ايضا في الغرب (قصص الهاتف المحمول) او (روايات الابهام thumb novels)، وترتبط الكيتاي ايضا بتطور تويتر (Twitter)، والذي صممت فيه القصص لتناسب 140 كلمة، وغالبا على الهاشتاك #vss والتي ترمز للقصة القصيرة جدا.
تحظى قصة المايكرو في الصين بشعبية كبيرة، واعيد تعميدها بمصطلحات وصفية ذاتية متنوعة: كقصة بحجم الكف، أو قصة الدقيقة، أو قصة تدخين سيكارة. تسمى القصص الصغيرة في فرنسا بـ (الخبر nouvelle)، كما انها تزداد شيوعا وحضورا في القرن العشرين وصولا الى القرن الواحد والعشرين، تماما مثل الهايبون، وسأصنف هذه الاشكال قديمة وحديثة او ربما الاشكال الفرعية، كشيء واحد وهو القصة المايكرو، وهذا ربما يسبب الصدمة لبعض الدوائر النقدية، لان هناك الكثير جدا من المصطلحات الاخرى التي تستخدم لوصف القصص القصيرة جدا، أستخدم هذا المصطلح كمظلة لأضع كل القصص الصغيرة تحتها (كقصص الومضة والقصص القصيرة القصيرة، والقصص القصيرة جدا، وقصص البطاقات البريدية، وقصص المفاجأة وقصص النانو وكل الاسماء المستعارة الاخرى الممكن استخدامها للقصص الصغيرة)، انا لا استخدمها بالتأكيد لغرض التحديد، بل كسلة واقية لوضع كل هذه الاشكال فيها. يستخدم البعض بدلا من ذلك مصطلح قصة الومضة، وهذا ايضا مقبول تماما، لكن في هذه المقالة يبدو لي ان الشكل المناسب هو قصة المايكرو، فهو غطاء للكل.
كما أُشيرَ سابقا، تتصف القصة المايكرو بانها فائقة الحداثة، لأنها تبدو على الصفحة مدهشة، سواء كانت جملة او بضع مئات من الكلمات، فهي كتلة نصية مختصرة على الصفحة، لكن على الرغم من كونها مبتكرة ومرتبطة بثقافتنا المعاصرة، نرى من خلال مصادرها التاريخية المحتملة انها لم تخلق لترضي المدى الصغير المحزن للاهتمام المتوافق مع القرن الواحد والعشرين، او لمساعدة القراء الذين يفضلون تصفح مواد الانترنيت بدل الكتب الورقية، ترينا استخداماتها التاريخية في العالم ربما شكلا قديما بعدة قرون ( يمكن ان ترى الهايبون شكلا من القصة المايكرو وان كانت من القرن السابع عشر)، يصور لنا هذا الافتراض، او بالأحرى يخبرنا كما نظرية التطور عن التأقلم، وانها وبسبب استخداماتها وامكانياتها بقيت حية، وتطورت الان اكثر لتناسب اجهزة اللابتوب وشاشات الكومبيوتر وتويتر والهواتف المحمولة.
ولكن ماذا عن المصادر الادبية الاخرى، التي تقود الى القصة المايكرو؟ يرى جيروم ستيرن (Jerome Stern) وهو ممارس بكتابة القصة المايكرو، بالإضافة لكونه محررا وناقدا، إن القصة المايكرو وكنتيجة لتجسيدها الاشكال الفرعية كالحكايات الخرافية أو الامثال او الطرفة، “متجذرة بعمق في النفس البشرية وفي تاريخ المجتمعات البشرية”، وهذه الحكايات الصغيرة اشكال قديمة من القص قد اثرت بها، او ربما يمكن حتى عدها قصص مايكرو، فهي لديها بداية ووسط ونهاية، ولديها حبكة وبنية وغرض، ومكتوبة بصورة مقتصدة نسبياً، بالحقيقة ان تأثيرات الحكايات الخرافية المبكرة وحكايات الكتاب المقدس والتراث الشفاهي للطرفة، مفيدة ومضيئة لكل الاشكال الصغيرة المستخدمة في كلا الحاضر والماضي، كما انها تساعد القصة المايكرو وبمعنى معاصر وكجنس ادبي مستقل في تشكيل وتأكيد ما هو شكلها الان.
في حين ان الطبيعة الاخلاقية او القويمة للحكايات الخرافية والامثال، ليست بالضرورة مناسبة للقصة المايكرو الحديثة، وان كانت بالتأكيد مصدرا لها (كقصة اخلاقية فأنها تضطر للتشكيك لأنها ربما تبدو متضايقة في شكل يرفض-بالإضافة للقارئ والكاتب- ان يبقى عالقا)، حيث تستخدم الخرافات والامثال تقنيات سردية شائعة، وهي اقل احتمالا في القصة المايكرو، بضمنها الحوار والحبكة البسيطة او ادوات صنع الشخصية لخلق المواقف البسيطة، بمعنى، المتوقعة بشكلها ووظيفتها. تستخدم القصة المايكرو بدلا من ذلك ايقاعات قوية او حتى الوزن نفسه، وتميل اكثر نحو ابعاد الايحاء او الحدث الايحائي غير المرتكز على الواقع، هذه التقنيات في بعض نصوص القصص المايكرو تعكس الشعر، مما يجعلها جنسا غير معلوم، ويمكن ايضا ان تضمن فيها الاسطورة والخرافة، فبالحقيقة انها تشابهات اخرى تتشاركها مع الحكايات الخرافية والامثال وحتى الطرف، اللائي يعتمدن غالبا على الفلكلور، او اعادة رواية الروايات المروية، لكنها تتعامل ايضا بصورة اخرى مع هذه المصادر، فربما تجعلهن أكثر خيالية، باستخدام الواقعية السحرية، والاستعارات الموسعة، و/ أو احداثا غير محتملة، وربما تعطيهن هامشا ساخراً، او جعل النهاية او وجهة النظر او الرسالة مختلفة، هنا يمكننا البدء برؤية الطبيعة التخريبية الجزئية للقصة المايكرو، وشكلها المتلاعب الذي يروم اعادة صياغة، بالإضافة الى اعادة تشكيل الطريقة التي ربما يعمل بها النثر، يمكننا مقارنة قصة “الاسبارطيين” لريتشارد غوين (Richard Gwyn) على سبيل المثال مع الحقائق الاسطورية الواضحة لمدينة اسبارطة القديمة والمروية بسياق جديد من خلال صوت سردي جديد ومنظور جديد:
“كان العيش صعبا في مدينة اسبارطة، حيث تركت ليلا وانا طفل حديث الولادة على جانب التل ، سريعا تتعلم ما كان يحدث، ثم كان هناك قتال يتعين عليك القيام به، وأراضي لتفتح، وسلب وقهر لتنفذه، وتقبر الكرامة والشرف، وتتغلب دائما في هذا الصراع المميت على الكورنيثيين المخادعين والاثنيين المتفوقين ولا تترك رأسا سالماً، يجب ان تبقى الرماح مصقولة حتى يكسف ضوء القمر، والسيوف مشحوذة تشطر اقوى العضلات من اقل لمسة، اذا نشأت، في كل هذا المعاناة وكل هذا الصخب للدم والموت، وانت تشعر بالجبن، وتطمح لمجرد أثر من الغموض او الرقة، فانت محكوم عليك بالسخرية والاهانة، سمعتهم في ساحة المدرسة يودون ان يكونوا محاربين اسبارطيين، حتى ان قسمهم كان أصيلا، بينما فمي كان مملوءاً بالرخام”.
في حالة هذا الجزء بالذات، بعض المعرفة المسبقة للقارئ مطلوبة، وربما ايضا ان القصص المايكرو تعطي سياقا اضافيا للقصة ان عكست بنية (بالإضافة الى محتوى) الحكم القديمة او الامثال او الحكايات الخرافية.
حتى الان نحن نعلم ان القصص المايكرو موجودة سابقا في الادب القديم، منذ حكايات الكتاب المقدس حتى الهايبون في القرن السابع عشر، وبأشكال أخرى كالحكاية الخرافية، ونعلم انهن صغار، اذ يميل معظمهن الى ان يكونن اقل من بضع مئات من الكلمات، وعلى الاغلب كلهن يملن ليكونن اقل من 1000 كلمة، تطئ القليل منها المنطقة الرمادية لعدد الكلمات المحددة لشكل القصة القصيرة، وانهن مبنيات بصورة كافية ليكونن قادرات على استخدام الحوار او الشخصية، وان يمتلكن نوعا من الدور او الايحاء (او بوجه اخر بعض المعنى للغرض السردي)، وسيأخذن بداية ووسط ونهاية، ولكن يمكن ان تكون تقنياتهن، كما موضح اعلاه، اشكالية: كاستخدام الوزن والايقاع، والصورة، وحتى الايحاء مشكوك فيه، يمكن للقصة المايكرو ان تميل اكثر، كما في بعض الحالات، نحو الشعر أكثر من النثر، على الرغم من محافظتها على شكل النثر، وهذا ما يجعل منها جنسا غريبا وقلقا، لأنه يبدو على الاغلب كما لو انه شكلين من الكتابة في شكل واحد، وهذا جزء كبير من الجدال الجاري عن إن كانت القصة المايكرو “تابعة” للنثر ام للشعر، يخطئ العديد من النقاد بإخذ جانب الحذر هنا: بالنهاية، الاسم يجب ان يوضح كل شيء، لكن القصة المايكرو رفيقة مخادعة واشكالية، وسوف تنغمس في وخارج التقنيات الشعرية، وبدون عناء اخفاء سرقتها، بينما تحافظ على لقبها كـ (قصة)، استخدام التقنيات الشعرية طبعا ليس مقصوراً عليها فقط (فالقصص القصيرة ايضا على سبيل المثال قد تستخدم الادوات الشعرية)، ولكنها بالتأكيد تضع على الشكل علامة استفهام، تستخدم ايميلي هيمبل (Amy Hempel) مثلا الوزن والايقاع في قصتها “المضيفة” بطريقة شعرية مكثفة وواضحة:
“She swallowed Gore Vidal. Then she swallowed Donald Trump. She took a blue capsule and a gold spansule – a B-complex and an E – and put them on the tablecloth a few inches apart. She pointed the one at the other. ‘Martha Stewart,’ she said, ‘Meet Oprah Winfrey.’
She swallowed them both without water.”1
لذلك وعلى الرغم من امكانية تعريفها، وبشكل فضفاض، على انها نثر، عاكسة الاشكال القصصية القديمة والتاريخية، فالكتاب يمتلكون الحرية باللعب بالشكل، وهذا لا يعني حتى انه سرقة للأساليب الشعرية، بسبب الحدود المفتوحة للانزلاق بين الجنسين.
بدأت القصة المايكرو في القرن العشرين تأخذ شكلا أكثر ثباتا، واصبح يمكن تمييزها كقطعة نصية ذات سطور منضدة مثل النثر التقليدي، لكنها عادة ما تكون قصيرة جداً، تملئ فقرة او بعض مئات من الكلمات، تشبه ربما والى حد ما القصيدة، بالتوازي مع تزايد شعبية قصيدة النثر التي وصلت الى النضج، كما وصلت الحداثة الى السلطة، مهاجرة من قلم بونج (Ponge) مارة بطريقها بدفاتر ملاحظات اليوت ووايلد وستاين، وعلى ما يبدو من ناحية ثانية، ولتكون الى حد ما بعد حداثية، تتلمس القصة المايكرو، معرفتها للتحدي، ورغبتها في اظهار الاشياء من خلال عدسة جديدة، لإعادة تشكيلها او حتى اعادة صياغتها، يقتبس ارنست همنغواي غالباً هذه الجملة ” للبيع، حذاء طفل، لم يرتدى من قبل” (النص الاصلي غير معروف) وهي مثال على القصة المايكرو قبل ان تسمى او يوصف شكلها الخاص تماما، وجاءت بعد ان قبل همنغواي التحدي بكتابة قصة من ست كلمات، واصبحت اسطورة ان همنغواي يعتقد انها افضل عمل له، وسواء كان ذلك صحيحاً ام لا، سرعان ما انطلقت، ومن هذا التحدي البسيط، القصص المقلدة، وما كان على المحيط اصبح اكثر بروزاً، فعلى الرغم من عدد الكلمات الصغير، هناك وبصورة واضحة حكاية، او سرد مضمن في الجملة، معنى للفقدان وللشوق، ومعنى مضمن لكل القصة، ويائس من الخروج، لكنه مثالي في فضاء حبسه، اصبحت القصة المايكرو، ومع تقدم القرن، حية على يد كافكا وبورخس، والادباء الآخرون من العيار الثقيل، فليس هناك من شك ان القصة المايكرو قد نمت من تلك اللحظة، ليس في الحجم وانما في الانتشار كما اشرت سابقاً.
استخدم القصة المايكرو لوصف القصص القصيرة جدا، لكن الاسم الشائع الاخر لها هو قصة الومضة (Flash Fiction)، والذي بدأ استخدامه متزامناً مع مصطلح القصة المايكرو، وقد صيغ المصطلح في عام 1988 من قبل توم هازوكا (Tom Hazuka) ودينيس توماس(Denise Thomas) وجيمس توماس (James Thomas)، والذين بدأوا العمل سوياً في الثمانينيات بأنطولوجيا قصة الومضة (72 قصة قصيرة جدا)، يدعي المحررون ان مصطلح “القصة الومضة” تم ابتكاره من قبلهم، بعد ان قاموا بتدريس “قصة الومضة” في دروس الكتابة الابداعية في السنوات السابقة لهذا الاصدار، فعلى الرغم من كونهم درسوا الطلاب تعقيدات كتابة القصص الصغيرة، الا انهم لم يعرفوا ما يطلقون عليها في ذلك الوقت، متلاعبين بالمصطلحات ” القصة المصغرة mini fiction” و “القصة القصيرة القصيرة short short”، وليسوا متأكدين تماماً من شكلها، ولكنهم يعرفون انها في حد ذاتها كانت شيئا ما، فمن المؤكد ان المصطلح ظل مستخدما، وقد اعطى للشكل مكانة كان قد فقدها عندما كان بدون اسم، يبدو ان مجرد ان يكون هناك عنوانا للشكل، يكون الوصول اليه اسهل، حيث جاء مصطلح ستيرن (Stern) المبتكر “القصة المايكرو Micro Fiction” بعد اربع سنوات فقط من مصطلح “القصة الومضة” (مع نفس الناشر)، لا يعلق ستيرن على استخدامه لمصطلح القصة المايكرو، لكنه يشير اليه في ” مقدمة” النص الذي كان سابقا قراءة لما كان يصطلح عليه “القصص القصيرة القصيرة”، لذلك فربما يمكن ان ينسب مصطلح القصة المايكرو الى ستيرن، لتصبح لاحقا كلمة مركبة ومستخدمة على نطاق واسع لوصف هذا الشكل.
• النظرية
إذن مع كل هذا التاريخ الذي وراءنا، كيف يمكننا تحديد الفرق بين قصة الومضة والقصة المايكرو وقصيدة النثر؟ شخصيا، وكما اشرت اعلاه، يمكنني استخدام قصة المايكرو لوصف اي قطعة نثرية مكتوبة تقل عن 1000 كلمة، والتي تحتوي على حكاية لها بداية ووسط ونهاية، يفضل الكتاب والقراء الاخرون استخدام مصطلح القصة الومضة، وهناك جدال كبير في بعض الدوائر حول الاختلاف بين قصة الومضة والقصة المايكرو، وهذا عادة ما يهبط بهم الى عدد الكلمات، مع الاشارة الى ان قصص المايكرو عادة اقصر من قصص الومضة، وقصيدة النثر مخادعة في التمييز بينها وبين القصة الومضة والقصة المايكرو. فتعريفها عادة يتم من خلال استخدامها للتقنيات الشعرية في القصة، بسبب انها كالقصص المايكرو وقصص الومضة، مكتوبة ككتلة نصية بدون اي فواصل للأسطر: وذلك لكي نقول، انها كتبت كالنثر. مع ان الشعر النثري يحتوي غالبا على ايقاع ووزن، او تقنيات مثل الجناس والسجع او الاستخدام المفصل للمجاز او الاستعارة.
بطبيعة الحال، هل ان النثر (من اي نوع كان) لا يستخدم هذه التقنيات من وقت لآخر؟ حسنا نعم، وانا اعلم ما ستعتقد هنا، انه يفعل، وهنا تكمن المشكلة، نحن نعلم ككتاب وقراء بان النثر يمتلك ايقاعا وطواطم وحيل فنية، بقدر الشعر في بعض الاحيان، فهو مجرد نثر بكتل كتابية من دون فواصل سطرية، (جادلت مرة بان قصة المايكرو ليست “مهيأة تماما” لتكون شعرا، لكني اعتقد ان حقيقة الاختلاف في بعض الاحيان بين قصيدة النثر والقصيدة او حتى بين القصة المايكرو والقصيدة، يرجع ببساطة الى الفواصل السطرية)، بهذا المعنى ليس هناك في بعض الاحيان اختلاف دلالي في صنف ومعنى هذه الاجزاء: انما تكمن القوة في الطريقة التي تقدم بها، والتي تشكل توقعات القارئ، فالقصة المايكرو وقصة الومضة متشابهتان، فهما قد يستخدمان الاستعارات والذكاء العروضي او البحث عن معنى او الايحاء الذي ربما يحتويه الشعر النثري (او الشعر)، لكنهما يعرفان نفسيهما فنيا كنثر.
التمييز بين القصص المايكرو وقصائد النثر مهمة صعبة، ولكن برأيي، متذكرا نصيحة وردزورث باننا لا ينبغي ان نَقتلَ لِنُشرِّح، ان هناك اشياء ربما من الافضل لو تركت بدون ان تناقش. بعد كل هذا، ما الغرض من التصنيف هنا؟ هناك بعض المعنى للاختلاف بين الشكلين، ولكني لا اعتقد انه كافي للجدال حوله، وخاصة ان تعريف هذا الاختلاف كان غامضا في افضل الاحوال، لا يبدو حتى ان المحررين او الكتاب لهذين الشكلين، وخارج التعريف المرتبط بعدد الكلمات، قلقين، خاصة ازاء عدم وجود حدود بين الشكلين، على سبيل المثال تم نشر القصة الرائعة “الكولونيل” لكارولين فورشي (Carolyn Forché) في كل من أنطولوجيا قصة الومضة (توماس، توماس، هازوكا 1992)، بالإضافة الى أنطولوجيا قصيدة النثر (فريبرت ويونغ 1995)، دون اي تداعيات مشؤومة: لم ينتهي العالم، واستمر شعر النثر والقصة المايكرو بالوجود بصورة منفصلة ومتزامنة.
وصفت بعض من قصصي المايكرو (والتي كتبتها معتقدا انها قصص ما يكرو) كقصائد نثر، وقد اشار احد القراء ان بعض هذه القصص هي بالواقع قصائد، لم يشكل هذا اي فرق لدي، لكن كان من الرائع ان نرى تلك القطع بضوء أخر، وخاصة ان كان خارج قصدي الاول، ومن هذا المنطلق، تساءلت عما اذا كان العمل قد تأثر فقط بكيفية تقديمه، لكن كم كان علي ان اختار لجعلهن قصص مايكرو، لان ذلك ما كنت احسب اني اكتبه، اشار ديف كلابر (Dave Clapper) وهو محرر سابق وناشر حالي للقصة القصيرة القصيرة (ربما قبضنا على اسم مستعار أخر للقصة المايكرو) في مجلة (SmokeLong Quarterly) الى ما يلي:
” انا لا أميز حقا بين ] شعر النثر والقصة الومضة[ بعض القطع من الومضات هي بالتأكيد قصائد نثر، الكثير منها ليست كذلك، فشعر النثر واحد من العديد من اساليب الكتابة الفعالة، ولا تستثني قصة الومضة اي اسلوب، اني اعتقد حتى الشعر العادي يمكن ان يعتبر قصة ومضة.”
شعر النثر والقصة المايكرو مترابطان الى الحد الذي لا يمكن التمييز بينهما بسهولة، لدرجة انني اشعر انهن قد نوقشن معا بسهولة ولباقة.
• التطبيق
لكن كيف تعمل القصة المايكرو وكيف نكتبها؟ ومن الواضح ان القصة المايكرو تبدو مختلفة على الورق- ككتلة نصية مكثفة من النثر، يمكن ان ترى بلمحة واحدة، وتقرأ بسهولة بجلسة واحدة- لكنها ليست شعرا وليست قصة قصيرة، فهي، على سبيل المثال، قادرة على انهاء كل القصة ببضعة مئات من الكلمات، ومن الواضح ان هذا عامل مهم عند مقارنتها، على سبيل المثال، مع قصة قصيرة او رواية، فهي لا تملئ عادة ابدا أكثر من ثلاث او اربع صفحات (وفي أنطولوجيا ستيرن لا يزيد طولها عن صفحتين)، لكن لها عنوانا ربما مثل الرواية والرواية القصيرة والقصة القصيرة والشعر، فهي منضدة مثل النثر، ولا توجد هناك على ما يبدو فواصل سطرية دالة، فالجمل تعمل على النحو الذي في النثر التقليدي، فالأثار البصرية للقصة المايكرو وحدها غالبا ما تكون كافية للتعريف.
ولكن ذلك التعريف بحد ذاته سيكون بسيطا جدا، ومستبعدا، اذ لا يمكن تعريف القصة المايكرو بحسب تصميمها فقط، كما لا يمكن تعريفها من خلال طولها (لأننا نعرف ان القليل من الكلمات او بعض المئات تكون اي شيء)، ومع ذلك انا اعتقد ان هناك بعض الانماط العامة للقصة المايكرو: محتواها، نبرتها، والغرض منها، يمكن ان تساعد في تعزيز تطورها، او على الاقل تعريفها، تبتدأ القصة المايكرو من منتصف الحدث او في بعض الحالات في منتصف الفكرة، لا يهم ما القصة التي تقرأها او ماهي الأنطولوجيا او المختارات التي تضمها، تبتدأ غالبا بفكرة او حكاية او موقف مفترض، ومن ثم يميل هذا التركيز اما الى تضخيم الموقف او حضور الشخصية، او تصغيرها، لإظهار مضامينها من منظور أخر، اذا جاز التعبير. فالسبب من ابتداء القصة المايكرو من وسط الحكاية التي ترغب بروايتها هي لجعلها حية ومفاجئة، محملة بالتوقع وتظهر للقارئ الفة مباشرة وشيء استثنائي وجديد، على الرغم من ان الاشكال الاطول تستخدم هذه الاداة ايضا، ولكنها ليست ثابتة كما هو الحال في القصة المايكرو، التي تقريبا تضخم أدوات القصص الطويلة بهذه التقنية، فعلى الرغم من هذا الموقف الفعال، تميل النبرة (The tone) الى ان تكون واحدة من المعاني غير المعلنة، ووزن ثقيل على كاهل القصة، وواحدة من حساسيات التضمين وغياب الفهم.
يمكن للقصة المايكرو ان تتعامل مع الحياة وحساسية الموت، ومع القرارات المتغيرة للحياة، والمرارة والتقلب، وغير القابل للتفسير، انها تصور لحظات العظمة والضعف، العاطفة الانسانية والعصاب، وغالبا مع فكاهة طريفة، نبرة صوت القصة المايكرو واحدة من أكبر الاسئلة التي لم تسأل ابدا، هذه النبرة يمكن ان تنقل في مشهد واحد فقط، نادرا جدا ما تصور القصة المايكرو في بنيتها الصغيرة أكثر من نقطة تحول واحدة وغرض واحد، فعلى الرغم من هذا الصغر فإنها معبأة بالمعاني- ولكن هذا لا يعني غالبا ان الاحداث المصورة حبيسة في هذه البنية الصغيرة، وهذا سبب أخر ربما لابتدائها من المنتصف، وذلك لان لديها مثل هذا الفضاء الصغير لتنمو به.
تشكل اللغة اهمية كبيرة للقصة المايكرو، فعندما تكون بقدر مئة كلمة او اقل، فكل كلمة مفردة على سبيل المثال يجب ان تختار بتأن، وبوعي لتعدد دلالاتها، ووعي ذاتي، تميل اللغة المستخدمة في القصة المايكرو وبصورة مفارقة الى ان تكون بسيطة، بسبب هذا العبء الثقيل من التضمينات- رغم ان هذا لا يعني بالطبع بانها لا يمكن ان تكون شعرية، ان النبرة أو الاسلوب غالبا ما يكون مباشرا، والتكلم مع القارئ في بعض الاحيان باستخدامها للشخص الثالث، وقد لا تستخدم هذه التقنية عادة في الكثير من القصص السائدة (على الرغم من انها مستخدمة في الشعر بصورة متكررة)، وهناك ايضا استخدام ملحوظ للزمن المضارع، وسحب القارئ مرة أخرى الى موقف قد حدث بالفعل.
يتكلل استخدام الادوات الشعرية في القصة المايكرو بالتركيز غالبا على صورة مركزية واحدة، كما يفعل الشعر، فعلى سبيل المثال تمسخ وتحول قصة “قلق” لرون والاس (Ron Wallace) تأثير القلق بين زوجين:
“نمى القلق بينهما كالابن، بعناده الصغير ومطالبه الاكثر الحاحاً.”
ترسخ الصورة القصة، والتشبيه ليس مبتكرا او صعبا، ولكن هذه هي الحالة عادة بالنسبة للصورة في القصة المايكرو، فهي تدور غالبا حول فكرة صغيرة، وعلاقة بسيطة بالجوهري مركزة على صورة بسيطة ومبرزة لأهمية الاشياء الصغيرة.
تخوض القصة الومضة عادة في الواقعية السحرية والرعب والفنطازيا والأيروتيك، وهذا ربما بسبب كونها حرة في تجربة هذه التقنيات او الثيم، التي يتجنبها الادب التقليدي، ويمكنها في بعض الاحيان، وكما اشرنا اعلاه، استخدام القصص التي سبق ان رويت، مما يقودها الى العوالم التناصية، في الواقع ج. و. توماس (G. W. Thomas) قد قال ذلك:
“يمكن ان تجنب عن نفسك الكثير من الكلمات غير الضرورية باستخدام الاشارات المرجعية لقصة معروفة، او الاشارة الى احداث تاريخية، او استخدام مواقف مشهورة في الادب، فاذا كانت القصة تجري على سفينة تيتانك فلست مضطرا لشرح ما الذي سيحصل او من كان هناك او الكثير من الاشياء.”
ربما هذا سبب كاف، لكني اعتقد ان الكتاب يرون إمكانية للجانب الساخر، والمنظور الجديد، وتغير السرد في استخدام القصة التي سبق ان رويت، هذا قد يقودنا الى الطريقة التي تستخدم بها أداة الواقعية السحرية، فقد تكون صغيرة كمفتاح يظهر في درج (مانغوس)، او ربما شيء جوهري كرجل يبتلع نفسه (ادسون)، لكن الحوادث الغريبة تبدو أكثر ملائمة، مستجوبا الطبيعة الخيالية نفسها، او ربما وببساطة لان القصة المايكرو تجريبية، وبهذا المعنى فإنها وبوصف جميل لباملين كاستو (Pamelyn Casto) “مثل ديدالوس الذي رفض ان يبقى عالقاً”.2
هناك ميزة واحدة في القصة المايكرو غالبا ما ينظر اليها على انها السمة النهائية لها وهي “التحريف”:
” النهاية المحرفة تسمح للكاتب بحشد بعض اللكمات الى نهاية القصة، القصة الومضة من القصص محرفة النهاية، لأنك لا تمتلك وقتا كافيا لبناء الشخصيات العاطفية، وتبين كم ان الحبكات المدمرة قد اثرت بهم، تبسط بالنهاية القصة الومضة غالبا وكمزحة جيدة الى قفشة.”
انا متضايق جدا من استخدام هذا المفهوم للقصة المايكرو كونها “نكتة جيدة” ومصممة لـ “قفشة” ادبية، السطر الاخير من الاقتباس اعلاه، تجعل اي احد قارئا كان او كاتبا، اكثر من متضايق، يمكن ان يعرف “التحريف” كحدث مفاجئ في نهاية القصة، وربما اقرب الى الانعطاف في القصيدة، وغالبا لوحظت كبروز من الكتاب والقراء الجدد للقصة المايكرو، ولذلك فهي السمة البارزة، ولكن هذا التصور بكونها “قفشة” هو تحقير لهذا الجنس الادبي، ولأولئك الذين يكتبونها، هذا لا يعني ان الفكاهة مستبعدة، بل اكثر من ذلك ان هناك مجالا كبيرا للباقة في القصة القصيرة، ما اقترحه توماس من ان القصة المايكرو يمكن ان تكون مجرد نكته، ليس جديا، ولكن لسوء الحظ يستخدم التحريف غالبا لوصف جنس القصة المايكرو بخلاف حجمها ربما بسبب طبيعتها السطحية وسهولة فهمها.
اقترح بدلا من هذه الفكرة الغبية وغير المفيدة “للتحريف”، ان القصة المايكرو بدلا من ذلك صغيرة، ودقيقة وموحية، وهذا الايحاء لا يتم الوصول اليه ببعض الخدع السردية، بل من خلال الادراك بان تصوير لحظة في القصة المايكرو تغير كل شيء، وبان هناك تحول في ما يعتقده القارئ او ما يتوقعه وبان هذا له دلالة، فالطبيعة التافهة لتحريف “القفشة” هو اي شيء عدا هذا، في المقابلة التي اجراها مع مريم كوتزين (Miriam Kotzin) يرفض ديف كلابر (Dave Clapper) (قيد النهاية المفاجئة ]…[ بالنسبة له الومضة “شكل مفتوح جدا غير مقيد بشيء سوى بعدد الكلمات ومخيلة الكاتب.”)، يتحدث هنا عن القصة الومضة، لكن النقطة لاتزال قائمة، يبدو هذا اقرب الى الفهم الحقيقي للقصة المايكرو، وكما قلت ان مسألة عدد الكلمات سوف لن تكون رسمية ابداً، واشعر ايضا بهذا الايحاء ان ليس من الضروري استخلاص شيء ما في اخر سطر او اثنين، يمكن او قد يكون، عوضا عن ذلك، شيء ما يندفع خلال النص، لا يجب ان تكون القصة مكتوبة فقط من اجل “تحريف” النهاية، لذلك يجب تحقيق غرض اعمق واكثر دلالة من “القفشة”.
وضع ريتشارد جوين (Richard Gwyn) وهو كاتب للقصة المايكرو وقصيدة النثر، بالإضافة للروايات والشعر، ما يمكن ان نطلق عليه وصفة للكتاب الذين يستخدمون شكل القصة المايكرو، لكن هذه الشفرة يمكن ايضا ان تستخدم لتطابقهم، يمثل الاختصار S\I\M\P\L\E: الضآلة (sparseness)، التضمين (implication)، البساطة (minimalism)، الدقة (precision)، الخفة (lightness)، الحيوية (energy)، من الضروري ان تكون الضآلة والبساطة مفتاح السمات الرئيسية للقصة المايكرو، بسبب ان القصة المايكرو تتمحور حول جعل كل كلمة محسوبة وكل معنى مهم، لذلك فستتبع الدقة من هذا الايجاز المركز، وهذا بدوره يعطي النص حيوية، وطلاقة لا يمكن لمساحة صغيرة ان تحتويها، ربما لا تزال الخفة كنبرة للقصة المايكرو هي الوحيدة التي فيها يجب ان لا تكون العاطفة او الفلسفة مصطنعة: فالنص يجب ان يتكلم لنفسه وبنفسه، لكن التضمين، كما اعتقد، هو المفتاح لأسرار القصة المايكرو.
اذا كانت القصة المايكرو تجعل كل كلمة محسوبة وكل معنى استطرادي محتمل مهم، فان التضمين هو قلب غايتها السردية، وهذا ايضا يمتزج بصورة جيدة مع فكرة كون القصة المايكرو حدثا ايحائيا، اذ انها على الاكثر ليست عن ما قيل، انها غالبا عن مالم يقال، لهذا السبب ان كلمة منها مثقلة جدا بالمعنى والتأثير، فالتضمين هو الذي قاد قصة همنغواي” للبيع، حذاء طفل، لم يرتدى من قبل” وهذا هو الاساس المنطقي لقصة (ربة المنزل) لإيمي هيمبل (Amy Hempel):
” كانت وفي نفس اليوم تنام مع زوجها ورجل اخر، ومن ثم ولبقية اليوم، لما كان متبقيا لها من ذلك اليوم، كانت تستغل بسحر “فلم فرنسي، فلم فرنسي.”
هل المعنى واضح؟ لماذا تستخدم الكاتبة التكرار في مثل هذه المساحة الصغيرة؟ لماذا فلم فرنسي، ولماذا هذا التشديد؟ وهل حقا ان ربة المنزل المتزوجة قد نامت مع رجلين في نفس اليوم؟ ما كمية الخيال؟ التضمينات متنوعة ومتعددة، فهناك القليل منهن قطعيات او يقينيات، يعمل التضمين لان القارئ يختار ان يعرف قصص المايكرو كاستعارية، فالاستعارة تعمل في الواقع، لا تختار بعض قصص المايكرو هذا المسار الشعري، ومن الامثلة الممتازة طبعا قصة (الطرقة) “جلس أخر رجل على الارض وحيدا في غرفة، فكانت هناك طرقة على الباب” (براون)، يختار الكثير من المؤلفين استخدام التقنيات الشعرية المتوفرة لهذا الجنس، والتي تعطي طبيعة غير واضحة للقصة المايكرو، والتي تقود الى ملء الكوة بين الشعر والنثر، للتعبير عن ما لا يمكن التعبير عنه في شكل اخر.
اشعر بان القصة المايكرو مشكك بها ومهمشة في الادب، بسبب انها تفحص كقصص تعمل بالتضمين فقط، على الرغم من، او بسبب شعبيتها على الانترنيت وفي الأنطولوجيات والصحف والمجلات، فكرة “الانحراف” هي ايضا مفهوم يمكن ان يقود الى انعدام الثقة، فالعوامل التي تجعل القصة المايكرو صعبة الفهم الكامل هي انها ترفض ان تكون مصنفة بشكل كامل، وتتجنب توقعات القارئ، وتحديد السمات والحيل لاستخدامها في القصة المايكرو يصدمني فهو قصر نظر وافتقار لفهم هذا الجنس، لا اعتقد انها يجب ان لا تكتب وفق استراتيجية، فهي جنس عن ما هو محتمل وما يمكن صنعه، مملوءة بالالتزام والرغبة في ان تتشكل تحت يدي المؤلف، ويعاد بنائها من خلال عيني القارئ، فهي ليست حول الوفاء بالمعايير، انها متغيرة وهذا (جزئياً) هو المغزى، فهي شيء ما وبنفس الوقت شيء اخر (الشعر والنثر)، هي ببساطة تعتمد التضمين، لكنها بالمقام الاول غير قادرة على جعله شيئا اساسيا ووحيدا، او ان تعمل بطريقة واحدة ووحيدة.
وهكذا نأتي لكتابة القصة المايكرو، فهناك الكثير من الطرق لكتابتها، يحاول البعض من خلال تقييدها بعدد الكلمات، مثل طريقة (الدرابل drabble)3، (قصة من 100 كلمة)، او من خلال (69er) (قصة من 69 كلمة)، او ربما من خلال عبارة سريعة او صورة، يتمنى البعض ربما استخلاص لحظة من الايحاء في مساحتها الصغيرة (او احيانا من اللا ايحاء)، استخدم في بعض الاحيان احداثا من السيرة الذاتية لتغيير حكاياتي، لكن المساحة المحدودة التي يمكنني روايتهن بها تعطي القصص شكلا لا تمتلكه دائما الاحداث الحياتية الحقيقية، ركزت في القصص الاخرى التي كتبتها على عبارات فكرت فيها مليا، والمثال العملي هو قصتي “ماء” التي جاءت بعد ان سمعت ومن على التلفاز عبارة “الازرق الذهبي، واصفة كيف يعتبر الماء النقي موردا عالميا، فأخذت هذه الفكرة الى الحدود القصوى، وانتهيت في الديستوبيا (dystopia) التي كان فيها الماء هو القيمة الاكبر من اي شيء اخر:
” هل تتذكر ذلك الزمن؟ عندما قالت الحكومة ان علينا ان نتشارك الحمامات لان البحر كان يتبخر، لذلك استحممنا انا وانت، انت مسحت اصابعي بالرغوة وانا مسحت ظهرك بالفانيلا (معظم الليفات كانت يابسة في ذلك الوقت)، واعتقدنا اننا كنا نصنع فرقا، فقيل لنا ان علينا ان نشرب ماء الاستحمام، كما كان نقيا من قبل، ففعلنا، استخدمت انت ذلك القدح الطويل، وانا استخدمت قدح الويسكي الازرق، بدا وكأنه احد تلك الاعلانات بالقدح الازرق، اخبرنا بالنهاية ان كان علينا ان نستخدم الماء فلسلق احدنا للعشاء فقط، اصبحت المياه نادرة. لذلك وضعتك في ذلك القدر الكبير الذي نستخدمه لنضع فيه الفحم عندما كان لا يزال موجودا، فسلقتك جافا، وبعد ان غرفتك خارج الماء، غسلت شعري بمرقك.”
كتبت هذه القصة دفعة واحدة، لكن القصص الاخرى احتجن ان يأخذن جزءا قليلا من الاستفزاز ليخرج الارتباك، او ان يمرن بالقليل من المسودات قبل ان يكونن جاهزات لإظهارهن لأي احد، فالعملية الابداعية مختلفة مع اغلب قصصي، ولكن هناك شيء واحدا بقي ثابتاً ان كل القصص يركزن عادة على فكرة واحدة او حدث واحد، نوعا ما مثل الشعر.
اين تنسجم هذه الافكار، هل مع كتابة القصة القصيرة ام الرواية القصيرة ام الرواية؟ حسنا، القصة المايكرو كالأجناس المقتضبة الاخرى تزدهر في الاختلاف، وتعرف بما هو ليس كذلك، اتهمت الكتابة القصيرة كالقصة القصيرة او الرواية القصيرة في الكثير من الاحيان بكونها تطبيق او تجريب لما قد يكون قد وسع في الرواية، وانها تجاوزت، ولبعض الوقت، وبصعوبة الارض المحايدة بين الاشكال، رفضت القصة المايكرو ايضا في احيان كثيرة على اعتبار انها كان يمكن ان تكون قصيدة او قصة قصيرة، اشعر ان هذا قد فوت المغزى، بالتأكيد ومن وجهة نظري ان كتابة القصة المايكرو هي طريقتي لاستغلال لحظة شعرية بدون ان اكتب الشعر، انها بالنسبة لي استخدام “الايحاء” والتصوير مع اضافة فائدة استخدام النثر كوسيلة مريحة لي. للقصة المايكرو غرض بحد ذاتها، و يجب ان لا يمنع او يشوه، وهذا الغرض هو لكي تروى القصة في مساحة صغيرة، ولكي تتمسك بالتضمين وتعيش على غير المروي، بالنسبة لي وليكون هناك دافع مشترك مع كتابة القصة القصيرة، يجب عليها ان لا تستبعد القصة المايكرو لأنها ليست قصة قصيرة، فهناك اغراض مشتركة بين العديد من الاجناس الادبية، لا اعتقد ان من المناسب الاعتقاد بالجنس كنظام مغلق وهرمي، بدلا من ذلك يجب ان تكون الحدود بين الاجناس تبادلية ولا نهائية، فبعد كل هذا ليس هناك من مبرر لماذا لا يجب على النثر ان يمتلك عناصر الشعر، او يستخدم الشعر تقنيات النثر، او ان شيء ما يكون مستبعدا لأنه ليس شيئاً أخر.
سرقة التقنيات الشعرية، مقتطعا تقنيات النثر، تبدو مثل ذرية تحالف مشؤوم، ولكن بالحقيقة تستخدم القصة المايكرو افضل الاجزاء لكلا الجنسين، بالإضافة الى كونها جنسا ادبيا بحد ذاته، كما انها تعمل وتتحدث بطريقة جديدة ومختلفة لكلاهما (حتى وان بقيت مستخدمة لعناصرهما) انها جنس وبنفس الوقت جنس أخر، تناقض في الادب، مع ذلك فهي تمتلك اسلوبا خاصا وبعض السمات المشتركة، انها مبتكرة، وجديدة، ورغم ذلك مرتبطة وبطريقة واقعية باستخدامات اللغة عندما نتكلم، او نروي القصص شفاهيا، أو في الشعر. هي قديمة و(مابعد) حداثية، نثر وشعر، استعارية وعادية، انها ربما عن التناقض، لذا فالمنطق المحير لتعريف الجنس، والذي لا يمكن تحديده هو بطريقة ما لذيذ وواعي، وبعيد المنال دائما، انه احصاء كبير في مساحة صغيرة، انه الكلي بالجزئي، السفينة في القارورة، هناك الكثير مما يحدث داخل القصة المايكرو، والذي يشعرنا بانها اكبر من مساحتها الصغيرة على الورقة، فهي تمثل تحديا: لا تريد ان تكون محدودة، وان تستكشف، متغيرة ومتجددة، تريد ان يتم استخدامها. تبدو ميول القصة المايكرو السفاحية وشراكتها مستساغة، لذلك انزلقت في العالم الادبي مع اسئلة قليلة مجابة، يبدو ان لا احد يكتب عن ماهي القصة المايكرو: هم وببساطة يكتبونها.

الهوامش والاحالات
1- تركت النص باللغة الانكليزية لان الكاتبة تريد باستشهادها بهذا النص ان تؤكد على الشكل الخارجي واستخدام التقنيات الشعرية من وزن وايقاع والتي ربما ستكون غير واضحة عند نقلها الى اللغة العربية. (المترجم)
2- وهي اشارة الى الاسطورة اليونانية التي تحدثت عن ديدالوس المهندس والنحات وصانع المتاهة المعروفة والذي سجنه مينوس في متاهته الا انه صنع اجنحة له ولولده ايكاروس ليهربوا الا ان ايكاروس ورغم تحذيرات ابيه اقترب من الشمس وذابت اجنحته وسقط في البحر، والاشارة هنا الى ان القصة المايكرو ترفض ان تبقى عالقة بشكل واحد كما رفض ديدالوس ان يبقى عالقا في المتاهة. (المترجم)
3- (درابل Drabble) هو عمل قصصي قصير طوله حوالي مئة كلمة، الغرض منه الايجاز، واختبار قابلية المؤلف للتعبير عن افكار مهمة وذات معنى في مساحة محدودة. المصدر: ويكبيديا (المترجم)
4- احالات الكاتبة:
– Brown, Fredric (1948), ‘Knock’, http:// everything2.com /title/The +World%2527s+ Shortest+Horror+Story. Accessed 10 August 2010
– Casto, P. (n.d.) ‘Flashes On The Meridian: Dazzled by Flash Fiction’, http:// www. heelstone.com/meridian/meansarticle1.html. Accessed 10 August 2010.
– Edson, Russell (1996), ‘Dinner Time’, in J. Stern (ed.), Micro Fiction: An Anthology of Really Short Stories, London and New York: W.W. Norton, pp. 72–73.
– Forché, Carolyn (1996), ‘The Colonel’, in J. Stern, (ed.), Micro Fiction: An Anthology of Really Short Stories London and New York: W.W. Norton, pp. 84–85; and in S. Friebert and D. Young (eds) (1995), Models of the Universe: An Anthology of the Prose Poem Oberlin, OH: Oberlin College Press, p. 274.
– Friebert, S. and Young, D. (eds) (1995), Models of the Universe: An Anthology of the Prose Poem, Oberlin, OH: Oberlin College Press.
– Gwyn, Richard (2010), ‘Spartans’, Sad Giraffe Cafe, Todmorden: Arc, p. 12. Hemingway, Ernest (n.d.), ‘For sale: baby shoes, never worn’, http://www. wired.com/wired/archive/14.11/sixwords.html. Accessed 10 August 2010.
– Hempel, Amy (1996), ‘Hostess’, in J. Stern (ed.), Micro Fiction: An Anthology of Really Short Stories, London and New York: W.W. Norton, p. 100.
_____ (2004), Tumble Home, New York: Scribner.
– Howitt, Holly (2008), Dinner Time and Other Stories, Blaenau Ffestiniog: Cinnamon Press.
– Kotzin, M. N. (2005), ‘Flash Fiction: An Essay’, http:// www.percontra.net/flashfiction.htm. Accessed 10 August 2010.
– Manguso, Sarah (2007), Hard to Admit and Harder to Escape, San Francisco: McSweeney’s.
– Renshaw, C. (1998), ‘The Essentials of Micro-Fiction’, http://www.pifmagazin.com/1998/06/the-essentials-of-microfiction/. Accessed 10 August 2010.
– Shirane, H. (2008), Early Modern Japanese Literature: An Anthology, 1600–1900, New York: Columbia University Press.
– Stern, J. (ed.) (1996), Micro Fiction: An Anthology of Really Short Stories, London and New York: W.W. Norton.
– Thomas, G. W. (n.d.), ‘Writing Flash Fiction’, http://www.fictionfactor. com/guests/flashfiction.html.
– Thomas, J., Thomas, D. and Hazuka, T. (eds) (1992), Flash Fiction: 72 Very Short Stories, New York and London: W.W. Norton.
– Wallace, Ron (1996), ‘Worry’, in J. Stern (ed.), Micro Fiction: An Anthology of Really Short Stories, London and New York: W.W. Norton, p. 71.
– Yourgrau, B. (2009), ‘Thumb novels: Mobile phone fiction’, http://www.independent.co.uk/life-style/gadgets-and-tech/features/ thumb-novels-mobile-le- phone-fiction-1763849.html. Accessed 10 August 2010

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هولي هويت درينغ: كاتبة للقصة المايكرو والروايات القصيرة والروايات، تكتب كـ (هولي هويت) نشرت مجموعتها الاولى للقصص المايكرو عام 2008، وتبعتها برواية قصيرة (فتى المدرسة) عام 2009، وهي ايضا محررة في انطلوجيا القصة المايكرو 2010، كما انها محاضر اقدم بالكتابة الابداعية في جامعة بورتسموث- المملكة المتحدة

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: سيف ٌ في غرفة الضيوف على الجدار

واقفٌ يتباهى بسيف ٍ صائمٍ غمّدهُ الغبار صاح أصغرهم : هذا سيفٌ لا تخشاه طيور …

مسدس كاتم للوقت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

من بؤبؤ عين سحرية أترصد الوقت الجاثم على الباب كان يرتدي بِزَّةً عَسْكَرِيَّةً يبدو طويلا …

اقتباسات من أعمال الروائية “حنان الشيخ”

# يرعبني الشعور بأن علينا نسيان الشخص الأهم لدينا. الأوكسجين الذي كنا نتنفسه، بتره من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *