عباس خلف علي : الهروب نحو الأضواء

الهروب نحو الأضواء
عباس خلف علي
يقول سعيد بنكراد: إن التاجر القديم يختلف عن التاجر الحديث، الفرق بينهما لا يقتصر على الزمن بل على طريقة تصريف المنتج، القديم يتباهى بالنوعية من دون أن يضطر إلى الترويج عن بضاعته فهو يدرك أن المهارة تكمن في داخلها، بينما التاجر الحديث فهو كمي، وينشغل كثيراً بالإشهار والبحث عن مستهلك يلبي حاجته، المنطق التجاري واضح في هذا المضمار “أن لا فائدة للمنتوج من غير مستهلك” وهنا يتبادر السؤال : هل التاجر القديم كان لا يهمه المستهلك أو أنه كان يضع ثقته بالمنتج كفاعل عضوي لعملية الاستقطاب؟
أن اللافت في هذا التساؤل كم نحتاج إلى الثقة بمطبوعنا قبل الترويج له؟ فقد ذكر عباس محمود العقاد ، بأن ما نكتبه لا بد أن يروض روح التلقي ، الكتاب يحتاج إلى نزعة صوفية أثناء القراءة وطقساً حميماً ورغبة نفسية لا يشوبها الضغط والإكراه، هذه المقولة تلتقي عند أيكو في نطاق المعنى ، فلا تختلف أجواء القراءة لديه عن أجواء الكتابة، فكلاهما مشحون بزمن خارج الزمن الاعتيادي، فإذا كانت الكتابة عند بارت تحتاج إلى “قارئ مثالي يبحث عن قيمة ما يقرأ بوصفه مؤلف ثانٍ للنص” فما حاجة الترويج إذن؟ فهمنكواي، وسارتر، وألن باترون، وهرمان هسه، وآناتيل هوثرن، وماركيز، وروب غرييه، ونتالي ساروت، وكلود سيمون، وهاروكي موراكامي، وفارغاس يوسا، وبورخس، وفرجينا وولف، وباولو كويلو، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن منيف، والطيب صالح، وابراهيم كوني، وحنا مينا كان الناشر يقتفى آثارهم، وأحيانا يكون الناطق الرسمي للمؤلف، وبعضهم من يتحمل نفقات البريد المرسل إليه، كما ذكر محمد درويش في كتابه– سيرة غابريل غارسيا – إذ وصل الأمر بناشره الأرجنتيني أن يتحمل أجور نقل فصول رواية ماركيز- مئة عام من العزلة– وإذا جسدنا الصورة أكثر نجد أن بعض هؤلاء الناشرين كان يشعر بالفخر حين يحصل على مخطوطة المؤلف، ويعد ذلك مكسباً حيوياً لمهنته يضاهي فيها الحصول على الكنز الذي يتأمله.
بينما الآن أصبحت الصورة مختلفة عما ألفناها في واقع الكتاب وتفاعله مع القارئ الذي كان لا يحتاج وسيطا للقراءة، ولا ينتظر من أساليب الميديا لتحثه إلى اختيار عنوان جديد؛ لأنه بكل بساطة كان يثق بالكتاب والناشر على حد سواء، هذه المنزلة اهتزت بين الأركان الثلاث القارئ، والكتاب، والناشر؛ لأن من الصعب أن تعثر على ناشر يتميز بعرض المخطوطة لشروط التقانة الفنية، وهذا ما فتح الباب على مصراعيه لموجة غير مسبوقة من طوفان العناوين يصعب معها فرز الغث من السمين ، ساهمت هذه الموجة (الظاهرة ) إلى أزمة التشكيك وزعزعة الثقة بين القارئ والناشر، وأدت بالتالي إلى تدني مستوى القراءة، وفتور تداولها والأنكى من ذلك راح البعض يبحث عن الأضواء للترويج، ومنها التهافت نحو طريق الجوائز التي لا تمثل الحقيقة الساطعة لجوهر الكتاب المعني بغذاء الروح قبل كل شيء، وفي مقابلة مع الروائي الليبي ابراهيم كوني الذي فاز بجائزة الشيخ زايد 2007 للكتاب عن رواية – نداء ما كان بعيداً- يقول : أن ناموس الشيطان هو من يتحكم في الاختيار معللاً ذلك بأن العالم محكوم بالعلاقات والأهواء والرغبات، وهكذا نجد فيها محاباة يحركها ذلك الناموس، ولذا الحكماء يقولون أن النجاح رهين العمل الأبدي، أما المكافأة أو الجائزة فرهينة الحظ .
فمتى يمكن أن نستعيد الثقة بالكتاب من دون الحاجة إلى أضواء ؟!

شاهد أيضاً

قيس كاظم الجنابي: مقالة السيرة والموضوع.. قراءة في كتاب (مقالات في الأدب والثقافة)

-1- المقالة الأدبية فن نثري ، محدود الطول والموضوع ، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية …

شوقي كريم حسن: ولام العطار.. السرد المقهور؟

*منذ صباها، وجدت مدرسة فكرية تغذيها، وتجيب عن اسئلة الصبا التي كانت تحيرها، يمنحها المعلم …

العربي الحميدي: ما موقع شعر د. محمد حلمي الريشة وسط الحداثة الشعرية؟

صفة التفرد يقول الدكتور قاسم البرسيم عن التفرد في الصورة الصوتية في شعر السياب؛ يعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *