الرئيسية » نصوص » شعر » جمعة اللامي:آيات المنشق الميساني

جمعة اللامي:آيات المنشق الميساني

**إشارة**:يبترد المبدع الكبير جمعة اللامي ويقدم هذا الهذيان الآسر .. ستهبط دمعتان حارقتان حين تواجه هذا الحب الهائج الذي يختزنه هذا الكبير لنخلة الله .. ميسان .. وهو يجسد ذكرى رحمها الأمومي الفردوسي الباهر مقارنة بواقع المنفى الأجرد المدمر الذي يعيشه.. يذكرنا جمعة (الشامي) وبوفاء بفتى ذهبي من فتيان القصة العراقية أسلمناه إلى جحيم المنافي هو نعيم عبد مهلهل .. لو وضعت أحزان العراقيين على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ثقلها وخبالها.

joma_allame
جمعة اللامي في مكتبته المنزلية في الشارقة

(( الى : نعيم عبد مهلهل / احتراما له لمقاله في ميسان الدنيا ))

عندليب ذو جناح واحد

-1-
بين عيني ، في كل الاتجاهات ، أرى ذكرى ابتساماتك على ردن قميصي ، فتعودين من سفرك الطويل ،
كما أنت ،
مثل بلبل أخرس….
ها أنا أراك ،
أمينة مثل مقبض باب حجرتنا
.
-2-

عند شاطئ ” الحمرية ” كتبت قصيدة تليق بتنهدات رمل ” الذيد ”
أنشدتها بين يدي الغافات ، كما لو أنني كنت بلبلاً بجناح واحد ، خرب صياد غشيم عشه.
وحين رجعت إلى منزلنا الخالي من عباءتك ، ابتسمت لي ظلال زينتك.
وقتها ،
قلت لجناحي الآخر ، أنت – وحدك – الشعر
وميسان
-3-

” يا سبّاح روحي وماي عيني
يا حزام ظهري
يا كوصر الّربعة
يا لحنّة.
يا رازونة الجنّة
يا بقجة عرس
يا نخلة الله بطارف البستان ”

-4-

يا بستان شبابي وضوء عتمتي
يا عصاي في شيخوختي
أنا عندليبك الأعمى ، أطير نحوك بجناحي الواحد ، إذ لا أمل هنا ، هناك ،
سواك.

-5-

لا تغمضي عيني بعدما يهبط طائر نعاسي الأبيد
دعي الشمس تدخل إلى حجرتنا
واتركي نوافذ روحك مشرعة
لتسمع صخرتي أغنياتك

-6-

كنت شقيّة في العشرين
وها أنت آسرة ، كأنك طفلة السموات
في الخمسين

-7-

هلا تحرّيت منابت أصابع كفيك
وذاك الوشم الأزرق ، أنا هناك ، وحولك ،
اذ ترحلين من دون بلبلك ذي الجناح الوحيد ،
نحو سدرتنا .
أنا رصيف أفتقد أنثاه!

رؤيا

-1-

أغلقت المطارات أبوابها
وغيّب الأفق آخر سراجات الروح
” سيدتي روحي ابتردت ”
” هاك روحي ”
ولا شيء – اليوم أو غداً – سوى صافرات الحرس ، وهرير القطط تبحث عن فرائسها في شقق الرطوبة.

وحدي ارتقب الرجال الاثني عشر
يعبرون من بوابة تهج البلاغة
نزلوا من المركب المبرقع بدعاء صاحب الزمان
ثم صلّوا ركعتين عند بوابة الفردوس الجنوبي:
” ادفنونا بين نخلتين في ميسان ”
وختموا كتفي اليمنى بنقطة باء البسملة.

ها هو البار الصيني يسكت أضواءه
– والنور الأسود في قلبي –
فتخرج الساقية السوداء ، مدروعة الفستان من عند الصدر والركبتين ،
ترفع منديلها الأبيض السكران
وتومئ هامسة بما يشبه الهمس.
أخيرا ….. ، احتضنت السوداء رفيقها
” سيدتي روحي ابتردت ”
ولا أسمع إلا خفق صنادلها ، والليل يغيب آخر فنارات الروح.

-2-

وصيتي
“إذا ما متّ ادفنوني بين نخلتين في ميسان ”
” أبعدوني عن أبواب مكتب الجمارك ”
” وإن سألوا : لمن هذا الجسد المعطر بالحندقوق ”
قولي لهم : ” نخلة حلفت بالماجدية أن تدفن في ميسان ”

تقول سيدتي : ابتردت ، فهذيت ،
فأمزّق كفني ، وأبعث روحي طيراً
صارخاً في الوجوه التي تعرفني ،
مناديا : أمت .. أمت ، بوجه المخابرات الحزبية ، وكتّاب ” قانون تحرير العراق “.
” هو العراق .. يسكنني ”

تقول سيدتي : ابتردت حتى كدت تهذي ”
” سيدتي روحي ابتردت ”
” توسدني … ، فإني تعطّرت بالطلع ومرّ البردي ”
وتقول سيدتي :
” أين يرتحل الولد الميساني هذا المساء ؟ ”
” وجد الغريب المغتربة ”

سيدتي :
إنني أكتب وصيتي ، وانت وصيتي :
هل تعرفين وحشة أول الصباح ؟
هل حاورك نشيج نهايات الليل ؟
هل كنت غربة الروح عن الجسد ؟
هل طاردك الحرس القومي في ” صحراء السلمان ” ؟
هل كنت مائدة لنميمة الأحزاب الثورية المشتراة بالبترول والطائفية وخيانات ” نقرة السلمان ” ؟
هل حلمت بجثث الجنود القتلى في المستنقعات ؟
ماذا قرأت اليوم ؟
أنباء الحرب ؟ أم آخر قصيدة عمودية ؟
بيانات المنافي المعدّة في دوائر البنتاغون ، أم طالعتك بيانات الحرب الورقية ؟

سيدتي …
لن أكون إلاّ ميسان
وإذا ما متّ ادفنيني بين نخلتين بالماجديّة
وقولي إذا سألك موظفو الرقابة الصحية :
نخلة الله اشتاقت لأرض الله ،
وحلفت .. بالله ،
أن تدفن بين نخلتين ..
في ميسان.
الرولة

-1-

ببساطة
ببساطة متناهية ،
ببساطة متناهية وشديدة ،
ببساطة متناهية وشديدة جداً ،
أحبك
أحبك
أحبك

-2-

أيتها الرولة ،
أنت ، يا رولتي السوداء ،
يا روح نخلتي التي في ميسان ،
عندما تغلق الأبواب في وجهي
ويدرج مخبرو الأحزاب وحراس الأنظمة
اسمي على رأس قوائم المطلوبين
ويلصق البصّاصون صورتي على واجهات مطارات هذا الكوكب
سأفصد شرياني
وبدمي سأكتب أول حرف من اسمك
على بوابات ميسان

-3-

يوماً ما ..
عندما تخذلني شيخوختي
ولا يقبل الزمن صداقتي .

يوماً ما ..
عندما يهجرني الدهر
ويسخر الدود من بقايا ظلال ابتسامتي

يوما ما ..
عندما ييبس جلدي
وترتفع مساماته مثل أفواه براكين.

يوماً ما ..
حين أقرفص وحيداً
وتستعرض الأجيال رموزها بين يدي.

يوماً ما ..
حين أختار بعثرة روحي بين الموائد
ويقرّر النادل الهندي طردي من حانته

يوماً ما ..
عندما يواجه ” هعمج يمللّا ”
جمعة اللامي..
سأقف في آخر أرباض الساعة
لأطلق عليكم
تابوت سكينتي .
وزهرة ميسانية.

-4-

شبابي ..!
يا منقع العذاب ، وتنور الأحلام
أين أنت يا شبابي ؟
ها أنا ، حوار أصابه الحب مبكراً
وعافته العصافير
ولم تندبه حتى الفصائل
أرفع رقبتي ، أعلى من السماء الثانية عشرة
أرغي.
أرغي ، ولا أحد يسمعني
فلا أحد سواي
في هذه البرية!

-5-

مسّني إبليس بذيله
ومضى ،
وحين أدركته ، نزع قناعه
وأراني وجهه.
قلت له : والآن ، ماذا تبقى لديك ؟
قال : أنت الوحيد الذي لم ينبذ ؟
والوحيد الذي لم يعترف
والوحيد الذي هزمني
عند مائدة في ” غاردينيا “.

-6-

أيتها الرولة
تلك هي اشكالاتهم
حرية النابذ ، والمعترف ، والدليل إلى الأوكار.
وهذه هي أشواقي :
ميسان !

-7-

أيتها الرولة ..
ماذا يقول الجذر للأرض ؟
وماذا قالت الأرض للجذور ؟
ميسان .

-8-

أحبك
ضيفان

-1-

لن أطلب القمر
لا ، ولا الشمس.
التيجان للملوك ،
عصا الحرب للجنرالات ،
والمجد – كل المجد – للرؤساء .
أشتهي ، فقط …
خصلة من شعرك .

-2-

حتى لو بلغت آخر العمر ،
حتى لو قذفت مدبّرة الملجأ
بجسدي الشائخ إلى الخارج
بكيس قمامة ..
سأهتدي إليك.
ومثل جرو أعمى
فصل – الآن – عن أمه النفساء
سأتشمّم قدميك
وأبكي

-3-

في تلك الساعة .
في تلك اللحظة التي عرفتك فيها
رجمت هذا العالم
بقلب ماموث .
.
-4-

قلبي مقبرة أطفال
وانت سياجها.

-5-

لماذا يذكرني بك المطر ؟
لماذا ، أنت ، طعم السّعد ، ونظرة من قبر العبّاس ؟
لماذا ألقاك في كل المطارات ؟
لماذا ؟
يا ” نخلة الله ” :
أطلقيني ،
أطلقيني ،
من بين أصابعك .

-6-

إختبلت.
نعم ، ها إني أعترف : في ذلك اليوم الماطر من ” نوفمبر ” إختبلت.
رأيتك في شارع ” محمد الخامس ” تسيرين تحت المطر ، بلا مظلة ، وبلا نقاب .
ماذا أقدم لك ؟
في الطريق إلى صالة الفندق تخلصت من سترتي .
وحافياً وقفت أمام بائعة الورد . ابتعت زهوراً ، وجريت خلفك.
ألا يحق لي أن أختبل خمس دقائق فقط ؟
نعم ، اخترت الخبال دقائق معدودات .
وهكذا : اقتربت منك ، عاينت حذائيك المبللين بالمطر ،
وتقصّيت حبات المطر فوق شعرك الأسود ،
واستنشقت عطرك مبتهجاً بذلك المطر المغربي.
سبقتك خطوتين ، ووقفت أمامك : سيدتي .. سيدتي . وأنحبس صوتي .
ـ سيدتي ..
وسمعتك تقولين لرفيقك :
ـ ماذا يريد هذا المجنون ؟
اللحظة ، صرت الخبال نفسه : رميت الأزهار ، واحدة بعد أخرى ، فوق رأسك .
آه لو تعرفين ، كيف كنت حينها : وردة جوري ميسانية !
ـ ماذا يريد هذا المجنون ؟
سمعتك مرة ثانية .
وكنت مجنوماً بالزهور رقدت على أرض الشارع . زهور تعفّرت بالطين ، وسحقتها الأحذية ، ولوثها بصاق السكارى.
أخذت أجمع زهوري ،
زهرة بعد زهرة ،
من بين الأقدام ، وسط سخرية المارة ، وضممتها إلى صدري .
كانت زهوراً معفّرة بالطين ، سحقتها الأحذية ، وبصق عليها السكارى.
وكنت أصرخ :
أنا .. آخر مجانينك .

-6-

عند القجر قصدت مقهى ” بغداد ” . اقتعدت الأرض ، وتوسدت دكتها البليلة ،
ونمت.
حلمت بانثنتين : بك .. وبميسان .
أنت المطاف الأخير
وميسان …
آخر الدنيا.

-7-

في الصباح أستيقظت على مواء : كانت قطة صغيرة عمياء ، تتقدم مني على ثلاث أرجل .
اجتمع المقهوران : ألقيت بكل زهوري ، على قطة عرجاء .. لا تبصر .
كان ثمة شرطي يرقبني .
سمعته يقول :
ـ ماذا يريد هذا المجنون.

-8-

بأصابع كفّي اليمنى استخرجت قلبي من صدري
ورجمت به هذ