عبد الزهرة علي : وهم البنفسج

وهم البنفسج
عبد الزهرة علي

في اللحظة التي اجتزت فيها الباب الزجاجي الكبير الذي يفتح كهربائيا , نفحتني نسمة هواء رطبة . في هذا الزحام الشديد , وقفت في الركن القريب من الباب الخشبي الذي يعلوه جرس يرن عند اجتيازه , لكن ّ صوته ضاع في الضجيج الصاخب . شرعت أفتش عن مكان فارغ , لاح لي كرسي فارغ منتصف الكازينو , لكن في اول خطوة خطوتها , رأيت رجلا عجوزا يتكأ على عصا طويلة يتجه صوبه , تراجعت إلى موضعي الأول متخاذلا . كان اغلب الجالسين من كبار السن الذين يتمتعون بالفرجة , وبعض الشباب الذين أتعبهم البحر , يقضون وقتا ممتعا بتناول المرطبات وهم يتبادلون الحديث والضحكات بصوت عال . أخيرا عثرت على كرسي وراء منضدة دائرية , زاويته وفرت لي مشهداً بانورامياً لشاطئ البحر . ساح نظري مع حركة الفراشات المتطايرة تحت المظلات وبين الامواج . كانت ألوان الأجساد وتصاميم المايوهات تأخذني الى دروب المتاهة , حتى أنني لم استطع التوقف على إحدى المثابات العالية التي يجري اليها اريج العطور وتقاسيم الاجساد . الافق يجمع زرقتي السماء والبحر , تنعكس الوان متشظية منهما على وجه الماء المتباطئ بأمواج هادئة . كانت الشمس تضرب الاجساد المستلقية على رمال الشاطئ لينعكس اللون البرونزي من اجساد الحوريات اللواتي اخذن اوضاعاً شتى , كان الشاطئ مزدحما بجنسيات متنوعة , فيها الابيض والاسود والاحمر والاصفر …
ثمة طفلة ترتدي مايوهاً وردياً تقفز بين المظلات , حاملة بيدها كرة ملونة , سقطت الكرة من يدها وتدحرجت صوب فتاة مستلقية على ظهرها تحت مظلة واسعة وقد وضعت نظارة سوداء على عينيها . هرولت الطفلة باتجاه الفتاة المستلقية حتى وقفت بالقرب من وجهها , بقيت تحدق في وجه الفتاة التي لم تعر اهتماما لها فاستدارت ثم ركضت وهي تنظر وراءها …
شدني اول وهلة ذلك الاستلقاء المسترخي لتلك الفتاة , كان اتجاه نظارتها الى السماء . لم استطع تخمين عمرها من مكاني هذا , المسافة التي تفصلني عنها تتيح لي رؤية تفاصيل جسدها لكنها لا تتيح تفاصيل الوجه والرقبة . ارى بياض البشرة , الشعر الاصفر المنسدل حتى الكتفين . خمنت عمرها بين الخامسة والعشرين وحافة الثلاثين , لا اعرف بالضبط ما هو الشئ الذي دفعني لتخمين العمر . لكن الذي جعلني أخوض في تفاصيلها ذلك التغاضي المتعمد من قبل الرجل الجالس على كرسي بجانبها , وهو يلهو بتصفح كتاب كبير , واضعاً سيجارة من النوع الكوبي في فيه . ينفث دخاناً كثيفاً على وجوه الفراشات الراكضات حافيات الاقدام على رمل الشاطئ , لكنه والحق اقول في بعض الاحيان يغلق كتابه نصف اغلاقة ويتلصص عليها كأنه يتذكرها فجأة …..
في لحظة الانتباه لذلك الاهمال , شعرت بوخزة في فؤادي . ذلك الجسد المسترخي على بساط اخضر بانحناءته وتقوسه الذي يغطي صدره حرير اصفر منسرح يثير الفتنة والسحر , ليس بغريب عني . لعلي أدركت في تلك اللحظة الاستثنائية التي أنستني ماكنت اشعر به من توجس على بلدي وامي , اللذين تركتهما في سعير نار محرقة , أنني اعيش خارج الزمن . لقد تكاملت الصورة التي رسمتها ذات يوم في ذهني لتلك الحورية التي تحدثني في هدأة الليل في الفيس عبر العالم الافتراضي … هكذا إذن … هذا الرجل الذي يهملها , يدفعها الى البحث عن رجل اخر ……
برهة حجب مرور إمرأة ثخينة الفتاة المستلقية عن ناظري , وهي ترتدي سروالا فضفاضاً بالكاد يصل الى ركبتيها , بانت مثل خيوط زرق . اشمئزت نفسي منها وتساءلت بصوت خافت ( لماذا لم ترتدي سروالا اطول لتغطي اوردتها وتقلل من بشاعة مظهرها ؟ لكن القبح يبدأ هجومه الصارخ ليصبح منظراً مألوفاً حينما يطغي الجمال الذي لم يتوقف عن الظهور بمظهر جذاب …) .
انزاحت الغمامة السوداء لتلك المرأة الثخينة , ظهرت المرأة المستلقية بإسترخاء . شعرت بصوتها الدافئ الذي يتسلل الى نفسي وأنا أقرأ ما تسطره بأناملها على صفحة الفيس بوك , لم تنشر صورتها الشخصية لأتبين ملامحها , فقط لوحة سريالية . اعيد تشكيل الخطوط والالوان , لكني لم افلح في ترتيبها كي تتجانس وتشكل وجهاً اناغيه في خلوتي . لذا نسجت صورة وهمية في خيالي , اتسامر معها واقتل وحشتي التي مزقت انيابها خيوط ضياء ايامي في وقت إنتصاف الليل , بعد ان يرقد الضجيج ومشاكسة هموم القيظ . توهمت في أحد أيام الجمع بأني اصطحبها معي الى شارع المتنبي . هناك في قيصرية حنش جلست في كرسي وسحبت اخر قبالتي … ناديت على حافظ ( بائع الشاي ) أن يأتي لي بقدحين من الشاي وقنينتين من الماء البارد . سرحت كثيراً معها أحدثها عن بغداد وجمال دجلة وطيور النوارس , عن الحب والجمال ومشاكسة القبح وأنياب الذئاب , عن الأحلام المؤجلة والحمائم المذبوحة , على كل ما أريد وما اجبر عليه ومقاومتي الضعيفة …. ندهني احدهم :
_ شنو … كاعد لوحدك ؟
بعد أن كرر سؤاله اكثر من مرة , رددت عليه من غير تردد
_لا … عندي ضيف
اجابني ضاحكا
_ يمعود … الكرسي قبالتك فارغ …
ها هي التي رسمتها في مخيلتي مستلقية امامي جنب الرجل الذي اهملها . ربما عندما كانت تحادثني في تلك الليالي تنوي قتل هذا الاهمال وتنتقم منه …بالتأكيد أنا غير متيقن من حبها لي ( بكل ثقة أنا مولع بها حد الهوس ) ففي العالم الافتراضي كثير من الاشكالات , محشو بالسخافات , رغم الجمال السائح بين ثناياه …
المفاجأة كبيرة ذلك اليوم , حيث ارسل مدير دائرتي موظفاً من مكتبه وهو يطلب حضوري اليه بسرعة . أنا لم افعل شيئا مخالفاً للنظام , ومواظب على الدوام بصورة جيدة , حتى اني في احيان كثيرة اتأخر عن موعد الانصراف . لم ارفع عيني بوجه اي فتاة , انا رجل يخاف ظله . في الغرفة الواسعة غاصت قدماي في سجادة صوفية ناعمة , تحيطها ارائك جلدية بلون اسود . ضياء المصابيح ينبعث من زوايا متعددة , قبالتي بالتمام يقبع مكتب المدير الفخم المصنوع من خشب ايطالي صقيل تحت نور باهر , كانت عيناه تزوغان خلف نظارة طبية مربوطة بسلسلة ذهبية حول رقبته . وقفت على عتبة الباب برهة وقد ازدادت مخاوفي , لكن بعد ان قابلني بأبتسامة عريضة , تبددت مخاوفي وقلّ ارتجاف اوصالي , وجعلتني اعيد توازني … اشار لي بالجلوس وقد تململ في كرسيه الوثير ثم قال :
_ عندنا إيفاد الى بلاد جميلة تقام فيها دورة اساسية في اختصاصك , توقف عن الكلام قليلا ثم اردف : ووقع اختياري عليك , الكثير من زملائك في الاختصاص تكالبوا عليها لكن أنا اريد ان تثبت جدارتك وكلي ثقة بذلك …
سألت نفسي وأنا اغادر غرفة المدير ( كيف عرف المدير كل ذلك وقد نقل الى دائرتنا حديثا ؟ ) . في الممر المؤدي الى غرفتي قابلني زميلي في المكتب وهو خارج وبيده رزمة من الاوراق . ( بشر خوما اكو شئ ) ابتسمت في وجهه وقلت ( يعني تريد ايصير شئ ) , تركته في ذهوله ودخلت الغرفة . هناك تفتحت اساريري وابتهجت نفسي , لأني عرفت البلد الذي اسافر اليه هو بلد حبيبتي المفترضة عبر العالم الافتراضي في الفيس بوك ….
كم كنت سعيدا وأنا اطرق باب بيتنا , فتحت امي الباب بسرعة وكأنها تنتظري وراءه . احتضنتها ودرت بها دورة كاملة امام حديقتنا الصغيرة , لأول مرة اثارت انتباهي تلك الزهور البنفسجية وهي تضحك بوجه الشمس , تركت امي و خطوت في تراب الحديقة احتضنت الزهور التي استقبلتني ببشاشة , شممتها وأنا اغني بصوت عالي اغنية عبدالحليم حافظ ( احلم بيك … انا بحلم بيك…) . صرخت امي مستغربة ( خير إن شاء الله … اتخبلت …) , بعدما عرفت امي سبب سعادتي انكمشت على نفسها , واتخذت زاوية على اريكة قديمة . وضعت رأسها على كف يدها المتكئة على مسند الاريكة , اخذت تولول وتتكلم بصوت خافت لم اسمعه ثم صرخت ( شكد تبقى هناك ؟ ) . اجبتها وأنا اشير بسبابتي ( شهر واحد ) , ردت عليّ بزفرة حارقة ( ياالله …اشلون يخلص الشهر واني وحدي بالبيت …) . خطوت نحوها , قبلت رأسها وهمست في اذنها بتحايل ( ما تحبين لأبنك حبيبك أن يرتاح شوية ويشوف الدنيا , لو تردينه يضيع بهاي النيران المشتعلة ) . دفعتني بكلتا يديها وهي تحدق بوجهي ثم قالت بصوت يشوبه الحزن ( اسم الله عليك يمه … بعد الشر … ثم عدلت من جلستها وصرخت … يعني لو هيج … لوهيج … لو تتركني لو يصيبك شر ).
دخلت غرفتي , خلعت ملابسي ثم اتجهت صوب الحمام . كان رذاذ ماء الدش يزيدني انتعاشا , جاءتني الصورة التي حفرتها في خيالي , اخبرتها بصوت خافت ( بعد ايام سأكون في بلدك , ندور في الشوارع , نسهر الليالي , سوف ترشدينني الى كل المعالم المهمة هناك , لأول مرة سأشم عطرك … هل حقا ستلامس يدي أناملك الترفة التي حفرت تلك الجمل الرقيقة التي جعلتني اطير في فضاءات الوهم . كانت الصورة لا تجيب , فقط ارى ابتسامة خفيفة مرسومة على وجهها . اخذت المنشفة , مسحت جسدي وخرجت …) .
رجعت الى غرفتي اتقلب على سريري وقد عاندني الزمن في مسيره , جعل قدماه تخطوان بتعثر وتمهل , اضع يديّ وراء عجلته , ادفعها بدون جدوى . الوقت يسخر مني وهو يمشي بتثاقل ضاحكا . متى يأتي منتصف الليل , موعدنا للتحادث عبر الفيس بوك . بعد بضعة ايام سأكون في بلدها , سأرى لحمها ودمها , ربما اتفاجئ في محراب جمالها بأشياء اخرى اكثر جمالا , لم تستوعبها الصورة التي رسمتها , غنجها … ثقافتها … اهتماماتها …
بالتأكيد سأصحبها الى الاسواق ابحث عن ذلك الفستان الذي رسمته في صورتها , بفتحة زيقه المرسومة على شكل ( v) التي تتيح لنهديها النافرين أن تشعلا النيران في داخلي … في الوقت ذاته اضاء الحاسوب , قرأت على صفحتها ( اعتذر من الأصدقاء كافة لغيابي الاضطراري … هو ظرف خاص … تحياتي ) . صعقني الاعتذار , بقيت برهة ساكنا إمام الصورة السريالية وسط صفحتها … بعدها كتبت على الخاص ( أخيرا ضحكت لي الدنيا , وفاح عطر الإزهار , بإختياري ضمن المجموعة التي ستلتحق في الدورة الأساسية في اختصاصي ( التنظيم الاداري ومكافحة الفساد ) التي تقام في بلدكم . كم كان الحلم بعيدا ..؟ احقيقة سوف اقابلك وارى ملامح وجهك , واتعرف عن قرب على خصائص الفتاة التي اطربتني كلماتها عبر العالم الافتراضي ؟ العالم الذي يحتمل الصدق والكذب … ذلك العالم الذي جعلني اهيم في متاهات الحلم … سأزور بلدكم بعد يومين واتحقق من وهم اسعدني , وعالم شوش مشاعري . زهور البنفسج في حديقة منزلي هي الاخرى حلمت بأناملك تلامس اوراقها , لذا اودعتني تحياتها لك . يوم الخميس القادم , الساعة الرابعة عصرا , سأحل في مطار عاصمتكم , كل أمنياتي أن تقراي كلماتي هذه وتنتظرينني هناك . كم أنا مشتاق لرؤيتك , لقد قتلني الوجد… ) ثم اغلقت الحاسوب . قلت في نفسي ( لعلها تقرأ ما كتبت قبل إنتهاء الدورة …) سحبني من هذياني هذا , نادل وسيم يرتدي بنطلون اسود وقميص ابيض وربطة عنق حمراء , يحمل على ساعده الايمن منديل حريري . انحنى قليلا وسألني بصوت دافئ …
_ اهلا وسهلا … شو بدك استاذ …
_ من فضلك … ماء بارد , وفنجان قهوة ( سادة )
__ تكرم سيدي ….
انحنى ثانية وانصرف , احسست بالزهو يغزو نفسي , همست بداخلي ( عسى ان تكون القهوة شفيعا لأسترجاع صفاء ذهني ) .
على حين غرة رأيت الرجل الذي يجلس بجانب الفتاة المستلقية والتي اعتقدها حبيبتي يقف متوثباً , يستقبل فتاة غاية في الجمال , يصافحها بترحاب واضح , بقيا يتحدثان وهما في انسجام تام , أميل بنظري الى الفتاة المستلقية , اراها لا تبالي ابداً , ونظارتها السوداء شاخصة الى السماء …
جاء النادل الوسيم بصينية صفراء وضع فيها قدح من الماء وفنجان القهوة وقد اضاف إليهما ابتسامة عريضة
_ تفضل سيدي
وضع ما في الصينية فوق المنضدة واستدار راجعا , تململت في الكرسي الاسفنجي وأنا احدق في فنجان القهوة امامي . .رأيت امي في المطبخ يوم سفري وهي تصوب نظرها في نقطة لم تجد حدودها في المكان , نقطة لا استطع الاستدلال عليها حيث كانت امي غائبة تماما . لم تنتبه الى الشاي الفائر فوق نار الطباخ , بعدما سمعت خطواتي تضرب بلاط المطبخ , انتبهت . سارعت الى ازاحة ( قوري) الشاي عن النار وهي تلعن الشيطان الرجيم . قبلّتها على رأسها واعتذرت منها مرة اخرى , توسلتها أن تكون راضية بسفري . تبعتني الى الباب الخارجي وهي تتلو عليّ وصاياها التي لا تنتهي , أهمها أن لا تأخذني منها إمرأة اخرى . كانت امي تحمل ( طاسة ) ماء طشتها خلفي وأنا اجتاز عتبة الباب …
في اللحظة ذاتها التي اردت بها ارتشاف قهوتي , إلتفت الى جهة الفتاة المستلقية , رأيت الرجل يرجع الى مكانه والفتاة التي كانت تحادثه دلفت راجعة بأتجاه باب الفندق أما الفتاة المسترخية في اضطجاعها ما تزال في عالم اخر غير مبالية بإهمال الرجل لها …بقيت في حيرة من امري , كيف الوصول اليها ؟ هي رأت صورتي على وجه صفحتي في الفيس بوك , هل ستعرفني إذا دنوت منها ؟ ربما ينهرني الرجل الذي يجلس جنبها , ما هو تبريري وما هو عذري …في لجة التفكير بين الوهم والحقيقة اخذت حبال تأرجحني , اهيم في دروب الخيال باحثاً عن حصان طروادة يخفيني عن عيون المتربصين كي افتح قلاع مدينة الوهم . تغيب صور الجالسين من حولي , هي وحدها المستلقية على ظهرها تناديني , تومئ بيدها الممدوة الى جانبها , تستحثني للبدء في الخطوة الاولى بأتجاه اليقين . اغيب في متاهات الوصل , ابحث عن وسيلة توصلني اليها حتى لو امتطيت امواج اللامعقول . … رأيت الجالسين حولي يتحولون الى اشباح يتلاشون , احسست بأنً جسمي بدأ ينضم الى بعضه , بأنحناءتي الى فنجان القهوة , اصابتني الدهشة . لقد رأيت اطرافي السفلى تتلاصق مع بعضها وتصبح مثل ( صوندة ) الماء , اطرافي العليا التي حركتها لأمسك الفنجان , توقفت وتلاشت مع جذعي , يالله … ماذا اصابني … لساني صار رفيعا وطويلا وهو لا يكف عن التلمظ … عيناي اصبحتا صغيرتين على جانبي رأسي الذي بدل شكله , اصبح جسدي اسطوانة لحمية وجلدي لينا ناعما . انسللت الى تحت المنضدة وزحفت على بطني الى رمل الشاطئ, وأنا ازوغ بمهارة عن الاقدام الراكضة كي لا تدوسني , كنت كل ما افكر به هو الوصول الى حبيبتي دون أن يراني احد …وكيف اجتاز تلك المسافة التي لا تقاس بالامتار بل بمقدار اللهفة التي احسها , مسافة تفصل الحلم عني . قررت الزحف بين حبات الرمل كي اتيقن من أنّ السراب ماء , وإنّ الظلمة التي تغطيني ينزوي فيها قمر وراء غيمة ظنوني , لا بد أن تكون هناك حقيقة اتلمسها . خضت في اوهام التخيل ابحث عن قشة رسمتها ذات يوم في ذهني , اتخبط في وسائل الوصول , مثلما تخبطت في اتخاذ قرار واضح صباح اليوم بعد أن انهيت محاضرة الدورة . اتفق زملائي ان يذهبوا الى السوق لشراء بعض الهدايا , الذين سخروا مني وهم يقولون ( انت بطران , وحده اتعرفت عليها بالفيس وتريد تلقاها , و عايف هاي النسوان , المليانة الشوارع بيهن… ) . المشرف على الدورة منحنا يوماً للحرية , قال تمتعوا على سواحل البحر … هناك الشمس رائعة والنساء ….لم يبق سوى يومين لحزم الحقائب والرجوع لنيران بلدنا الملتهب . لقد كنت مترددا بين الذهاب معهم أو البحث عن حبيبتي المفترضة … اخذت حماما باردا وارتديت ملابسي على عجل , وجدت خطاي تجرانني الى شاطئ البحر حيث الفراشات المتطايرات على الرمل وبين المظلات , ابحث في وجوههن عن وجه حبيبتي …. ياللهول … لقد قام الرجل بعد أن اغلق كتابه ورمى عقب سيكارته , انحنى على الفتاة المستلقية بجانبه . مد يده اليمنى تحت ظهرها , اخذت الفتاة المستلقية بأسترخاء تنكمش على نفسها . سحب الرجل يده ثم ضغط بكلتا يديه على صدرها . تلاشت تفاصيل الجسم المنحوت , غاب جماله واصبحت ورقة من نايلون ملون . طوى الفتاة من اسفلها الى اعلاها … يا الهي … هل اصدق ما ارى … بعد ان انهى تصفيف طياتها وضعها في علبة كارتون مرسوم عليها دمية مستلقية على ظهرها وهي ترتدي مايوها . جاء يخطو بإتجاهي والفتاة مدفونة في العلبة تحت ابطه ….

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *