الرئيسية » ملفات » أ. د. علي ناصر غالب : لغـــــــة الشِّعر عند الجواهـــــــري (2/1) (ملف/24)

أ. د. علي ناصر غالب : لغـــــــة الشِّعر عند الجواهـــــــري (2/1) (ملف/24)

إشارة:
مرّت ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق.

الفصل الثاني 
النزعـــــــة الخطابيــــــــــــة
ومظاهرها اللغوية

يُعدُّ الجواهري شاعراً جهيراً تَطغى على ِشْعرِه النزعةُ الخطابيةُ وهي صفةٌ بارزةٌ في شعره تعكس التكوين النفسي والعاطفي اللذين يتميزان بالحِدّة والعُنْف، هو كذلك في نتاجه على اختلاف المضامين الَّتي ضَمَّها، فالعاطفة الجَيَّاشة الَّتي ينهض بها خيالُه الخِصْبُ إلى جانب طاقته اللُغَوية الهائلة الَّتي تحقق أشكالاً لُغَوية تقوم على التنوع في الأساليب ولا سيَّما أساليب الطَلَبَ الَّتي تنتشر في النَّصِّ الشِّعري انتشاراً واسعاً لتُفْصِحَ عن شاعر عنيفٍ في خطابه حتَّىفي قصائد الغزل الَّتي تتطلب نَبْرَةً رقيقة في مخاطبة المرأة لذلك أكْثَرَ من استعمال تلك الأساليب نَحْو أسلوب الأمْر والنهي والنِّداءوالاستفهام وغيرها.
إنَّ حِدَّة الانفعال والمزاج العنيف يَطْفَحانِ على السَّطح من غير ما حاجة للغور على أعماق النص فهي توميءُ إليك من خلال وسائلَ خطابية عديدة يستعملها الشَّاعر وذلك ينسجمُ تماماً وحدّة المزاج الَّتي ذكرها الشَّاعر في اعترافاته غيرَ مَرَّةٍ( ).
وإذا دقَّقنا النظَر في النَصِّ الشِّعري للجواهري فسنجد أكثر من علامة لُغَوية وأسلوبية تَدِلُّ على هذه النزعة، فالشَّاعر في معظم قصائده يُكْثِرُ من الضَّمائر الَّتي تدل على المخاطب نحو كاف الخطاب وياء المخاطبة وتاء الفاعل للمخاطب والفعل المضارع المبدوء بتاء المضارعة وفعل الأمر المسند إلى ضمائر الرفع.
ويتنوَّعُ المُخاطَبُ في النَصِّ الشِّعري حتَّىفي القصيدة الواحدة على حين يبقى صوتُ الشَّاعر هو الطرفَ المسيطِرَ في الخطاب يوجِّهْهُ أنّى يريدُ ويبقى متفرِّداً فالحديث يجري على لسان الشَّاعر سواء أكان موجَّهاً إلى الآخرين أم إلى نفسه( ).
فالمُخاطَبُ على سبيل المثال وليس الحصر يكون واحداً أو أكثر ممّا يأتي:
‌أ- عناصر بشرية كما في قصائده ( تنويمة الجياع، وسائِلي عمّا يؤرِقُني، وما تشاءون، وأبو العلاء المعري، وجمال الدين الأفغاني).
‌ب- عناصر طبيعية: يا دجلة الخير، وادي العرائش وغيرهما.
‌ج- عناصر جامدة بعد أنْ يضفي عليها صفات الأحْياء كخطاب المُدُن والبلدان مثل قصيدة الجزائر، وإيهِ بيروت، ولبنان يا خمري وطيبي، وبراها، وفر صوفيا وباريس وسواستبول.
‌د- عناصر مجرَّدة يُشخِّصُها الشَّاعر ويوجِّهُ خطابَهُ إليها نحو: أيها الأرق، وأطْبِقْ دجى وسلاماً عيد النضال، وأيها الوحش أيها الاستعمار.
هـ الشَّاعر نفسه وذلك حين يُجرِّدُ الشَّاعر من نفسه شخصاً يحاوره ويتحدَّثُ إليه فهو المخاطَب والمخاطِب في آنٍ واحدٍ وتَمثَّل هذا في قصائده القائمة على المناجاة نحو: يا أُمَّ عوفٍ، يا نديمي، يا غريب الدار، أَرِحْ ركابَكَ، يا بن الفراتين، الشيخ والغابة.
واللافت للنَّظَرِ أنَّ الشَّاعر في أغلب قصائد الرثاء يتوجه إلى المرثيّ بخطاب لا يختلف عن خطاب الأحياء وذلك باستعمال ضمائر المخاطب مما يعبر عن حدة انفعال الشَّاعر وقرب المتوفى منه إلى الحد الذي يجعله طرفاً في خطابه ويعقد حواراً معه، من ذلك قصائده الَّتي رثى فيها الرصافي والزهاوي والأفغاني وعبد الناصر.
ولذلك لا يخلو النص الشِّعري من مخاطب لانّ الشَّاعر بطبعه ميّال إلى محاورة الأشياء فيتخيل مخاطباً يوجه الحديث إليه كما فعل في قصيدة الذكرى أو دمعة تثيرها
الكمنجة( ) فاتَّخذ الدمعة بعد تشخيصها مخاطباً في القصيدة.
ويوظف الشَّاعر عناصر غير حية لتقوم مقامه في توجيه الخطاب أو يتحدث على لسان الآخرين كما فعل في ( أفروديت )( ) إذ تقوم وصيفتها “جالا” بتوجيه الخطاب عبر أغنية تصف فيها مفاتن سيدتها وصفاً استجمع فيه الشَّاعر طاقته الحسية الهائلة.
وعلى الرَّغم من أن هذا النمط من الخطاب قليل في شعر الجواهري لكنه يتميز بالبراعة وندرة التناول للموضوع.
وقد تحدث ت . س إليوت عن الصوت الثالث في الشِّعر( ) وهو صوت الشَّاعر الذي يأتي عبر شخوص يترك لها المجال لتقود الخطاب في القصيدة وعدّ هذا الضرب من التعبير صفة من صفات الشِّعر الملحمي غير أن الجواهري لا يطيل في هذا المضمار إذ سرعان ما يتولى توجيه الخطاب بنفسه أو ينهي القصيدة عند حَدٍّ معين.
ونتبين من بعض قصائده انه يتحدث بضمير الغائب إلى الأشياء ويحاورها أو انه لا يقصد أحداً في خطابه لكن حقيقة الأمر تظهر بعد لأي حين يقحم نفسه فينتقل من الغيبة إلى الخطاب مباشرة لإثارة انتباه المتلقي وكأنه لا يطيق الابتعاد عن المخاطب، وصنيع الشَّاعر هذا يتحقق في قصائد عدة منها قصيدته: “الشيخ والغابة”( ) فهو يتحدَّثُ عن الشيخ، ويعني نفسه بصورة الغائب في جُملٍ خبريةٍ عدَّة ثُمَّ يتحول إلى المُخاطَبِ بقوله:

آهٍ يا شيخُ !
وكم تحسبُ أنْ سوفَ تعيشُ
آه.. لو مُدّتْ من الغَيْبِ…
يدٌ خَلْفَ حجاب
حاذف النصفَ من الخمسين..
من عمر كذوبٍ..
كالسراب
آه يا شيخ !
ومَنْ يُدْنيك من عهد الشباب !
ويمضي الشَّاعر إلى نهاية القصيدة في نَبْرَةٍ خطابيةٍ واضحة يغمرها التَّحسُّر والتمني، نلمِسُها من خلال استعمال النهي في:
“لا تَحُمْ
كاللِّص مذعوراً”
وفي استعماله الضمير “أنت” وكاف الخطاب والنداء:
“أنت لا تَسْطِيعُ أن…
تقطفَ عنقوداً تدلىّ بالعريش !
ألفُ كفٍّ للشباب الحُلْْو..
أولى مِنْك في..
هذا الشراب !
آه يا شيخ !
لو اسطَعْتَ…
رجوعاً للشباب !
ويفعل ذلك في قصيدة “ظلام”( ) فيتحدث إلى مَجْهُولٍ عن الغائب ويقول:
ظلامٌ يفورُ… ونجمٌ يغورْ
وزنجيّ ليلٍ يخيفُ الدهورْ
حمولٍِ لثقل الدَّياجي صبورْ
كأنّ ثناياهُ عشُّ النُّسورْ
كأنَّ المجرّةَ فيها بثورْ
ويستثمر الشَّاعر ما في “كأنَّ” من طاقة في حشد صور تشبيهية عديدة بعضها يتصل ببعض ثُمَّ ينتقل إلى المُخاطَبِ بقوله:
أجل أيها الفلك العاصفُ
سمعناك:
يا أيها الهاتفُ
أجل أيّها الغَرَبُ القاصفُ
أجل أيّها المُرْعَبُ الخائفُ
ويحشد الشَّاعر لوازم خطابيةً عديدةً في القصيدة نفسها ابتداء من حرف الجواب
“أجل” كأنه جواب أو صدى لانفعالاته الحادة الَّتي يوحي بها ظلام السجن الذي كان فيه ساعة نظم القصيدة فيتقمص شخصية القادر على التصرف في مظاهر الطبيعة وكأنه مسيطرٌ عليها من خلال توجيه النِّداءوالأمر وما شاكلهما من وسائل الخطاب فضلاً عن حرصه على تنويع المخاطب من خلال تنوّع صفاته نحو:
أيُّها الفلكُ العاصفُ
***
أيُّها الغَرَبُ القاصفُ
***
أيُّها الصاعقُ الأجوفُ
***
أيُّها الشارقُ الأغدفُ
ومن خلال توجيه الأمر بأستعمال أفعالٍ أمريةٍ بقصيدة “أَطْبِقْ دُجىً” تلك الَّتي يتخيل الشَّاعر فيها نفسه إلهاً يمتلك الكون كيفما يشاء.
ومما يتصل بالنزعة الخطابية لدى الشَّاعر دَأْبُه على إنشاد قصائده أمام الجمهور فبلغ مجموع القصائد الملقاة ما يقارب الخمسين قصيدة ذلك لأن الجواهري شاعر مِنْبَرِيٌّ يتخذ المنبر وسيلةً لإذاعة شعره وتفريغ ما يعتلج في نفسه، وقد عني الشَّاعر بشعر المناسبات لا للمناسبة ذاتها بل ليقول ما يريد فقد اعترف بقوله: “وحتَّىهذه المناسبة أضمنها ما يخطر ببالي، اقبل الطلب لأنه المجال الذي أقول فيه ما أريد أن أقوله، أمّا المناسبةُ نفسُها فستكون مَدْخَلاً أو معبراً. إني أغتنمها فرصةً لما أريد أن أقوله أنا ومن أمثلة ذلك قصيدة هاشم الوتري وأبي التمن والمالكي”( ).
وإذا كان الشَّاعر يتلذذ بإلقاء قصائده فلأجل تحقيق قدر ممكن من التوازن النفسي بوصفه يمثل طرفاً مهماً في المواجهة مع عدوٍّ حقيقي أو مفترض سواء أكان في السلطة السياسية أم ممّن يتربَّصون به الدوائر ولا سيما في مرحلة الأربعينيات وما بعدها بوصفه وجهاً وطنياً دخل في مواجهة مع السلطة في أكثر من موقف وما أفرزته حادثة استشهاد شقيقه الأصغر في عام 1948 وذلك حفَّزَه لأن يستثمر معظم المناسبات ليطرح آماله ويوجه سهامه نحو السلطة الحاكمة ولعل خير شاهد على ذلك قصيدة “هاشم الوتري” الَّتي أعلن الشَّاعر غير مرَّةٍ عن اعتزازه بها والَّتي تعدّ أنموذجاً رائعاً من نماذج تحقيق الذات أمام أعداء الشَّاعر وما اكتَنَفَ القصيدة في أثناء إلقائها وما تبعه من رد فعل السلطة الحاكمة( ).
إن الشَّاعر بوقوفه أمام الجمهور يستوفي الفكرة الأساسية بكل جوانبها وربما يكون ذلك أثراً من آثار النثر لكنَّ شاعريته لا تنحدر أو تضعف بل يبقى متماسكاً بطريقة لا تتاح لأي شاعر فضلاً عن أنه يرى تأثير قصائده في الجمهور وما تخلقه من أمواج التعجُّب والانبهار بما يقول.
لقد تصدّر الجواهري الساحة الشِّعرية بعد غياب الزَّهاوي والرُّصافي وخروجه إلى الجمهور العربي الواسع بوصفه وجهاً شعرياًَ متفرداً ولا سيما بعد إلقائه قصيدة (أبي العلاء المعرِّي) وقد ساعد هذا على زيادة عدد قصائده الملقاة فلا شك في أنَّ الشَّاعر يواجه المخاطبين بما يقول وينتظر استحسانهم ويهمه أنْ ينال رضا ذلك الحَشْدِ من البشر فكان يحسب لهذه المناسبات حساباً دقيقاً قائماً على أنْ يكون المتفوق في هذا المضمار.
واحتلت قصائده الملقاة مساحةً واسعةً من ديوانه منها:

القصيدة عدد أبياتها سنة إلقائها
أبو العلاء المعري 91 الأربعينيّات
ذكرى أبو التمن 96 الأربعينيّات
ناغيت لبناناً 99 الأربعينيّات
يوم الشهيد 193 الأربعينيّات
هاشم الوتري 131 الأربعينيّات
إلى الشَّعْب المصري 169 الخمسينيّات
عبد الحميد كرامي 144 الخمسينيّات
معروف الرُّصافي 115 الخمسينيّات
في مؤتمر المحامين 129 الخمسينيّات
خَلَّفْتُ غاشِيَةَ الخُنُوع 123 الخمسينيّات
ذكرى المالكي 138 الخمسينيّات
جيش العراق 117 الخمسينيّات
الفداء والدم 131 الستينيّات
أَرِحْ رِكابَكَ 128 الستينيّات
يا بن الفراتين 165 الستينيّات
طَيْفٌ تحدَّرَ 118 السبعينيّات
ذكرى عبد الناصر 132 السبعينيّات
في يوم التأميم 120 السبعينيّات
أَزِِحْ عن صَدْرِكَ الزَّبَدا 115 السبعينيّات
ونتبيَّن وجود علاقةٍ طرديةٍ بين كَوْنِ القصيدة تلقى وبين طُولِها ونادرةٌ تلك القصائد الَّتي أَلْقاها الشَّاعر وهي قصيرةٌ وغالباً ما تدخل في عداد قصائد الإخوانيات أو المناسبات الخاصة، ولا شَكَّ في أنَّ الشَّاعر وهو يلقي شعره يجد من يخاطبه حتَّىلو كان الحديث مُوجَّهاً إلى الغائب، فهو في قصائد المناسبات يسبغ على نفسه صورة البطل الجماعي الذي يتولّى مَهمَّة الدِّفاع عن الوطن والشَّعْب وغالباً ما يضمِّنُ قصائده تلك حديثاً عن نفسه بوصفه صاحبَ قَضِيّة لا يمكن أَنْ يتجاهَلَهُ أَحَد( ).
ويتنوَّعُ المخاطب بتنوِّع القرائن الَّتي تَدُلُّ عليه ففي قصيدة “أبو العلاء المعري” يخاطب الشَّاعر نفسه أو الحاضرين أو مجهولاً باستعمال الأمر في: ” قِفْ وامْسَحْ واسْتَوْحِ وسائِلْ” لِيَجْلُبْ انتباه المخاطب ثُمَّ ينتقل لخطاب قَبْرِ المعري بالقول:( )
يا بُرْجَ مَفْخَرَةِ الأجْداثِ لا تَهِنِي
أَنْ لم تَكُونِي لأبراجِ السَّما قُطُبا!

ويخاطب أبا العلاء باستعمال الاستفهام وتاءِ الفاعل:
وهل تَبدّلتَ رُوحاً غيرَ لاغِبَةٍ
أمْ ما تزال كأمسٍ تَشْتكي اللَّغَبا!؟

ويتحدَّث عَنْهُ بصورة الغائب:
على الحَصيرِ وكُوزُ الماءِ يَرْفِدُهُ
وذِهْنُهُ ورُفُوفٌ تَحْمِل الكُتُبا

لكنَّ المخاطب موجود وهو جمهور المحتفلين بذكرى أبي العلاء المعرِّي الذي ينفعل لانفعالاته ويشاطره ويعجب بما يقول.
وذلك دَيْدَنُهُ في قصائده الَّتي يخاطبُ بها نفسه فهو يخاطِبُ الآخرين أو يخاطبُ مجهولاً على الرَّغم من وَفرة ضمائر المتكلم فيها فيفتتح قصيدة “المُحرِّقة”( ) ببيت يتضمَّن خمسة أفعال مضارعة مبدوءةً بهمزة المتكلم:
أحاولُ خَرْقاً في الحياة فما أجْرا
وآسَفُ أنْ أمضي ولم أُبْقِ لي ذِكْرا

لكنَّ صورة المخاطب لا تغيب عن الشَّاعر حتَّىلو تظاهر بإهماله.
وقال في قصيدة: “شباب يذوي”( ).
ذوى شبابِيَ لم يَنْعَمْ بسَرَّاءِ
كما ذَوى الغُصْنُ ممنوعاً عن الماءِ
إلى أنْ يلتفت إلى المخاطب فيقول:
فإن عجبتَ لشكوى شاعرِ طَرِبِ
طُوْلَ الليالي يُرى في زِيِّ بكَّاءٍ
فمهما أوهمنا الشَّاعر بوسائله اللُغَوية المتنوعة أنه يتحدث عن نَفْسهِ فإنه في حقيقة الأمر يضمر مخاطباً يوجه الخطاب إليه عبر الضمائر أو عَبْرَ وسائل أسلوبية يتخذها سبيلاً للقولِ الشِّعري منها:

1- أُسْلُوبُ الأَمْر:
يتحقق أسلوب الأمر في العربية بوساطة فعل الأمر بأنماطه الشكلية جميعها تلك الَّتي تتكون من اللَّواحق الَّتي تتصل بالفعل كالضَّمائر مثلاً أو حينما يستند إلى المخاطب المفرد وكذلك بوساطة الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر أو بالمصدر النائب عن الفعل أو باستعمال أسم فعل الأمر أو بأسلوب الاستفهام والخبر الموظف توظيفاً مجازياً يَدلُّ على الأمر.
وعلى الرَّغم من أنَّ هذه الوسائل الأمرية مُباحةٌ في العربية يختار الجواهري صورة فعل الأمر ويفضلها على غيرها إذ تتطلب صيغة المضارع المقرون باللام والمصدر النائب عن الفعل أنّ الفاعل فيهما يكون غائباً أو متكلماً بينما نجد أن صيغة فعل الأمر تتطلب مخاطباً فضلاً عن أنها أيسر وأخفُّ على اللسان وأسرع في حَمْل المخاطب على الاستجابة.
وقد بنى الشَّاعر أكثر من قصيدة على فعل الأمر بوصفه منطلقاً للقصيدة كُلِّها أو ركيزة يعتمدها الشَّاعر ويتكيء عليها ويكررها أنىّ سنحت له فرصة القول، ففي قصيدة
“تنويمة الجياع”( ) أتخذ الفعل “نامي” صيغةً أمريةً تسلطت على القصيدة بأسْرِها ومثل ذلك في قصيدة “أَطْبِقْ دُجى”( ) إذ اتخذ من الفعل “أَطْبِقْ” ركيزة كررها في القصيدة تسعاً وثلاثين مرّةً.
ويوظف الشَّاعر فعل الأمر في القصيدة من خلال التنويع فيه وتعدده فيضخ في النص حشداً كبيراً من أفعال الأمر كما فعل في قصيدة “طَرْطَرا”( ) حتَّىلو اضطره الأمر إلى ارتجال أفعال غير مسموعة غالباً ما يقيسها على المسموع.
ويشكل اختيار الشَّاعر لصيغة الأمر سمة أسلوبية في العديد من قصائده منذ بداياته الأولى( ) يوظفها للتعبير عن معانٍ عدة كأن تكون للسخرية والتحريض كما في “تنويمة الجياع” أو “طرطرا” أو قصيدة “أيُّها الوحشُ أيُّها الاستعمار”( ) إذ يشكل فعل الأمْر وسيلةً للسخرية والتحريض في القصيدة بأسرها ابتداءً من المقطع الأول:
خَلِّ شِدْقَيْكَ يَمُصَّانِ دَمِي
ويَمُجَّـانِ دَمَاً كالعَــلَقِ
خَلِّ عيشي مُضْغَةً من عَلْقَمِ
خَلِّهِ نَهْبَ الطَّوى والقَلَــقِ
* * *
سَمِّنْ الكَلْبَ على لَحْم الشُّعُوبْ
واكسِهُ من عُرْيِها أبْهى حُلَلْ

واخْلع البُؤْس عليها والشُّحوبْ
وأَسِلْ ذَوْبَ الأسى بَينَ المُقَلْ

وانْشُرْ الرُّعْبَ على كلِّ الدُّرُوبْ
لا تُنِرْها بشُعاعٍ من أمَلْ

ويتكرُّرُ الأمْر في بعض القصائد بصحبة وسيلةٍ لُغَوِية أخرى تدلُّ على الخطابِيَّة والجهر كالنِّداءوالاستفهام والنهي وتتلاقح هذه الأساليب مجتمعةً لتبني القصيدة ففي قصيدة “ظلام”( ) يحشد الشَّاعر فعل الأمر في أكثر من مقطع من مقاطعها مصحوباً بالنِّداءوالدُّعاء:
أقِمْ يا ظلامُ رواق الضبابِ

وشِدْ في فَيافيكَ سُود القبابِ

وغَطِّ السَّما بِجَناحَيْ عُقابِ

ومُجْ حَنَقاً مُزْبِداً كالعُبابِ

وجَرِّرْ على الأرْض ذَيْلَ السَّحابِ

أقِمْ لا خِتامٌ ولا مَطْلَعُ

وخيِّمْ فلا نَجْمَةٌ تَلْمَعُ

ولا هَمْسَةٌ من فَمٍ تُسْمَعُ

فعلى الرَّغم من أنَّ المخاطب مظهرٌ مستعارٌ من مظاهر الطبيعة وهو “الظلام” يتَّخذُهُ الشَّاعر وسيلةً من وسائل التدمير للتعبير عن غيظه وحنقه على كلٍّ ما يمسُّ مظاهر الخير والجمال في الكون وتعبيراً عن الأزمة الَّتي كان الشَّاعر يعيشها وهو سجين إثْرَ انتفاضة تشرين في عام 1952( ).
فالشَّاعر يكوِّن من فعل الأمر صورة من صور الانتقام والرُّعب تنسجم مع حالته في قصيدة ” أَطْبِقْ دُجى” حين يتحول الظلام في المقطع المذكور إلى مخلوق أسطوري ينفثُ فيه الشَّاعر روح الانتقام والحنق قادر على التغلب على الطبيعة ومظاهرها ويعمد إلى إفنائها وتخريبها وصولاً إلى حالة اليأس الَّتي كانت تسيطر عليه وتنمي غيظهُ وثورتهُ.
ففي هذه القصيدة يرتدي ثوب إله ليأمر بتدمير الكون فتأتي أفعال الأمر الَّتي يتكرر منها الفعل ” أَطْبِقْ” (39) مرة للتعبير عن السخط والغضب وهو يأمل امتلاك صفة الاله الغاضب اليائس من إصلاح ما فسد فيفرغ يأسه في طائفة من الأوامر لمختلف مظاهر الكون.
إِنَّ اختيار الشَّاعر لتركيب ” أَطْبِقْ دُجى” ينم عن معرفته بعبارة ” قُطُبْ جَدْ” الَّتي تشكل أصوات القَلْقَلة عند علماء العربية فتدل على الحركة والاضطراب فأعاد الشَّاعر بناءها بهذا الشكل متخذاً من أصواتها وسيلة لتغيير الواقع بشكل يستفز المتلقي ويدفعه للثورة لتغيير ما فسد، فبهذه الوسيلة عبّر الشَّاعر عن محطة يأس عميقة في حياته يصاحبها نوع من الخور والخذلان وانهيار القوى فانعكس ذلك في استعمال الفعل “أطبق” على شكل لعنات يرجم بها الشَّاعر كل شيء ويتوجه بالأمر إلى مظاهر عديدة هي الدَّجى والضَّباب والسَّحاب والدُّخان والعذاب والدَّمار والتَّباب، ويتلاقح الأمر والنِّداءمعاً لتنتقم هذه جميعها انتقاماً مبرِّحاً ليس من السلطة ورجالها بل من الفئاتِ كلها فيتحول العالم إلى خراب ينعبُ فيه الغُراب.
وعلى الرَّغم من استعمال فعل الأمر وسيلةً للتَّحريض في بعض قصائده
الوطنية وجدنا الفعل في هذه القصيدة يتحول إلى آلة دمار تساندها أفعال أمرية أخرى فالشَّاعر لم يكن غرضه التحريض بقدر ما كان يصب مجموعة من اللعنات ليحافظ على توازنه النفسي ويعوِّض عن شعوره باليأس والخِذلان.
وقد أفلح الشَّاعر في الانتفاع من طائفة من الألفاظ القرآنية مستفيداً من دلالتها فيه منها مثلاً:
سحاب ودخان وعذاب وتباب وعقاب وجزاء وغيرها فقد جاء في قوله تعالى:
(وَلَهُم عَذابُ الحَريق) (البروج/10).
فقال الشَّاعر:

أَطْبِقْ دُخانُ مِنَ الضَّمير
مُحَرِّقاً أَطْبِقْ عَذابُ

ويضاف إلى ذلك انَّ الألفاظ القرآنية الَّتي اتخذها الشَّاعر أدواتٍ لبناء جملته الشِّعرية تتصل بصور قرآنية عديدة تعكس عقاباً صارماً بحق الخارجين عن طاعة الله سبحانه كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الفيل فقال تعالى:
(وأرْسَلَ عَلَيهم طَيْراً أبابيل. تَرْميهِم بِحِجارَة من سِجيل. فَجَعلَهُم كعَصْفٍ مَأكُول)
(الفيل/ 5,4,3).
إنَّ القرآن حافل بصور السخط الإلهي الذي انصبَّ على الأقوام الكافرة الَّتي خذلت الأنبياء والرسل وكذّبتهم ولا شك في أنَّ الشَّاعر يستحضر هذه الصور في ذهنه وهو يصب لعناته المحرقة لكن على الناس جميعهم.
ان هذه القصيدة تصطخب بألفاظ تدلّ على حنق الشَّاعر وثورته من خلال دلالتها بوصفها مصدر أذى وإزعاج للبشر نحو: الدجى والضباب والجهام (السحاب الذي لا ماء فيه) والدخان والدمار والقبور والبوم والذباب والصديد والديدان والغراب واختارها الشَّاعر للتعبير عن سخطه واشمئزازه من حالة الركون والظلم السائدين آنذاك وهو بذلك يعبِّر عن نفس جيّاشة بالانفعالات ميالة إلى الحدة وتنزع إلى محاورة الأشياء أيانَ تسنح له فرصة القول الشِّعري.
ويبني الشَّاعر قصيدةً أُخرى من قصائده على فعل الأمر فيتخذ من الفعل “نامي” ركيزةً لقصيدته “تنويمة الجياع” فقال:
نامِي جِياعَ الشَّعْبِ نامي
حَرَسَتْكِ آلهةُ الطَّعام

ويتكرر هذا الفعل (59) مرّةً في القصيدة يخاطب به جياع الشعب بأسلوبٍ ساخر يهدف إلى التحريض والثَّورة ويفقد الفعل دلالته الحقيقية إلى دلالة مجازية مناقضة تماماً لها .
إن هذا التكرار قد يجنح بالشَّاعر إلى السُّقوط أو الضعف لكنَّ قدرته الخارقة على التَّخيُّل وتوليد الصور وبراعته اللُغَوية الفذة تجعله يمتلك على المتلقي حواسَّه كلها في خِضَّم هذا التراكم الصوري ويرتفع به عن السقوط والاسفاف .
واستفاد من وسيلة تكرار الفعل بوصفها أداةً سحريةً يخضع المخاطب اليها ويستجيب لها ذلك لأنَّ الشَّاعر يستحضر في ذهنه هَدْهَدَة الطفل لينام، هذه الصورة الشائعة في مناجاة الأم لوليدها تحثُّه على النوم في لحن عَذْبِ يستذكره الشَّاعر ويعرف تأثيره من خلال دلالة الفعل في اللهجة الدارجة: ( نام يا وليدي نام. . . ) وما لذلك من سِحْرٍ على الوليد، وما من شك في أَنَّ الشَّاعر يستلهم بعض ما جاء في قصيدة الرصافي:
ناموا ولا تَستيقظوا
ما فازَ إِلاّ النُّوَّمُ

إِنَّ أمر الشَّاعر لا يأتي على حقيقته ذلك لأنه يتوخى استجابة مغايرة تماماً وهذا النهج يتكرر لدى الشَّاعر في قصيدة ” ما تشاءون ” ( ) فهو يتوجه بالخطاب إلى السلطة الحاكمة وحاشيتها فيستعمل الأمر ليس على حقيقته بل بأسلوب ساخر يهدف إلى رَدْعِ السلطة وإيقافها عن التوغّل في غيّها من جهة ومن جهة أخرى لتأليب الجماهير ودفعها للثورة والانتقام. واختار الشَّاعر هذا التركيب ( ما تشاءون ) وهو على يقين بأن ما الموصولة ستمتد إلى العديد من مظاهر الفساد الشائعة آنذاك وصاغه بطريقة لاذعة ليكون ذا وقع شديد على السلطة وكرره مفتاحاً لمقاطع عدة من القصيدة، وفي الوقت الذي يتقمَّصُ الشَّاعر صورة الناصح المرشد لكنه في حقيقته يسعى لتحيّن الفرصة ليطبق على رقاب السلطة وهو في دخيلته ساخر يحرض أعداء السلطة ويغريهم بها.
وقد تبيَّن من البحث أَنَّ الشَّاعر في العديد من قصائده الوطنية ( ) يتوَّجه بالأمر وكأَنَّه قائِدٌ يمتلك خبرةً في الكفاح ولا سيما في مرحلة الأربعينيّات والخمسينيّات وتكاد هذه النبرة تسود معظم القصائد هذه لكونه في معترك السياسة طرفاً مهماً ووجهاً وطنياً مرموقاً تحسب له السلطة ألف حساب وتتمناه عدة قوى سياسية ليكون في مضمارها، لكنه في مرحلة الستينيّات يهدأ وتضعف نبرة الأمر لديه بسبب من الغربة وبعده عن الوسط السياسي وتلاحظ عودة هذه النبرة لديه في السبعينيّات كما في قصيدة ” طَيْفٌ تَحَدَّرَ ” ( ) لكنها نبرة معادة ليس لفعل الأمر فيها ذلك الدور المؤثر في المتلقي إنما هي جذوة سرعان ما تخبو وتضمحل، وأغلب الظن أنَّ ذلك يعود إلى تقدم الشَّاعر في العمر مما جعل مزاجه يتحول إلى مزاج مسالم مهادن هاديء ينأى عن هذه الصيغة القسرية في لغته.

والشَّاعر في غزله المكشوف لا تفارقه نزعة الأمر فيضخُ في النص مجموعةً من أفعال الأمر ففي قصائد مثل: ” جِرّبيني ” ( ) و ” سَلْمى على المسرح ” ( ) و ” بديعة ” ( ) و
” إليها ” ( ) وغيرها يُمْعِنُ الشَّاعر في توجيه الأوامر ففي ” جَرِّبيني ” تأتي الأفعال الأمرِيَّة
مفاتيح عدَّة أبيات ابتداءً من المَطْلَع :
جرِّبيني من قَبْل أنْ تزدَريني
وإذا ما ذَمَمْتِني فاهْجُرِيْني

* * *
اقرَئيني منها ففيها مطاوي النفس طُرّاً وكلُّ سرٍّ دفين
* * *
أنجديني في عالَمٍ تنهشُّ ” الذِّئبانُ ” لحمي فيه ولا تُسلِميني
وهكذا يميل إلى الجرأة في مخاطبة المرأة بلغة صريحة تخلو من التلميح فيزاوج بين الأمر والنهي والاستفهام فيقول في ” سَلْمى على المسرح “:
العبي فالهوى لَعِبْ
وابعَثي هِزَّةَ الطَّرَبْ

مثِّلي دَوْرََك الجميـ
لَ على شِرْعة الأدبْ

أحْسِني نُقلةً وإنْ
تَعِبتْ هذه الرُّكَبْ
ج
* * *
رَوِّحي هذه النُّفو
سَ فقد شَفّها التَعبْ

اجْذِبيها إلى الرِّضا
ادفَعيها عن الغَضَبْ

لا تَغُرَّنْكِ أوْجُهٌ
كطِلاءٍ من الذَّهَبْ

وعلى الرَّغم من أنَّ الشَّاعر يختار الأمر بصورة فعل الأمر يلجأ في أحيان أخرى لتوظيف صيغ أمرية غيرها كاستعمال أسم فعل الأمر فاستعمل ” إليّ ” في القسم الرابع من قصيدة ” أنيتا ” ( ) وبنى هذا القسم من القصيدة على استعمال الفعل وحافظ على تكراره إلى نهاية القصيدة إذ تطغى عليه حالة من الاضطراب فاستعمل بحر المتقارب ذي الايقاعات السريعة إذ كان على وشك المغادرة إلى العراق فضلاً عن أنه رخَّم الاسم على لغة من لا ينتظر لتكون معلماً لغوياً على يأسِهِ من لقائها فقال:

” أنيتُ ” نَزَلْنا بوادي السِّباع

إلـيّ إلـيّ حبيبـي أنِيتْ

إلـيّ إلـيّ بِجِيدٍ ولِيـتْ

كأنّ عروقَهُما االنَّافراتْ

خطوطٌ من الكَلِمِ السَّاحراتْ

حتَّىيصل إلى نهاية القصيدة برفقة هذه الصيغة:
إليَّ إليَّ أغيثي ظَمايا
فقد نال من شَفَتَيَّ اللُّغوبْ

واختار الشَّاعر صيغة المصدر النائب عن فعله وسيلةً للأمر في بعض قصائده لكنه لا يكثر من استعمالها إلاّ في قصيدة ” فلسطين ” ( ) وبدأ مقدمتها بمجموعةٍ من المصادر:
دَلالاً في ميادينِ الجِهادَ
وتِيهاً بالجراح وبالضِّمادِ

ورَشْفاً بالثُّغور من المواضي
وأَخْذاً بالعِناق من الجهادِ

وَعبَّاً من نَميرِ الخُلْدِ يجري
لمنُزَفَةٍ دماؤُهُمُ صوادي

وتَوْطِيناً على جَمْرِ المنايا
وإخلاداً إلى حَرِّ الجِلاد

وإقداماً وإنْ سَرَتِ السَّواري
بما يُشجي وإنْ غدتِ الغوادي

وبَذْلاً للنَّفيسِ من الضَّحايا
فأنفَسُ مِنْهُمُ شَرَفُ البِلادِ

ولعلَّ حِرْصَ الشَّاعر على بناء عبارةٍ متماثلةٍ كدَيْدَنهِ في مُجْمَل شِعْره يَتَّضِحُ هنا فضلاً عن أنَّ عِظَمَ الموضوع الذي هو بصدد الخوض فيه هو الذي دفعه لاستعمال صيغة المصدر النائب عن فعله.