أ.د. نادية هناوي سعدون : اتجاهات المنهج النقدي عند الدكتور محمد غنيمي هلال

اتجاهات المنهج النقدي
عند الدكتور محمد غنيمي هلال (دراسة في نقد النقد )

أ.د. نادية هناوي سعدون
أستاذ النقد الحديث
الجامعة المستنصرية

التمهيد
اعتمدت دراسات الباحثين المعاصرين للـتراث الـنقدي القديـم أدوات معرفية ذات طابع منهجي علمي ،واستطاعت هذه الأدوات المعرفية أن تقرأ هذا التراث النقدي قراءات منتجة تباينت في أساليبها واختلفت غاياتها بين التأييد والإعجاب تارة والإنكار والرفض تارة أخرى .
وقد تعددت أساليب المعالجة النقدية للتراث النقدي العربي دراسة وتأويلا وبأشكال شتى خلقت تميزا في الحياة الفكرية الحديثة والمعاصرة معا .
ولا شك في أن الثقافة النقدية العربية القديمة احتلت مكانة مرموقة في عالم القراءة والنقد ، نظرا لما أبدعه علماء البلاغة العربية من قراءات تعددت وتنوعت آفاقها وتباعدت وتناظرت زوايا النظر والمعالجة العلمية والإجرائية فيها؛ تبعا لتطور الإبداع الشعري وتعدد فنونه وآفاقه حتى تشكل لدينا كم هائل وخزين عظيم من السبل والأدوات المعرفية ذات الطابع المنهجي العلمي في قراءة النص التراثي وإعادة إنتاجه .
وقد نتج عن ذلك كله مدارس ونظريات لها معاييرها الخاصة في قبول هذا النقد ورفض ذاك أو الإعجاب بهذه القراءة والتنكر لتلك …
وعندما اتسعت النهضة الأدبية والفكرية وشاعت بأنوارها على الساحة العربية؛ ازدهر الشعر وازدهرت معه آفاق النقد والقراءة ، وتزامنت عجلة الأدب جنبا إلى جنب عجلة النقد ؛ فظهر باحثون ودارسون آلوا على أنفسهم إلا أن يخدموا التراث ويعيدوا إليه حيويته واضعين معايير جمالية لتقييمه وتحديد طبيعته والكشف عن نظرياته وقوانينه ليبنوا عليها نقدا جديدا يجمع الماضي بالحاضر والعابر بالغابر لتكتمل حلقة العلم وتتم دائرة النقد الحديث ، تلك الدائرة التي تبدأ من الماضي وتعود إليه ، فلا تفارقه بحثا عن الاصالة والإبداع وتحقيقا لأجواء نظرية نقدية للأدب شرحا وتأويلا وتفسيرا وقبل هذا وذاك تذوقا وإحساسا لمواطن الجمال والاستحسان وتمييزا للغث من السمين والبديع من الوضيع والمحمود من المذموم .
ومنذ أن أناخت النهضة الأدبية بظلالها على الحياة الثقافية في الوطن العربي بمشرقه ومغربه ، تحفز الدارسون العرب واندفعوا لشحذ مشاعر الاعتزاز بالماضي رغبة في إعادة صياغة هدا التراث تلخيصا ومعالجة ..حتى صارت النتاجات الادبية تنم عن ذوات قارئة لهذا التراث وفاعلة لمنجزات التراث التليد سواء أكانت محافظة على التراث ومتصفة بالحياد (1) أو مستحدثة متأثرة بالآخر(2) … وتراكمت بعض تلك القراءات للتراث النقدي ؛وبشكل يقوم على مزج الثقافتين معا : الثقافة العربية الإسلامية والثقافة اليونانية الارسطية … وللباحث أن يقرأ التراث من منظور الثقافة الأولى أو من منظور الثقافة الثانية أو من كليهما معا . (3)
وكان في مقدمة هؤلاء الذين كرسوا جهدهم لهذه المهمة الجليلة ، د.محمد مندور ود. محمد زغلول سلّام ود. طه احمد إبراهيم والأستاذ احمد أمين ود. بدوي طبانة ود.محمد غنيمي هلال ود.محمد النويهي ود.إحسان عباس ود.عز الدين إسماعيل ..وغيرهم .
وإذا كانت أساليب الرؤية النقدية تختلف عند هؤلاء الباحثين تبعا لاختلاف زوايا النظر والمعاينة ؛ فان الهدف المعرفي المتمثل في إحياء التراث النقدي العربي يبقى هو الجامع أو الموحد بين تلك الأساليب والتوجهات .
وبادئ ذي بدء تجدر الإشارة إلى أمر مهم وهو أن مكتبة النقد العربي الحديث والمعاصر تفتقر إلى وجود مجموعات عن السير الشخصية للنقاد العرب عموما تتناول يومياتهم وكتب ملاحظاتهم (4) ؛ بعكس النقاد الغربيين في البلدان التي تحترم الثقافة والعلم إذ تتوفر مكتبات ووثائق ونشرات وحاسـب إلي(5) عن سيرهم بما يساعد على تحقيق معرفة اكبر تسهم في فهم النصوص النقدية .

الدكتور محمد غنيمي هلال ناقدا
يتبوأ د.محمد غنيمي هلال مكانة متقدمة في مضمار السائرين على هذا الدرب من خلال ما تركه من منجز نقدي متميز التزم فيه منهجا خاصا يصلح أن يكون أنموذجا في البحث والدرس لما انطوى عليه من طبيعة خاصة في التوجيه المنهجي لطروحات النقد العربي القديم والحديث أصالة وإبداعا وتميزا …
ولا شك أن تسليط الأضواء على طبيعة هذا التوجه المنهجي وإشكالاته ومدى اصالته سيكشف حتما حلقة من حلقات الإبداع النقدي العربي الحديث والمعاصر .
فقد طرح أنموذج د.محمد غنيمي هلال(6) في التعامل النقدي والقرائي ، صورة متفردة وأصيلة لأسباب عديدة في مقدمتها انه من الذين لم يمنعهم إعجابهم بالإرث النقدي اليوناني والتطور النظري والمعرفي الغربي ، من الرجوع إلى تراثنا النقدي ودراسته دراسة متمعنة فاحصة .. حتى استطاع أن يعيد قراءة هذا التراث من جديد مراهنا على حقيقة حية مفادها أن الإبداع الإنساني لا يعرف الحدود ولا الفواصل بين الأمم والشعوب؛ فما يعرفه هذا يكمله ذاك وما ينفرد به الأول يبني عليه الثاني.
ولهذا فقد جاء منهج الدكتور محمد غنيمي هلال في النقد جامعا بين الاعتداد بالفكر الارسطي تحديدا والفكر اليوناني عموما ؛ وبين الإعجاب بالفكر النقدي والبلاغي العربي القديم وإحيائه .
وقد تنوعت الاتجاهات التي اعتمدها د.محمد غنيمي هلال في هذا المنهج بين الوصف والاستقراء مرة والموازنة أو المقارنة مرة ثانية وبين التحليل والتجديد ثالثة ، ولا يعني هذا التنوع اضطرابا أو تشتتا في أساليب المعالجة النقدية ؛ بل انه يعني الوحدة والانسجام في أجزاء الفعل النقدي وإجراءاته على مستوى النص المقروء سواء أكان هذا المقروء نصا أدبيا أو نصا نقديا .
وقد حاولنا أن نبني قراءاتنا للمنجز النقدي للدكتور غنيمي هلال على عينات منتقاة من هذا المنجز الكبير ، لنستدل من خلالها على طبيعة الأساليب والمناهج النقدية التي وظّفها في طروحاته ..
ولم يكن من غايتنا أن نقدم دراسة شاملة لنتاج الناقد بأكمله ، بمعنى أننا لم نعن بان نعد دراسة متكاملة عن نتاج غنيمي النقدي إلا أن الأمر الذي عنينا به هو ما إذا كانت هذه العينات التي قصرنا دراستنا عليها ، تمثل خصوصية منهجه أو اتجاهاته في النقد لا كونها تمثل تفكير كاتبها ؛ آملين أن تكون المؤلفات المختارة نموذجية بالنسبة لناقدنا موضوع الدراسة في ما اقتبسناه منه أو أخذنا عنه .
وباختصار فان غايتي أن أقدم دراسة في نقد النقد تعنى بالمنهجية أعني طرائق دراسة الناقد للأدب والآثار الأدبية من مسلمة أن ” وسائل الناقد وأدواته هي المنهج الذي يتحكم فيه والذي هو عبارة عن خطوات يتبعها الناقد لينظر منها إلى هذا النص “(7)
ولا مندوحة من القول إننا لم نعد استعراضا تاريخيا للتأليف النقدي لديه ؛ والسبب أننا لم نبسط أيدينا على نتاجه كله في النقد والأدب ؛ بل تركنا ذلك الأمر للدارسين للتوسع في البحث الدرس من باب” أن القراءة لا تعني مجرد إعادة كتابة النص الأدبي بأسلوب جديد أو إعادة ترتيب مواده اللغوية ومضامينه وتوزيعها جديدا ليوهم غيره بأنه قام بعمل جديد ….بل إن مهمته هي زرع المعنى في العمل الأدبي لا تحويله إلى كومة من الصيغ والتراكيب التي لا دلالة لها “. (8)
وكان الدكتور محمد غنيمي هلال قد راهن على حقيقة مفادها أن الإبداع الإنساني لا يعرف الحدود ولا الفواصل بين الأمم والشعوب فما يعرفه هذا يكمله ذاك وما ينفرد به الأول يبني عليه الثاني ، فلا يذكر الفكر النقدي العربي القديم إلا و يقابله بالنقد العالمي مؤمنا بإمكانية أن ” تتهيأ سبل التعاون الحق والتفاهم الصادق بين الشعوب “(9) ومخلفا نشاطا بحثيا ثرا في مجال دراسة المؤثرات الغربية أو دراسة التأثيرات العربية في العملية النقدية ……
وقد أسهمت الخلفية الثقافية للدكتور محمد غنيمي هلال في تربعه في الصف الثاني من جيل النقاد العرب المعاصرين بعد الصف الأول من جيل النقاد الرواد مثل عباس العقاد وطه حسين وغيرهم ..(10)
والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو : أين يوضع نقد د. محمد غنيمي هلال ؟
هل هو في خانة النقد الكلاسيكي الذي يعكف على التاريخ من وجهة نظر هيجل وتين أو هو في خانة النقد الاجتماعي وفق وجهة نظر الماركسيين أمثال بليخانوف أو هو نقد واقعي يعنى بدراسة ” الفنون في مدا رج تطورها ودراسة علاقاتها بالعوامل لمواجهة الحياة الاجتماعية “(11) ، أو هو نقد السني ” يطمح إلى تحسس نواميس الظاهرة اللغوية ذاتها فتكون دراسة الملفوظ الأدبي عونا على دراسة الحدث اللساني في ذاته ” ؟؟!! (12 )
وبعبارة أخرى هل كان الدكتور محمد غنيمي هلال من دعاة دراسة الأدب من الداخل بحجة أن المناهج القديمة بالية ولابد من إعادة النظر فيها على ضوء العلوم الحديثة أو هو من النقاد الذين يتحدثون عن طبيعة نقدهم قبل تقديم مضمون فعلهم النقدي ..؟؟
هل هو من دعاة دراسة الأدب من الخارج من ناحية الكشف عن الوسائط الاجتماعية ومدى علاقة الكاتب في سيرته وحياته والواقع الاجتماعي المحيط ؟!.(13)
وقد لا نكون مغالين إذا قلنا إن النقد لم يكن عند د. محمد غنيمي هلال إلا تكامليا بحق بمعنى التعايش المنهجي بين النظريات والمناهج والتوجهات بشكل هيأه لتأسيس قاعدة نقدية محورها التكامل الجدلي بما خلق حركة أدبية شاملة في النقد العربي الحديث والمعاصر في مصر خاصة والعالم العربي عامة ، من منطلق أن وجود القاعدة النقدية وتوافر المحاور لا ينتجان حركة فحسب ، بل وارتباطات علائقية منهجية تندمج فيها مكونات قيمية ورؤيوية انطلاقا من المعادلة النقدية باث / رسالة / متقبل .
وإذا كان التوجه عند د.محمد غنيمي هلال تكامليا ؛ فذلك لأنه آمن بالتعدد والانفتاح والتحاور..!! فلم يكن مؤرخا للأدب لكنه بالمقابل كان يرى أن ” المؤرخ يحاول أن يستنبط قواعده من حقائق التاريخ بوصفها حقائق موضوعية ولكنه يرتبها في سلسلة منطقية خاضعة لهدفه الذي يرمي إليه في التأويل وبهذا يكون التاريخ كشفا عن قيم إنسانية في الماضي “(14) ؛ ومرجع هذا التعدد الثقافي في مصادر قراءات د.محمد غنيمي هلال النقدية ، يعود إلى غزارة إطلاعه على الثقافات كثيرة.. أثمرت في صنع منهج جدلي تعايشي مستحدث كثيرا ما تميز به معاصرو د.غنيمي هلال من النقاد أمثال : ميخائيل نعيمة في كتابه( الغربال)ـ الذي يعد أول كتاب نقدي وقد صدر عام 1923 ـ (15)، ومحمد مندور وعباس محمود العقاد وطه حسين ويحيى حقي ولويس عوض .. وغيرهم .

وسوف نحاول في دراستنا هذه أن نلقي الضوء على اتجاهات النقد لدى د.غنيمي هلال وقد حصرناها في ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : اتجاه الوصف والاستقراء .
المبحث الثاني : اتجاه الموازنة والمقارنة .
المبحث الثالث : اتجاه التحليل والتجديد.

المبحث الأول
اتجاه الوصف والاستقراء
يعني الوصف في النقد أن تدرس الظاهرة الفنية بشكل استقرائي يقوم على تعريف الظاهرة يتبعه رصد للأسباب والعوامل الفاعلة في نشوء الظاهرة ثم تحديد ملامح تلك الظاهرة وما ينتج عنها سلبا أو إيجابا .
وقد عرّف د.طه حسين ” الأدب الوصفي بأنه ما اتفق المحدثون على أن يسموه تاريخ الآداب .وبينما الإنشائي فن كله يفسده العلم أو كاد يفسده أن دخل فيه نرى الأدب الوصفي يحاول أن يكون علما كله ولكنه لا يوفق فيضطر عند المعتدلين أن يكون مزاجا حسنا من العلم والفن ” .(16)
وقد يرى بعضهم أن مصطلح النقد الأدبي ينطوي على مدخلين ” اولهما مدخل تاريخي يتبع مفهومه عبر العصور وفي مختلف التقاليد الثقافية للأمم والشعوب المختلفة وثانيهما مدخل آني ينظر في طبيعة هذه الفعالية المعقدة من وجهة نظر العصر الراهن مستلهما التطورات الهائلة التي حققنها المعرفة البشرية المتصلة بهذا الحقل من حقول النشاط الفكري الرفيع “(17) .
وبذلك يكون النص النقدي نتاجا لغويا يستمد خيوطه من القراءات المخزونة عبر سنوات وسنختار في هذا الموضع كتاب ” النقد الأدبي الحديث ” وكتاب ” المواقف الأدبية “من بين كتب الدكتور محمد غنيمي هلال لندلل على أمر كثيرا ما ألّح ناقدنا عليه هو أن النقد الحديث مدين لثقافتين : عربية قديمة وغربية أوربية .
وقد ذكر الدكتور محمد غنيمي هلال في تقديمه لكتاب (النقد الأدبي الحديث) أن نواة هذا الكتاب هي( المدخل إلى النقد الأدبي الحديث )(18) وفيه درس مذاهب وفلسفات وأجناس أدبية .. ليتلافى القصور ولكي يكون ناقدا كما أراد له كبار النقاد المعاصرين كالدكتور محمد مندور وعباس محمود العقاد . وقد خصص الباب الثاني من كتابه هذا لدراسة النقد عند العرب مقسما إياه إلى ستة فصول هي:

الفصل (1) نشأة النقد العربي ومدى تأثره بأرسطو في عمود الشعر .
الفصل (2) الأجناس الأدبية .
الفصل (3) تنظيم أجزاء القول في النقد العربي .
الفصل (4) الأهداف الإنسانية للأدب في النقد العربي .
الفصل (5) قيمة الوجوه البلاغية في النقد العربي .
الفصل (6) اللفظ والمعنى . (19)
وقد عقب في هامش هذا الباب الأخير بالقول :” إننا لا نؤرخ هنا للنقد العربي ولكننا نوضح اتجاهاته العامة لكي نكشف عن مصادرها واصالتها وبخاصة لكي نقوّمها في ضوء النقد الحديث ” .(20)
ويتبع هذا القول بعرض موجز لجماليات الأسلوب كما أرتاها النقاد العرب فمنهم من يرجع مقومات العمل الأدبي إلى المعنى واضعا الامدي من ضمن هؤلاء والنص الذي أورده غنيمي هو:”أن اهتمامه ـ أبو تمام ـ بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه ” فقول أورده الامدي حكاية عن غيره ولا يعني ذلك نصرته للمعنى إذ يتجلى في تعريفه للشعر انه يعد الألفاظ المقوم الرئيس للشعر …. ” (21) ليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها “(22) ….ومنهم من يرى في الصياغة المقوم الحق للأدب جاعلا اللفظ مناظرا للصياغة بقوله:” إن من نقاد العرب من يرجع مقومات العمل الأدبي إلى المعنى وآخرون أرجعوها إلى اللفظ “(23) ووضع د. غنيمي على راس هذه الفئة الجاحظ وابن سنان الخفاجي … ومنهم من ساوى بين اللفظ والمعنى كبشر بن المعتمر وابن قتيبة …ومنهم من نظر إلى الألفاظ من جهة دلالتها على معانيها في نظم الكلام والرأي الأخير أهم الآراء وأكثرها أصالة وهو يعني بالطبع رأي عبد القاهر الجرجاني .(24)
ولم يكن د.محمد غنيمي هلال متحاملا ولا متعصبا في توجهاته كلها ، لقد أراد أن يكون وصفه الاستقرائي لنظريات النقد ودلالاته كاشفا عن القيم الحديثة للنقد الأدبي بوصفه علما يؤرخ لجانب من الفكر الإنساني ولهذا صارت ” دراسة النقد العربي دون شرح أصالة هذا النقد ومبلغ تأثره بسواه دراسة ناقصة يعوزها الجانب العلمي الذي يعني به كل من يتصدى لدراسة النقد وقضاياه دراسة علمية ” .(25)
وقد علل احد الباحثين أسباب هذا النقص أو التفاوت في النقد الأدبي إلى اضطراب المفاهيم والقيم واختلاف الأعمال الأدبية وتباين ثقافات النقاد وذاتية النقد المعاصر ..(26)

ويقوم اتجاه الوصف والاستقراء عند د.غنيمي على أساس منهجي نظري له دعامتان هما:
1) الدعامة التاريخية /
لقد آمن د.محمد غنيمي هلال أن لنقدنا القديم ـ القائم على منهجية مستنبطة من أسس نظرية وقيم جمالية ـ أثرا في النقد العالمي مؤكدا أن النقد الحديث يكشف عن قيمة الأدب العربي القديم ونفائسه ..”(27) مثلما كان لهذا الأخير أثرا في نقدنا القديم بعد أن تفاعل مع النقد اليوناني ودرس خصائصه ….
وقد سار د.محمد غنيمي هلال على وفق هذا الاتجاه في نقده لتاريخ العرب النقدي قديما وحديثا ، من خلال بيان الجهد الذي بذله النقاد القدماء في مختلف نواحيه وتفصيلاته مهتما بقضايا عدة منها قضية الوحدة في العمل الفني فكانت دراسته متصلة بالنقد اليوناني القديم من خلال عرضه لفلسفة أرسطو ونظرياته المختلفة؛ فلماذا هذا الربط ؟!!!
ولم يقع د.محمد غنيمي هلال في اعتماده الدعامة التاريخية في دراسة الأدب ، فريسة للاتباعية بالمفهوم الذي أطلقه الناقد ستانلي هايمن على ت.س.اليوت حين وصفه بأنه يحمل عبء الاتباعية في النقد وان اتباعيته كتلة صماء وكان يحكم على الأدب الجديد بعرضه دائما على الموروث الأدبي التليد .(28)
وهو القائل:” غايتنا ..هي البحث فيما يكمله وينهض به وقد اخذ النقد الغربي في العصر الحديث يبحث عن نواحي هذا الكمال وقد سار إليها بخطى حثيثة وسار الأدب العربي وراءه في نفس الطريق” (29).
وحاول د. غنيمي هلال أن يثبت التواصل النقدي بين الحضارتين العربية واليونانية قديما وحديثا ؛ ف” كما لم تنقطع صلة أسلافنا القدامى بتيارات النقد في الآداب الأخرى في عصور نهضتهم كذلك لم تنقطع هذه الصلة في أدبنا الحديث كي ينهض النقد والأدب فيؤديا رسالتهما على نحو ما أدّتها جميع الآداب العالمية التي سلكت نفس السبيل في اتصالها بغيرها من الآداب ” . (30)
لهذا السبب درس الدكتور محمد غنيمي هلال مواطن التلاقي بين النقاد وتعاونهم على تحديد المعاني الفنية.. ووضع المعايير المؤدية إلى ذلك …!!
إذ من الغريب حقا ” أن نتصور ناقدا معاصرا يجهل تماما النظريات النقدية الحديثة باختلاف اتجاهاتها وفلسفاتها ولا يعرف غير الجاحظ وأبي حيان التوحيدي والجرجاني ومن خلالهم ينقد الرواية والمسرح والقصة القصيرة . إن المفهوم الصحيح للنقد المعاصر هو انه ينقد الأعمال القديمة والحديثة على حد سواء وذلك على ضوء المناهج الحديثة وهذه المناهج إذا لم تربط الماضي بالحاضر ولا تمد الجسور بين الثقافات المتباعدة في الزمان فأنها تفقد المقدرة على التعامل مع النصوص المعاصرة الحديثة ” (31).
وقد دعم د.غنيمي في منهجه لدراسة تاريخ النقد عند العرب استقراء ووصفا بجملة منطلقات منها :ـ
* إن دراسة تاريخ النقد ينبغي أن تكون علمية تقوم على ما يورد من الآراء والاتجاهات المختلفة بحسب مكانها وعصرها أولا .. وثانيا على شرح النظريات المختلفة فقد تذكر الفكرة أو النظرية مع مواضع متعددة تبعا لاختلاف العصور والكتّاب .
* إن دراسة تاريخ النقد ينبغي أن تكون تفصيلية وموسوعية بمعنى أنها تقوم بجلاء الأصول والفروع المتعلقة بالنقد ومصادره وشرح مكانته والاتجاهات التي سار عليها أو انضوى تحت لوائها.
*أن دراسة تاريخ النقد ينبغي أن تكون موضوعية لا تحامل فيها ولا تعصب يعتريها؛ بل هي بحوث أكاديمية وعلمية صادقة تستشهد بالنصوص لتوضح النظريات باحثة عن أساسها الأدبي فتاريخ النقد هو تاريخ للأدب أيضا .

وقد كان علماؤنا الأوائل من البلاغيين والنقاد والفلاسفة حاملين لهذه النظرة العالمية للعلم والأدب معا .. خذ مثلا قدامة بن جعفر والفارابي وابن رشد والقرطاجني وغيرهم .

ثانيا / الدعامة الارسطية
إن نموذج د. محمد غنيمي هلال في دراسة النقد ارسطي المنشأ عربي الأداء والتطبيق … بمعنى انه يقيس كل قراءة واصفة للشعر أو النثر بالمقياس الارسطي ، فقد يختار ظاهرة نقدية معينة لتكون المادة الأولية لدراسته ولا يختار غيرها أو قد يقوم بتأويلها بحسب ما يتلاءم وقصده الرامي إلى رد الأسس الجمالية في تذوق الشعر ونقده إلى مصدر ارسطي..وكان أرسطو عنده ” أبا للنقد الأدبي المنهجي في العالم كله …وقد حرص نقاد العرب على الإفادة من جهد المعلم الأول في الأدب وفلسفته منذ عرفوه ..وقد توافر لأسلافنا من رحابة الصدر وسعة الأفق ما به رجعوا إلى ما انتهى إليهم من المدنيات فعكفوا على دراسته وحاولوا النفوذ في أسراره …(32).
ومن تلك القضايا التي انتقاها على وفق الوصف الذي قدمناه، قضايا تتصل بوحدة العمل الفني والأجناس الشعرية والنثرية وكذلك قضية ترتيب أجزاء القول ثم الأهداف الأساسية للأدب في النقد العربي القديم .
ونأخذ مثالا على ذلك حديث د.غنيمي هلال عن أجناس الأدب النثرية بقوله ” لم يعن النقد العربي بأجناس الأدب الموضوعية في النثر كما لم يعرفها في الشعر فلا نعلم فيه شيئا يعتد به خاصا بالقصة عامة أو المقامة أو القصة على لسان الحيوان مثلا وإنما انحصر هم النقاد في النثر الذاتي ومما يتصل به وعند هؤلاء النقاد لا يخلو المنثور من أن يكون خطابة أو ترسلا أو احتجاجا أو حديثا …وما ذكره في أدب الرسائل لم يعد ذا قيمة في النقد فهو اقرب إلى تاريخ الأدب ..وقد كان الوزن هو الفاصل ما بين الشعر والنثر عند نقاد العرب لأنهم لم يتناولوا في نقدهم غير الأدب الذاتي “(33)
هنا تتجلى طريقة د.مجمد غنيمي هلال في المعالجة حيث يبادر إلى إصدار الحكم مسبقا وهو حكم عام ينفي نفيا قاطعا أية معرفة للعرب بالنقد الموضوعي في الشعر ولعله كان يقصد بأجناس الأدب الموضوعي النقد الموضوعي لان النقاد القدماء اهتموا بالشعر الغنائي أكثر من الخطابة والترسل والاحتجاج والحديث فقد كان الشعر ” حافلا بضروب الخيال على خلاف ما موجود في الشعر الموضوعي عند أرسطو إذ كان لا يحفى بلغة الشعر الموضوعي قدر احتفائه بحبكة العمل وتعميق الصراع وترابط الأجزاء طبقا لعنصري الاحتمال والضرورة الفنية .(34)
كما عقد د. مجمد غنيمي فصلا حول تنظيم أجزاء القول محتذيا حذو أرسطو منذ البداية وقرر أن هذا الفصل ” هو ما عالجه أرسطو في النصف الثاني من الكتاب الثالث من الخطابة “(35)
وقد أشار إلى اهتمام المحدثين العرب منذ العصر العباسي بهذا الترتيب فاهتموا بالبدء وبالانتقال منه إلى الغرض ثم الخاتمة ولعل ابن طباطبا هو أول من وضع مصطلح التخلص سواء أكان تخلصا حسنا أو مذموما وقصد به الانتقال من غرض إلى آخر .(36)
كما قابل د.غنيمي هلال في حديثه عن عمود الشعر وقيمة الوجوه البلاغية بين منهج نقاد العرب ومنهج أرسطو في هذا الصدد ووجد أن هناك اختلافا جوهريا عن منهج أرسطو فأرسطو تتبع آثار اليونان المسرحية مستخلصا منها التوجهات والعناصر الفلسفية والجمالية لشعراء اليونان الكبار … أما نقاد العرب فكانوا في عمود الشعر اسارى التقاليد لما ورثوا من تراث شعري وان أرسطو قصد إلى وسائل الإيحاء لكن الباحثين في البلاغة من العرب لجأوا إلى شرح الوجوه البلاغية بالاستقراء والتتبع لكلام العرب …(37)
وعرض د.محمد غنيمي هلال عناصر عمود الشعر كما هي مدونة لدى المرزوقي (ت441 ) في كتابه شرح ديوان الحماسة (38).
كما وجد في حديث القاضي الجرجاني (ت 393 ) عن البــدء والتخلص والخاتمة لا سيما قوله: ” والشاعر الحاذق يجهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة …فإما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كل مذهب واهتما به كل اهتمام ..”.(39) ، ما يؤكد أن الأوائل لم يهتموا بترتيب المعاني في الشعر وإنما حفل بها المحدثون فقط وعلته في ذلك وجود وجوه بلاغية حول تنظيم أجزاء القول في القصيدة تأثر بها النقاد العرب بأرسطو وذكر من بين تلك الوجوه حسن الابتداء وحسن التقسيم وبراعة الختام والاستطراد ثم حسن التخلص والخروج .(40)
وطبيعي ألا يلتزم الشاعر بالواقع وبمحاكاته .. لهذا لم تنشأ المبالغة والتخييل في الشعر إلا في ظل التكسب لكن د.محمد غنيمي رأى أن مقياس البراعة في الشعر هو الالتزام بصدق الواقع على حسب ما يراه هو أو يفكر فيه ، وهكذا تناول القيم الجمالية في هذا التراث من خلال :
*الاحتكام إلى ذوق الشعراء العرب في النقد أي الرجوع إلى ذوق الصفوة من الجمهور .
*الاحتكام إلى النقد اليوناني وأرسطو خاصة من قبل النقاد العرب كالجاحظ وقدامة بن جعفر ..وغيرهم وان كان هناك نقاد معاصرون يرفضون ذلك بدعوى أن الأثر اليوناني كان ضئيل القيمة بسبب كون النقد في أذهان العرب منفصل في جوهره عن الفلسفة !!!.
علما أن شراح أرسطو كانوا قد تتبعوا اثر أرسطو في تقييد الخيال بقيود عقلية كما فعل الفارابي وابن سينا وغيرهما أو تقييد المبالغة بألفاظ مقارنة للحقيقة ..بمثل ألفاظ :يكاد ولو ..
وهكذا يجد المتمعن في قراءات د.محمد غنيمي هلال الواصفة والمستقرئة ، انه كان حريصا على التوازن في توجهه نحو دراسة التراث النقدي العربي جنبا إلى جنب النقد اليوناني القديم “هذا وقد حرصت على ألا تقف دراستي هذه عند بيان القيمة التاريخية لنظريات النقد ودلالاتها على خصائص ما ازدهرت في ظلاله من أدب في مختلف العصور “(41).
ولا مراء انه في هذا التوجه كله لم يسع إلى الفصل أو الانغلاق في القراءة والنقد بل كان نقده منفتحا على الآخر نابذا التحيز النقدي بدليل انه قد كتب في تاريخ الأدب وتاريخ النقد كما كتب في المواقف الأدبية والحضارة والثقافة القديمة والحديثة والمعاصرة وبذلك لا تجد عنده فصلا بين التاريخ والأدب والنقد والثقافة والحضارة بل لقد تداخلت الدراسة التاريخية التي تنقد الأدب مع الدراسة التي تنقد التاريخ حتى تمازجت الرؤية مع الموقف ..

المبحث الثاني/
اتجاه الموازنة والمقارنة
لعل من نافلة القول أن توجه د.غنيمي هلال هنا جاء قائما على فصل الموازنة عن المقارنة في ميدان الأدب المقارن لأن الموازنة لا تتعدى الأدب الواحد وان الموازن عادة ما يحصر همه بين موضوعين في ذاتهما ..(42) هذا التفريق بين الموازنة والمقارنة أتخذ في قراءات د.محمد غنيمي هلال ثلاث صور :
1 / الموازنة القائمة على تعدد الرؤى ووحدة المعالجة النقدية .
2 / الموازنة مع المقارنة في دراسة توافق المفاهيم النقدية وتناظرها .
3/المقارنة في دراسة علاقات التأثير والتأثر بين الآداب العالمية .

1) الموازنة القائمة على تعدد الرؤى ووحدة المعالجة النقدية .
وتبدو هذه الصورة واضحة في كتاب ” المواقف الأدبية ” وهو تتمة لمؤلفات غنيمي السابقة في النقد والأدب إذ تسير في درب الحداثة والتجديد ..
ويقع هذا الكتاب ضمن سلسلة كرّس د.هلال حياته لها سائرا على طريق الأدب المقارن وسالكا درب الحداثة والتجديد مثل كتبه ( الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية ) ، و(الأدب المقارن )، و(النماذج الإنسانية في الدراسات المــقارنة) ، ويؤكد هذا افتتاحه هذا الكتاب بالقول :”نتحدث في هذه الحلقة ..ودراستنا في هذا العام للمواقف الأدبية …. وهو العلم الذي فصلنا القول في أهميته ..فيما درسنا في العام الماضي “(43) ؛ ويختتم بالقول :”ويظل أملنا معلقا أن تتم هذه الدراسات بأمثلة مفصلة تطبيقية من أدبنا الحديث”(44)
وقد درس الدكتور غنيمي هلال في هذا الكتاب مجالات البحث في الأدب المقارن من خلال : عوامل الانتقال ، والأجناس الأدبية والمواقف والنماذج البشرية ، والمصادر والتيارات وركز على المواقف الأدبية وصورها وأدب المواقف بوصفه فرعا من فروع الدراسات المقارنة .
ويبدو هذا التوجه في القراءة الموازنة واضحا في المواضع والممارسات النقدية آلاتية :
تفريقه بين الموقف والموضوع في ناحية الصور وصياغتها الفنية .(45)
استعراض معنى الموقف في الأدب والنقد قبل العصر الحاضر ومعناه في النقد الحديث (46)
تفريقه بين الموقف الحيوي في واقع الحياة والموقف الفني للشخصيات الأدبية .(47)
تفريقه بين الموقف الملحمي والموقف المسرحي أو القصصي (48)وان مرد الاختلاف في الموقف راجع إلى طبيعة الجنس الأدبي ودرجة رقيه الفنية في سلم الأجناس الأدبية ومن هذا الجانب كانت المأساة أرقى من الملحمة في تاريخ تطور الأجناس الأدبية ” (49)
تفريقه بين المأساة الكلاسيكية والمأساة الارسطية .(50)
بيانه للعلاقة بين المسرح والموقف وما يسمى بمسرح المواقف .وتأثر الأدب العربي الحديث بهذا الاتجاه .(51)
وجاء تمثيله التطبيقي إما من داخل الأدب الواحد كموازنته بين قصيدتي البحتري وشوقي(52) أو من داخل الآداب الأخرى كإشارته إلى بطل ملحمة الإلياذة وكيف فرق أرسطو بين الأعمال المرتكبة عن جهل بالمبادئ العامة والأعمال المرتكبة عن جهل بالمبادئ الخاصة .(53) وأن قدامة بن جعفر قد غاب عنه معنى الموقف حين قرر أن الرثاء والمدح شيء واحد.(54)
وقد تنبه الأستاذ غنيمي هلال إلى أن مسرحيات برشت تندرج في ما سماه “أدب المواقف “علما انه في كل تنظيراته وتطبيقاته لا يخرج عن تنظيرات سارتر في كتابه مواقف الذي ترجمه غنيمي ضمن كتاب ما الأدب عام 1961.(55)

2) الموازنة مع المقارنة في دراسة توافق المفاهيم النقدية وتناظرها .
لقد آثر د.غنيمي هلال دراسة موازنة للمذاهب الأدبية الحديثة بهدف الكشف عن التيارات المعاصرة وتقويمها مع ربطها بجوانب التجديد في أدبنا المعاصر وذلك في بعض فصول كتابه ذائع الصيت (النقد الأدبي الحديث) ، وتميز منهجه النقدي بالشرح والتفسير للفلسفات الجمالية الحديثة والتنظير بالأمثلة والتطبيق على الآثار الأدبية العالمية والمحلية .
وفي ذلك يقول :” دراستنا هذه تاريخية علمية نورد الآراء والاتجاهات المختلفة في مكانها من عصرها ..ثم أننا نشرح النظريات المختلفة موحين أحيانا برأينا مكتفين أحيانا أخرى بعرض هذه الآراء ليحيط بها الدارس ويميل إلى أيها شاء”(56).
ولم يكن د. غنيمي من المؤيدين للرجوع بالنقد قرونا إلى ما قبل عهد أفلاطون وأرسطو حين لم يكن للنقد المنهجي وجود وقد درس خصائصه وألقى الضوء على جوانبه وتأثيره في النقد العربي القديم …
وقد كان واثقا ثقة تامة من تواصل الآداب ونقدها في كل العصور إذ لم تنقطع صلة أسلافنا القدماء بتيارات النقد في الآداب الأخرى كما لم تنقطع هذه الصلة في أدبنا الحديث .
ولكي ينقل لنا د.غنيمي هذا التصور على ارض الواقع اعتمد منهجا متميزا يقوم على دراسة موازنة تغطي جوانب التلاقي بين نقاد الآداب جميعا وتعاونهم على النهوض بالمعاني الفنية للآداب القومية .
ورأى أن الاقتصار على وجوه الشبه قصور وتضليل لان ذلك لن ينفع في الكشف عن الآراء وقيمتها وبيان أصولها التاريخية .. في حين أن دراسة الفروق ســتبين هذه الأصول وتميز العناصر الدخيلة من الأصيلة .(57)
وشمل التوجه في الموازنة المقارنة في هذا الكتاب القضايا النقدية الآتية :ـ
*دراسة التعبير الأدبي وخصائصه الفنية في الكلمة والجملة والصورة الأدبية مع بيان وجوه المحسنات البلاغية وبخاصة التعبيرات المجازية وان عبد القاهر كان ” فيلسوفا من فلاسفة النقد وتجلت اصالته على الرغم من أفادته من أرسطو عن فهم وبصيرة “(58)
*دراسة الأجناس الأدبية وان العرب قصروا في فهم وحدة العمل الأدبي لذلك جاء نقدهم خاليا من فلسفة ذات وحدة متكاملة وان نقاد العرب قاموا بالموازنة في المعاني الجزئية بين الشعراء القدماء والمحدثين بحثا عن السرقات .(59)
*تأثير أرسطو في الكلاسيكيين في قواعدهم الفنية وأجناسهم الأدبية.وتعرض نقاد العرب لمسائل مشتركة في النقد الجمالي العام وفي نقد الصياغة الفنية وصدق الكاتب واللفظ والمعنى أو المضمون والشكل(60).
3)المقارنة في دراسة علاقات التأثر والتأثير بين الآداب العالمية .
اعتمد د.غنيمي هلال البحث النقدي المقارن الذي يخالف الموازنة في داخل الإطار القومي الواحد إذ ” لا يعد من الأدب المقارن في شيء ما يعقد من موازنات بين كتاب من آداب مختلفة لم تقم بينهم صلات تاريخية “(61).
وبذلك فانه يشترط لتحقيق المقارنة أن تكون بين آداب مختلفة بينها صلات تاريخية ولم يكتف بذلك حسب بل قلل من شأن الموازنات الداخلية لأدب واحد وعلل السبب بالقول :” لأنها لا تشرح إلا نمو الاستعداد والمواهب للكاتب في علاقاته مع سابقيه من أبناء أمته”(62).
كما اعتمد ناقدنا في توجهه في دراسة الأدب المقارن التعمق في النظر إلى الأدب القومي لتقويمه حق التقويم والكشف عن خصائصه الأصيلة وتتبع نموها وغناها على هدى ما تسير عليه جهود النقاد والكتاب لتوجيه حركات التجديد في أدبهم . ومن يتصفح مصنفات غنيمي يجدها بمثابة دعوة إلى الاهتمام بالدراسات المقارنة في الجامعات العربية.
وقد حمل كتاب (الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي) هذا التوجه وموضوع دراسته هو التأثير العاطفي لقصة مجنون ليلى الذي كان رمزا للعذريين في الأدب الفارسي كما كان في جانبه الأسطوري نموذجا للحب الصوفي في الآداب الإسلامية .(63) ؛ والهدف هو ” الوقوف على جوانب أصالة أدبنا وتوجيه حركة التجديد فيه وجهة رشيدة وبخاصة في عصر نهضتنا الحاضرة التي فيها اخذ أدبنا يساير الآداب العالمية في مختلف الأجناس الأدبية ونواحي التصوير الفنية والموضوعات الإنسانية ” (64)
ولعل تميزه في حقل الدراسة الأدبية المقارنة هو ما جعله أنموذجا للناقد المعاصر الذي يفهم المعاصرة على أنها ” البحث المستمر عن البنيات الجديدة في الثقافة والمجتمع …والنقد المعاصر هو نسق قيمي أفرزته ظروف حضارية وتاريخية يعبر عن مجموع العادات والممارسات التي تجري على نص أدبي معين أو مجموعة نصوص تنتمي إلى ثقافة معينة أو إلى ثقافات متباينة ” (65) .
المبحث الثالث/
اتجاه التحليل والتجديد
ويتخذ هذا الاتجاه لدى د.غنيمي هلال من ناحية التحليل والتجديد في المنهج والرؤية السمات الآتية:
1ـ الريادة في تلقي الأدب ونقده .
2ـ التمتع بالهوية النقدية ومواصفاتها.
3ـ الربط بين النقد والعلوم الإنسانية .

1ـ الريادة في تلقي الأدب ونقده .
إن نقد د.محمد غنيمي التطبيقي قد صدر عن نظريات عامة جمع شتاتها وفصّل أصولها العامة في فصول مؤلفاته ومباحثها مهتما بالتعليل والتفسير أكثر من اهتمامه بالتقييم أو النظر الجمالي ، هذا إذا علمنا أن بعض الباحثين يرون ” أن الدراسة الأدبية تقوم في جامعات العالم على منهج علمي يجمع بين التاريخ والتفسير والنقد وهو منهج يمكن أن يختلف فيه أساتذة الأدب وفقا للأهمية النسبية التي يعطيها كل منهم لأحد هذه العناصر فيولي احدهم الأهمية الأولى للتاريخ أو للتفسير أو للنقد “(66)
ومن إبداعاته النقدية إشاراته إلى تأخر الاهتمام بدراسة الموقف الأدبي في ميدان الدراسات النقدية والمقارنة .. بوصفها ظاهرة أدبية عامة ؛و أن دراستها لم تنتظم على منهج حديث في نواحي الموازنة أو المقارنة ..(67).
وقد كان سبّاقا إلى ربط هذا النوع من الدراسة في النقد الحديث بمصطلح كان قد أطلقه وقتذاك هو مصطلح النقد المقارن و بما يدل دلالة قاطعة على عدم غياب هذا المصطلح عن ذهن د.غنيمي هلال.(68).
وكان كتاب غنيمي هلال ( الأدب المقارن ) واحدا من أهم الأعمال الريادية التي منحه شهرة كبيرة وقد قال عنه احد الباحثين :” يعتبر كتاب غنيمي هلال أول جهد أكاديمي منهجي عربي في الأدب المقارن كعلم وكفرع حديث في العالم العربي ويعتبر غنيمي هلال بحق هو الرائد المنهجي بما يمتلكه من معلومات موسوعية في الآداب الأجنبية ومعرفة باللغات ومعرفة بالمنهج وظل كتاب غنيمي هلال هو الكتاب الأوحد الذي يدرس في الجامعات العربية منذ الخمسينيات وحتى الآن” (69)
وقد وصفه بأنه الرائد المنهجي للأدب المقارن(70) …..وان كل خصائص المنهج الفرنسي التاريخي تتجلى في مفهوم غنيمي لمصطلح الأدب المقارن (71).
ووصف احدهم هذا الكتاب بأنه ” أول جهد أكاديمي منهجي عربي في الأدب المقارن كعلم وكفرع حديث في العالم العربي ويعتبر غنيمي هلال بحق هو الرائد المنهجي بما يمتلكه من معلومات موسوعية ..ومعرفة باللغات ومعرفة بالمنهج وظل كتابه غنيمي هلال هو الكتاب الأوحد الذي يدرس في الجامعات العربية منذ الخمسينيات وحتى الآن ” (72)
ولا مراء أن الإبداع عنده لم يكن قائما على اجترار أفكار أجانب عن قومهم أو عن طريق الخداع والتضليل مثل أولئك الذين” تتاح لهم فرصة الإطلاع على اثر أو فكرة أجنبية لم تسد في بيئتهم ويعرفون جهل قومهم بالفكرة أو صاحبها أو باللغة التي كتبت بها” (73)
فالناقد الأصيل في نظره هو الذي ” يمزج بين الآراء والنظريات في ممارسة النقد … فلا ابتكار دون الرجوع إلى التراث العالمي.. في شتى موارده القديم منه والحديث وللناقد بعد ذلك حريته بالإطلاع والوعي الناضج كي يتبين اصالته في الوحدة التي لا جمود فيها ولا تحكم”(74).

2ـ التمتع بالهوية النقدية ومواصفاتها.
فقد وضح د. غنيمي هلال رسالته في الجهود النقدية التي يبذلها درسا وشرحا وتبليغا بأنها :” بناء النقد على أساس علمي موضوعي لا يقضي على ذاتية الناقد ولا يتحكم في اصالته ولكنه يدعم هذه الذاتية وهذه الاصالة في الأدب حتى نقضي على الأدعياء في هذين المجالين وحتى يتسع الميدان للدعاة المؤمنين بالأدب ورسالته. وبأننا يجب أن نعيش بجهودنا الصادقة الجادة لوطننا وللإنسانية مما يتطلب منا أن نحيا بفكرنا وأدبنا في العصر الحديث غير متخلفين ولا متوانين فكما أن الأدب هو التعبير الحر عن وعي الأمة في آمالها الكبيرة ومثلها من وراء التصوير الصادق لواقعها فيما يشف عنه من إمكانيات أو يوحي بها؛ فان النقد هو وعي الأدب الصادق الرشيد لدى الكتاب والنقاد على حد سواء “(75)
وقد التزم د. غنيمي هلال بهذا المبدأ في قراءاته التحليلية لدراسته للأجناس الشعرية والنثرية، فلم يضعها تحت المجهر الارسطي وإنما اقتصر في حديثه عنها في جنسين هما المديح والغزل راصدا الملامح العامة لهذا الفن عند العرب ومنها :أن صفات المدح والتصرف بها تكون على حسب طبقات الممدوحين ، وان مطالع القصائد تقليدا وتجديدا تعود إلى البيئة العربية …..لكنه في عرضه لقضية اللفظ والمعنى شدّد على المقابلة بين نقاد العرب وأرسطو يقول :” وهذا ماعني أرسطو بشرحه ..حين تحدث في تنظيم أجزاء القول في الخطابة وحاول بعض نقاد العرب مجاراته في ذلك حين عالجوا أجناس الأدب العربي شعره ونثره ولكن عنايتهم ببيان وجوه الجمال في هذه الأجناس كانت اقل من عنايتهم بنقد الجملة أو الأبيات المفردة في القصيدة وهو فارق جوهري بين النقد العربي جملة ونقد أرسطو “(76) .
وفي ما يتعلق بنظرية المحاكاة حللّ أسباب عجز نقاد العرب عن الإفادة من أرسطو وعلق خارج متن الصفحة قائلا ” على إننا نظلم النقد العربي إذا وقفنا في بيان تأثره بنظرية المحاكاة عند هذا الحد فقد انتقلت فكرة القيمة بين الأفكار التي أولى بها أرسطو في نظرية المحاكاة إلى النقد العربي فأثرت فيه تأثيرا خصبا متنوعا وهذه الفكرة تدور حول صلة الشعر بالفنون الأخرى “(77) .

وباختصار فقد اتسم تحليله في دراسة النقد العربي القديم بالسمات الآتية:
– إيراد الآراء والاتجاهات المختلفة في مكانها من عصرها ،فمثلا وقف د. غنيمي عند قيمة الوجوه البلاغية في النقد العربي القديم ووضح أسباب تلك القيمة لكنه لم يهتم ببيان هذه الوجوه البلاغية وذلك لاهتمامه بآراء القدماء من أنصار عمود الشعر دون المحدثين منهم واكتفى بذكر بعضا من جهود المحدثين من الكتاب والشعراء في التجديد في صنوف المجاز والمعاني المفردة وللسبب نفسه نظر إلى عناصر عمود الشعر على أنها المقاييس العامة الموضوعة لجودة الأخيلة الشعرية .

– شرح النظريات المختلفة مع الإيماء بالرأي الشخصي أحيانا ، ففي الفصل الأخير يتحدث د. محمد غنيمي عن القيم الجمالية تحت عنوان اللفظ والمعنى مستهلا حديثه بالقول :” هذه مسألة من مسائل علم الجمال الحدي شغل بها القدماء قبل أن يعالجها العرب ” (*).

-إن تعامل د.غنيمي مع التراث النقدي اتصف في كثير من الأحيان بصبغة المقارنة وهو يعيد تشكيل النصوص النقدية بشكل يبرر مواقفه المسبقة المتشبعة بالثقافة الغربية .
-ذكر الفكرة أو النظرية في مواضع متعددة تبعا لمختلف العصور والكتاب مدعما بفهرس عام ومختص .
الاستشهاد بالنصوص الأدبية لنظريات النقد التي يؤرخ لها من دون دراسة النصوص نفسها علما أن بعض النصوص قد تكون من الآداب العالمية وبخاصة القصة والمسرحية .

وفي ما يتعلق بالنقد المسرحي استبعد الطريقة التقريرية والنزعة الذاتية من خلال الدراسة الوصفية لأنها ” توفر الحرية الفنية للعمل المسرحي وتدعم نظرات الناقد بما تتيح له من رؤية موضوعية قد تظهر فيها قدرته على التأمل المثمر ” *

كما انه لم يكن محللا يميل إلى الإفراط في ” الهيام بكل ماهو أجنبي وتحكيم الآراء النقدية التي خلفها أرسطو …وان يوازن بين الأدب العربي والأدب اليوناني موازنة تنتهي إلى الحكم بتفضيل الآخر على الأول ” (78)
وحدد د. غنيمي مفهومه التحليلي للنقد بأنه (وعي ) أي إدراك وفهم ودراية ب (الأدب ) الحي( الصادق الرشيد ) وصفات الصدق والرشاد تتواجد في نفوس المبدعين من الكتاب والنقاد على حد سواء(79)…
فهل يتبنى في تعريفه هذا للنقد النظرية الواقعية التي ترى النقد تصويرا صادقا لواقع الأدب مثلما أن الأدب تصوير صادق للواقع الحياتي من خلال ما يشف عنه من إمكانيات أو يوحي بها ….؟؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن ندرك أولا مواصفات الناقد من وجهة نظر د.محمد غنيمي هلال؟!!!
فالناقد في منظور د. غنيمي هلال ينبغي أن يتحلى بالسمات آلاتية :
*العلم *الموضوعية *الذاتية *الاصالة *الصدق
” ويجب أن نعتد في تحليل الشعر بالتجربة ..وبما توافر فيها من وحدة عضوية وبما استكملت من مسائل الصياغة في صورها وموسيقاها كي تكتمل بنيتها الحية (80).
ومن الواضح أن هذه النظريات والأسس لا تتوحد مع النتاج الأدبي بوصفه عملا فرديا فهي لم توجد ولم تتم متجردة من الأعمال الأدبية في مجموعها وملابساتها “(81)
وقد حدّد احد الباحثين أدوات الناقد في منظور غنيمي هلال وهي” العلم بالحقائق التاريخية ..ومعرفة دقيقة لتاريخ الآداب المختلفة ..وقراء النصوص بلغاتها الأصلية …وإلمام بالمراجع العامة مع علم بطريقة البحث في المسائل وبمظان مواضعها من الكتب المدروسة “(82).
ولا غرابة أن في كل عملية تحليلية أسبقية للتطبيق على التنظير؛ فالعمليات التطبيقية لنقد عمل أدبي معين إنما يرافقها نظر دقيق وتأمل عميق وإحضار للعقل من اجل التركيب والتحليل ؛ كل ذلك يأتي أولا ثم تتبعه عمليات استنباط واستنتاج ، تكون محصلتها النظريات والقوانين والقواعد والمعايير وبذلك لا فصل بين النقد تنظيرا وتطبيقا ولكن هناك أولوية التطبيق وثمرته التنظير وليس العكس ولابد من الاول ليتم الثاني إلا إن الدراسة التاريخية لا تحقق هذه الغاية فهي تتناول النواحي الجمالية واللغوية في تاريخ الفكر الإنساني بمعزل عن التجارب الادبية التي انبثقت عنها وكانت تحصيلا لها . ” وغايته ” أن يدعم الوعي النقدي بإقامته على أساس نظري عملي معا عن إيمان انه لا غنى عن الجانب النظري في النقد بعد أن أصبح علما من علوم الدراسات الأدبية ” (83).
وعلّق د.محمد صادق عفيفي في معرض تعقيبه على ما قاله د.غنيمي من ” إن قوة الشعر تتمثل في الإيحاء بالأفكار عن طريق التصوير …ومدار الإيحاء على التعبير عن التجربة ودقائقها “(84) بالقول عن الناقد البصير انه ” يستطيع أن يتعرف على دقة الشعور والعاطفة أو زيفها.. وان زيف الشعور والعاطفة يتضح في نواحي كثيرة ..”(85)
ويلزم د. غنيمي هلال الناقد الذي يمارس التحليل بأن يكون قادرا على أن يطلق الحكم على ما يقرأ من أعمال أدبية وقد يخطئ أو يصيب لكن المهم هو أن يعلل أو يبرر ليعطي حكمه المشروعية أو المصداقية وإذا لم يفعل ذلك يكون ناقدا يشبهـه د. غنيمي هلال “بالساعة الخربة يكون اضبط الساعات في وقت من الأوقات ولكن لا تلبث أن ينكشف زيفها في لحظات “(86) .
ولنا أن نتصور مدى الحيف الذي يلحق بالناقد حين يوصف بأنه ناقد نظري وما يترتب عليه من نعت ظالم ” أن على الناقد أن يبدي تواضعا و حذرا معقولين في التقويم “(87).
كما دعا د. غنيمي إلى نقد خلاق أي” نقد يدعو إلى نتاج جديد في سماته وخصائصه فيسبق بالدعوة ما يدعو إليه من أدب بعد إفادة وتمثيل للأعمال الأدبية والتيارات الفكرية “(88) .
ويرفض د.غنيمي هلال النقد الانطباعي المنهجي أي نقد العمل ساعة إبداعه بل هو يريد نقدا تاليا للإبداع أو لاحقا لنص سابق وجوده إلا في حالة النقد المبدع الذي يسبق الأدب في الدعوة إلى تيارات أو أفكار .. وهذا مألوف لدى كبار المجددين من الكتاب والعباقرة الذين دعوا إلى المذاهب الأدبية في مختلف العصور فساعدوا على أداء الأدب لرسالته وتجديده وإرساء الفلسفة الجمالية الحديثة . وهذا ما يعوزه النقد العربي الحديث ويختلف فيه عن نظرائهم من الآداب العالمية الحديثة . (89) ” والناقد الذي يقنع بجهله في حقل العلاقات التاريخية سرعان ما يضل في أحكامه الأدبية .. أن الناقد الذي لا يحوز على معرفة بالتاريخ ويكتفي بالقليل منها يميل إلى إطلاق التخمينات جزافا ..”(90) .
ويرى أن البحث عن مقومات العمل الأدبي إنما يكون أولا بوصفه كلا ذا وحدة وثانيا بوصفه جزئيات وطرائق في التعبير اللغوي(91)

2) الربط بين النقد والعلوم الإنسانية .
وفي إطار نظرته التجديدية لم يفصل بين النقد بوصفه علما من علوم الدراسات الأدبية وبين النقد بوصفه تطبيقا(92) ف” الأصل أن يستفيد النقد من معطيات فروع المعرفة الأخرى من أدبية وعلمية وان يستخدمها لأغناء العمليات النقدية الأساسية الثلاث : الشرح والتعليل والتقويم” (93) كما أكد ضرورة الإطلاع على النظريات الجمالية الخاصة بكل جنس أدبي من شعر وقصة أو مسرحية وكيف يفيد منها في توجيه أدبنا العربي(94) .
وقد وجد د. غنيمي أن للنقد ارتباطا بعلوم الجمال التي هي من فروع الفلسفة ومنها فلسفة أفلاطون وأرسطو . وإذا كانت الفلسفة تجريدية فان النقد الذي موضوعه الأدب يظل وثيق الصلة بالفلسفة .
وعن أسس الجمال الفلسفية للنقد الحديث قال:” على أننا نحذر من اتخاذ المضمون والشكل معيارا للتحليل الأدبي ..لأننا إذا أمعنا النظر وجدنا بعض عناصر الشكل داخلة في المضمون ، مثلا إذا سلمنا أن الأحداث في القصة تندرج فيما يطلق عليه المضمون فان ترتيبها على نحو خاص جزء جوهري مما يطلق عليه الشكل إذ بهذا الترتيب وحده تكتسب طابعها الفني “(95)
وتنبه د.غنيمي هلال إلى أن التقاء فلسفة النقد الأدبي بالفلسفة التاريخية يحقق ما يمكن تسميته بالنقد التاريخي(96) ….” والحقائق التاريخية فيها ليست إلا باعثا أو تعلة لقضايا المؤرخ وفيها يعود المؤلف ـ من شروحه الصادرة عن فهمه للماضي ـ إلى الحاضر ليوسع آفاقه وينمي جوانبه فتتولد المعاني الإنسانية مجردة ..من معناها الزمني لتصير مقوما من مقومات الحضارة او قضية من قضايا الحاضر توجه المستقبل فتكشف بذلك عن الخصائص الدائمة للوجود الإنساني “(97) .
لكنه حذّر من الاهتمام بدراسة التاريخ على حساب التحليل الأدبي و في حديثه عن تطور مفهوم القصة في الأدب العربي استبعد الروايات التاريخية : لان هذه الروايات كان يقصد بها التاريخ ولم تتوافر لها الصياغة الفنية .”(98)
أما عن علاقة النقد بعلوم اللغة كعلم الأصوات وعلم الدلالة والبلاغة فان المرء سيتعلمها لتكون دعامة له وعصمة … كذلك الأمر في علوم العروض والبلاغة القديمة والحديثة .
وللنقد الأدبي ارتباط بالعلوم التجريدية لا من ناحية الخطأ أو الصواب وإنما من زاوية أن نؤمن بان للظاهرة الإنسانية الواحدة جوانب مختلفة وان البحث فيها يغني ويكمل الخلاف ” لان كل باحث ينظر إلى جانب من جوانبها فيتحدث عنها كأنه على النقيض ممن يتحدث عن الجانب الآخر والحقيقة أن كليهما يتمم الآخر “(99).
وهنا يأتي دور الحجج التي يسوقها الناقد للرد على ناقد آخر ودور التعليلات والأسباب واستخدام الاقيسة المنطقية في النظريات المطروحة للمناقشة ” فمبادئ النقد ليست لها قوة القوانين ولا حتمية العلوم التجريبية ..لكن لها سيطرة الوعي التاريخي للفن “(100) .
إما على صعيد التطبيق فاشترط للناقد المواصفات آلاتية :
الذوق ـ الفهم ـ التعدد النظري ـ العالمية في النظرة إلى الأدب ـ الاحاطة بالأجناس الأدبية .
وحذر من الذاتية مؤكدا أن ” ذاتية الناقد ليست مطلقة وان الناقد يرجع دائما إلى حقائق غير محصورة في ذاته وان النقد الصحيح كالأدب في وحدة غايتهما الإنسانية والفنية “(101)
إلا أن د.غنيمي هلال لا يلغي الذاتية تماما بل يراها ضرورة لا سبيل إلى تجنبها ؛ فكيف يتسنى للناقد أن يكون ذاتيا بلا نقيصة . يقول د. غنيمي هلال:” مرد الأمر فيه إلى قدرة الناقد على تلمس مواطن الضعف او القوة او على تذوقه لمظاهر الجدة ..”(102)
ولولا الذاتية لما تفتحت آفاق واسعة للآداب الأوربية في مختلف عصورها وتيارات فكرية وسياسية واجتماعية .
كما أن نظريات النقد تمنح الناقد صواب الحكم والكشف عن آفاق جديدة كما تمكنه من شرح الاتجاه الجديد شرحا فنيا وعلميا يفيد فيه مما اطلع عليه من التراث الأدبي وتراث النقد معا .
” وقد كتب اليوت في مقدمة كتاب الغابة المقدسة يقول: أن من واجب الناقد أن يحفظ الموروث حيث يكون هناك موروث جيد”(103).
من هنا كان د.غنيمي هلال ناقدا تكامليا يتمتع بالقدرة على التحليل والتركيب والموازنة والمقارنة بهدف تجديد النقد الأدبي وإبعاده عن التخبط في الفوضى والتعميم..فضلا عن امتلاكه مواصفات الباحث الأكاديمي الذي يجمع ” نزعة تفسيرية إلى جوار نقد تقويمي وقد نجد منحى تحليليا إلى جانب نزعة تأثرية او اجتماعية أو تاريخية “(104)
وان هذه النزعة الانتقائية في التوجه المنهجي في التحليل ليست عيبا فقد أكد ديفيد ديتش أن ” هذه الطريقة التي يمكن أن ندعوها انتقائية ليست مربكة بالضرورة فقد مرت بنا أمثلة من نقد يجمع عناصر من مناهج مختلفة “(105)
الخاتمة
لقد سعت هذه الدراسة إلى الوقوف عند ناقد شكّل نقده معلما بارزا في مسار النقد العربي المعاصر ؛ وتدلنا أعماله النقدية على المستوى الذي بلغته تجربته النقدية من حيث النضج والغنى اللذان يتمثلان في ثراء تحليلاته النقدية وتنوعها … ناهيك عن كونها تعبر بجلاء عن التحول الجذري في النقد الأدبي العربي وعلاقته بالنقد الغربي .
ولا تقف كتابات د. محمد غنيمي هلال النقدية عند حدود التلقي النقدي المباشر فحسب ، بل هي قابلة بدورها أيضا للقراءة والتأويل..و بما يسهم في إيجاد وعي نقدي تتعدد فيه وجهات النظر وتختلف زوايا الفهم حول القضايا التي تبناها التراث النقدي العربي والخطاب الفكري القديم..
لذلك نراه لا يقف عند مجرد العرض أو التلخيص بل يسعى هادفا إلى بناء نظرية نقدية تكون محققة للنتائج التي يسعى المنظرون إلى بلوغها أو بلوغ بعض أهدافها.

ولم يكن ذلك متحققا بين ليلة وضحاها بل كان محصلة لقراءات جمة هضم غنيمي خلالها الدراسات الأدبية بجهد ثرّ وغزير. وقد اثّر نقده في كثير من الباحثين المعاصرين له سواء في توجهه التاريخي أو دراسته المقارنة أو أفكاره عن وظيفة الناقد.

وقد تبين لنا أن منهج د. محمد غنيمي هلال منهج وصفي تحليلي مقارن معا يكتسي صفة الانتقائية في إعادة تشكيل النصوص النقدية التراثية بشكل يبرر مواقفه ومنطلقاته المغلبة للثقافة الغربية.
وحاولنا في قراءاتنا للمنجز النقدي للدكتور محمد غنيمي هلال أن نستكشف بنياته النقدية بهدف استنباط المنهج المعتمد من طرف الناقد وقد وجدنا من خلال محاورتنا لمفاهيمه الإجرائية أنه ناقد قد تمثل الثقافة الجمالية النقدية المعاصرة من ناحتين :
1) استيعاب الثقافة الغربية كما استوعبها الناقد الغربي .
2) تمسكه بالمفهوم الارسطي للفن ونظريته في المحاكاة .

هوامش البحث ومصادره /
1) نموذجها طه إبراهيم ود.محمد زغلول واحمد أمين والثانية نموذجها د.إحسان عباس .
2)نموذجها د.محمد مندور ود.محمد غنيمي هلال .
3) ولد محمد غنيمي هلال بمحافظة الشرقية في مصر في 1916 وتوفي في 1968 وكان عضوا في أول بعثة علمية لدراسة الأدب المقارن سنة 1943حصل خلالها على الليسانس ودكتوراه الدولة في الأدب المقارن من جامعة السور بون سنة 1952 عن أطروحتيه : تأثير النثر العربي في النثر الفارسي خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين والثاني عن الفيلسوفة المصرية هيباتيا في الأدبين الفرنسي والإنجليزي خلال القرنين الثامن عشر والعشرين .
ومن أهم مؤلفاته في النقد : النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن والحياة العاطفية بين العذرية والصوفية والرومانيكية ودراسات ونماذج في مذاهب الشعر نقده .
4)ينظر: التيارات المعاصرة في النقد الأدبي ،د.بدوي طبانة ،طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة ،دار المدينة المنورة للطبع والنشر الرياض 1983/34ـ35.
5)في النقد الأدبي الحديث مقدمات مداخل نصوص ، د.عبد النبي اصطيف ج1ط2،2003 /35.
6 )م.ن/36ـ38.
7)بنية الخطاب النقدي دراسة نقدية ،حسين الخمري /25.
8)م.ن /103ـ104.
9)الأدب المقارن،د.محمد غنيمي هلال،دار نهضة مصر للطبع الفجالة القاهرة د.ت./ 418.
10)ينظر : النقد الأدبي الحديث ، محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر للطبع الفجالة القاهرة د.ت. /3وينظر: في النقد الأدبي الحديث /هامش 47.
11)في النقد النظري نحو حركة نقد أدبي راسخة د.عبد الرحمن ياغي /30.
12)م.ن/22.
13)ينظر: نظرية الأدب ،رينيه وليلك واوستن وارين ،ترجمة محيي الدين صبحي مراجعة د.حسام الخطيب ،مطبعة خالد الطرابيشي 1972 /89ـ161و183ـ357.
14)النقد الأدبي الحديث/12.
15)ينظر:الغربال وهامش 47النقد الأدبي الحديث/3
16)في الأدب الجاهلي ، د.طه حسين ،ط9، دار المعارف بمصر د.ت/40.
17)في النقد الأدبي الحديث/13.
18)ينظر: النقد الأدبي الحديث /3.
19)ينظر:م.ن/
20)ينظر:م.ن/هامش150.
21)م.ن/253.
22)م.ن/265ـ266.
23)م.ن/273.
24)م.ن/291.
25)م.ن/5.
26)ينظر: التيارات المعاصرة في النقد الأدبي /30ـ65.
27)م.ن/632.
28)النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ، ستانلي هايمن ج1 ترجمة د.إحسان عباس ود.محمد يوسف نجم ، مؤسسة فرانكلين المساهمة للطباعة والنشر بيروت 1958/ 135ـ145.
29)النقد الأدبي الحديث/ 7.
30)النقد الأدبي الحديث/6.
31)بنية الخطاب النقدي /107.
32)النقد الأدبي الحديث/628.
33)ينظر النقد الأدبي الحديث/ 196و ينظر:هامش 159.
34)م.ن/204.و386.
35)م.ن/96ـ112وينظر:هامش204.
36)ينظر: عيار الشعر، محمد احمد بن طباطبا العلوي شر وتحقيق عباس عبد الساتر ،دار الكتب العلمية ط1 ، 1982/115ـ125..وينظر: دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده /32ـ53.
37) النقد الأدبي الحديث / 161و228 و ينظر: فن الشعر ،عبد الرحمن بدوي /17ـ168.
38)ينظر: ينظر:النقد الأدبي الحديث /161وينظر:شرح ديوان الحماسة للمرزوقي/ 31.
39) الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي دار القلم بيروت لبنان 1966./48
40) ينظر:م.ن/152ـ154و157.
41)النقد الحديث/8.
42)ينظر:الأدب المقارن/289.
43)المواقف الأدبية،د.محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر للطبع الفجالة القاهرة 1973،/3
44)م.ن/4.
45)م.ن /30.
46)م.ن/31.
47)م.ن/32.
48)م.ن/33.
49)م.ن/43.
50)م.ن/34.
51)م.ن/35.
52)م.ن/36.
53)م.ن/37.
54)م.ن/38.
55)م.ن/39.
56)النقد الأدبي الحديث/7.
57) م.ن/6.
58)م.ن/630.
59)م.ن/630.
60)ينظر: النقد الأدبي الحديث/342ـ448.
61)الأدب المقارن/17.
62)م.ن/19.
63) الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي ،د.محمد غنيمي هلال ،
64)م.ن/10.
65)بنية الخطاب النقدي /106.
66)النقد والنقاد المعاصرون،د.محمد مندور،مراجعة نعيم زرزور، دار القلم بيروت ، لبنان/113.
67)ينظر: المواقف الأدبية/ 23.
68)ينظر:م.ن/24.
69)مقدمة في نظرية المقارنة ،د.عز الدين المناصرة ،دار الكرمل ،للنشر ط1،عمان 1988/169.
70)ينظر:م.ن/166.
71)م.ن/25.
72)م.ن/169.
73) السرقات الأدبية دراسة في ابتكار الأعمال الأدبية وتقليدها،د.بدوي طبانة ،طبعة مزيدة ومنقحة ،دار الثقافة بيروت ،لبنان ،د.ت./126.
74)النقد الأدبي الحديث/5.
75)م.ن/8.
76)م.ن/241.
77)م.ن/159.
*)م.ن/204.
*) في النقد المسرحي ،د.محمد غنيمي هلال دار النهضة العربية القاهرة 1965/5.
78) التيارات المعاصرة في النقد الأدبي/41.
79)م.ن/8.
80)م.ن/462.
81)م.ن/7.
82)أوراق مطوية من تاريخ الأدب المقارن في الوطن العربي /22ـ23.
83)النقد الأدبي الحديث/4.
84) النقد التطبيقي والموازنات ،د.محمد الصادق عفيفي مطابع الرجوي ،القاهرة ،1978/55.
85)م.ن/54.
86)النقد الأدبي الحديث/10.
87)النقد الأدبي ومدارسه الحديثة /92.
88)النقد الأدبي الحديث/10.
89)ينظر:م.ن/12.
90)م.ن/12.
91)م.ن/492.
92) النقد الأدبي الحديث/4.
93) جوانب من الأدب والنقد ،د.حسام الخطيب،ط9،جامعة دمشق 2003/ 227. . وقد نقل عن كتاب نظرية الأدب بترجمته من الكتاب باللغة الإنكليزية .
94) ينظر:النقد الأدبي الحديث/341.
95)م.ن/10.
96)جوانب من الأدب والنقد /318ـ319.
97)النقد الأدبي الحديث/340.
98)م.ن/341.
99)م.ن/14.
100)م.ن/16.
101)م.ن/22.
102)م.ن/23.
103)النقد الأدبي ومدارسه الحديثة /151.
104)مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع ،فاضل ثامر ،دار الشؤون الثقافية العامة ط1،بغداد1987/14.
105)مناهج النقد الأدبي ،ديفيد ديتش ،ترجمة محمد يوسف نجم دار صادر بيروت 1967/433.

تم بحمد الله

شاهد أيضاً

عن الآداب العربية في شبه القارة الهندية
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

من المفارقات التي ترادف صدور الكتب وأخذها مواضع من المكتبات الخاصة للأدباء في بيوتهم وللذين …

شوقي كريم حسن: جابر خليفة جابر.. سرديات الرفض وتحدياته!!

*لم تك ايام التسعينيات من قرن المتغيرات والحروب، سهلة وباذخة على من ينظر الى هاتيك …

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *