عبد الهادي والي : قصص علي السباعي الخطاب مع الآخر في السرد الحكائي

قصص علي السباعي الخطاب مع الآخر في السرد الحكائي
عبد الهادي والي

ناقد

وتمتلك (مومياء البهلول) للقاص علي السباعي مواصفات القصة الناجحة بما تهيأ لها من قدرات واضحة في تكوين الجملة القصصية ورسم الجو الممهد لولوج عالم القصة الساخن، وقد عالجت القصة موضوعا ساخنا هو الاخر تكاد تحترق من خلاله اصابع القاص وهو يخوض خضم احداث يزاوج فيها بين الازمنة المختلفة عبر تقنية حديثة، تتوسل بالرمز الشفاف الذي يقودنا رويدا رويدا الي فك استحكامات شفرة النص المتماهية مع الماضي، افاقا ورؤي تصطرع مستخدم البوح المموه لبلوغ الهدف الاسمي من العملية الابداعية وهو الرغبة في التوصيل وشد عري وجسور الخطاب مع الاخر. في القصة افاضة في السرد وحشر للكثير من اللحظات الزائدة التي يمكن ان يحذفها من دون ان يمس ذلك بسياق القصة ومن خلال السرد المتواصل يكاد يتعري الرمز-احيانا- فالتمويه المطلوب وحجب بعض المفاتيح اللفظية وتعميتها سيقودنا- ايضا – الي فهم الموضوع وتحقيق فنيته في آن معا. موضوعه القصة تتناول الحصار وتاثيراته المباشرة وغير المباشرة باسلوب يتوسل بالجمل القصيرة الحادة ويرتكز علي حوار متواصل بين البهلول (وهو شخصية تستند الي ارث حكائي) وامرأة تقود عربة خشبية يجرها حماران رماديان، كل منهما بأذنين مبتورين، تعلن بضاعتها منادية: (بلسم شاف) لمرضي الحصار. جرعة واحدة تقيكم برد الشتاء جرعتان تمنعان عنكم الجوع ثماني جرعات تكسر الألم داخلكم عشر جرعات تمنحكم قوة مئة فارس، شهق احدهم متسائلا: وماذا نصنع بهذه القوة؟ قالت بحماسة: بامكان المحاصر كسر عنق عشرة ذئاب دفعة واحدة؟! جادلوها: كوننا نعيش حصار الذئاب تكذبين علينا بزقومك هذا نعتها مشعوذ بجبهة خالية من الحاجبين، محتالة : قال آخر دجالة مطت شفتيها الزرقاوين برعب مستتر خلف متاريس دهشتها: قالت مستاءة: جربوا البلسم فقط جربوه) ان التقطيع المستمر في الحديث وتداخل السرد والحوارات المختلفة يثقل جو القصة، حتي ليكاد يضيع خيط الحدث بين زحمة المفردات والمقاطع المتواترة بكثافة شديدة، ولا شيء يثقل فضاء القصة الكثيف اكثر من قتامة التداخلات في بنية السرد حيث ان كثرتها مما يربك التنامي المتدرج والبطيء شيمة القص الرئيس: غير ان ما يعطي القصة حيوتها ودفقها القوي هو هذه القدرة- الواضحة- علي سبك العبارات القصصية المتماسكة وامتلاك ناصية اللغة والسير الحثيث بنثار الاحداث نحو البؤرة او المحور الذي يشتغل عليه النص- برغم كثرة التعرجات- ورسم الاجواء بعبارات دالة، والقدرة الواضحة علي الاستهلال القصصي، وهو ما يشكل ميزة هي من خصائص القاص علي السباعي، يكاد ينفرد بها عن بقية زملائه من القصاصين الشباب، ان القصة لديه تتجه بخطوات واثقة نحو الاكتمال والنضج من خلال مواصلة مستمرة ودأب في متابعة هذا اللون من الادب ومن سعي جاهدا لادراك شيء فلا بد له من الوصول! وهذا ما سيحقق لقاصنا المبدع علي السباعي.
يعبر عن واقع مرير يكتنفه الخوف من مواجهة قوي شريرة، وينوء تحت ثقل كابوس من القهر والجوع والمطاردة، بلغة رمزية شفافة تقترب كثيرا من أجواء الشعر لتحلق في فضاءات بعيدة وهي تقتنص الكثير من التفاصيل التي يزخر بها واقع بائس، وتتخذ من الغرائب مجالا تتحرك وسطه، ففي قصة (مملكة الغضب) نلحظ عالما غريبا يختلط فيه الخرافي بالواقعي، اليقظة بالحلك، عالما اشبه بالكابوس حيث يخترق اللواتي تشتعل اجسادهن لهبا وتشع عيونهن بالفسفور لتدور حوارية طويلة يحضنها مع بطل القصة، الذي تقوده امراة ومن وسط الشارع الي قصر شامخ يعج بالانوار والمرمر، ليساومنه علي حياته ويهددنه بالموت في تلك الاجواء المترفة، الخيالية لنلمس من خلال السرد التناقض الصارخ والملحوظ بين ترف القصور التي يمتلكها بعضهم وبؤس العراق المهمش. وفي قصة (عطش ذاكرة النهر) يقودنا الرمز الذي يتكشف بفنية عالية ، حيث الناس يحملون المعاول للبحث عن آبار ماء ان جفت الارض ونضبت الانهار وهم يحترقون عطشا الي قطرة تبل ظمأهم.واحتشد المشهد باخرين يحملون معاول اخري ليحفروا بها قبورا لفقيرة!) لقد جفف النظام السابق الاهوار ليصبح البحث عن قطرة ماء البحث عن حلم شبه مستحيل بالنسبة لاهالي تلك المناطق المنكوبين فيما انتشرت المقابر الجماعية تضم اجساد الاف المعذبين من شعبنا المقهور غير ان النهاية تكون دائما لصالح المضطهدين باندحار الطغاة والظالمين فها هي المتسولة تزغرد وهي تهتف: (ولي زمن الغربة وعاد نهرنا يجري!) وفي قصة (وساخات مدن آدم) يبرز الخراب واضحا حيث الدمار الشامل والفقر والعوز وتتضور شرائح واسعة من الشعب جوعا، تقابلها تخمة نفر ضال من الوصوليين والمطبلين للنظام الفاسد، فها هي المدن تغرق بالنفايات والمتسولين حيث الشمس تحجل متعبة نحو الغروب واقدام الصبيان الحافية تخوض في الاوحال وتبحث وسط المزابل عن اشياء صغيرة وتافهة يمكن الانتفاع ببيعها! (ليل المدينة ثقيل كالقار، ساعاته تتكتك بفوضي وألم، جرذان رمادية كبيرة تقرض مثل ساعات الزمن برتابة مقززة، تدق تقرض، زمن لا يتوقف كآدم السائر ابدا زحف صوته منضبطا في قاذورات المدينة، (اشقياء نصيبكم الموت) لقد استطاع القاص علي السباعي عبر قصصه الفائتة، وعبر قصص سابقة ان ينتقل لنا بعض ملامح ذلك الواقع الحزين وذلك الخراب الشامل بأمانة وصدق، وباسلوب جميل تعتوره بعض الهنات التي يمكن تلافيها وتجاوزها بقليل من التدقيق والانتباه تبرز من خلال لغة متشابكة في بعض المواضع، تحتشد بالاوصاف والتعبيرات الزائدة التي تحتاج الي التشذيب والمواجهة ليستقيم السرد، كما انه استعاض في قصصه عن الفعل القصصي الذي ينمو باضطراد ليكشف بؤرة الحدث او المضمون القصصي، بتلك الجزئيات المبثوثة التي تسود السرد، والتي تكون-غالبا- بديلا عن ذلك الفعل غير ان الامر يعد طبيعيا بالنسبة لكاتب شاب لابد ان يتخلل اسلوبه وادواته الفنية بعض النقص، ليعالج بالمران والدربة والتواصل في الكتابة. ان المستقبل القريب كفيل بابراز موهبة قصصية جديدة ترفد الواقع القصصي العراقي بقاص سيترك اثره الواضح وبصمته في الساحة الادبية، اذا تم له الاصرار والمثابرة ليشق طريقه في عالم القصة الصعب والجميل وسوف نكون دوما بانتظار قصص جديدة للقاص علي السباعي ينقلنا فيها الي تلك الاجواء الاسطورية والواقعية التي ترفل بالخيال لنعيش المتعة عبر اسلوب يعج بالادهاش والاسترسال الطريف في نقل الكثير من الجزئيات الظاهرة والمتخفية وبعض الموروث الشعبي الذي يحفل به واقعــنا المحلي.

*جريدة (الزمان) الدولية – العدد 2613 في 7/2/2006

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *