الرئيسية » ملفات » ميسلون هادي : الشهيرة بأسمهان (ملف/40)

ميسلون هادي : الشهيرة بأسمهان (ملف/40)

إشارة:
يسر اسرة موقع الناقد العراقي أن تنشر هذه القصة القصيرة المميزة للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي ضمن الملف المخصص لإبداعها.

الشهيرة بأسمهان
ميسلون هادي
هبت العاصفة الترابية ومنعتني أمي من الذهاب إلى المدرسة.. بكيت طويلاً، وامتنعت عن أكل طعامي وقت الغداء.. ثم تركت المطبخ والدنيا ، وجلست قرب النافذة أنتظر عودة صديقتي شهد من المدرسة.. يجب أن أناديها فور أن أراها لكي تعطيني الواجب، وأن تحكي لي ماذا حدث بالضبط في غيابي، فأنا لم انقطع يوماً عن المدرسة ولا حتى في عرفات العيد، وكل ما خططت له قد ارتبك وتأجل بسبب العاصفة..
عاصفة التراب لم تمنعني من ارتداء ملابسي واحتضان الورد الذي اشتريته للملكة مع بطاقة صنعتها بنفسي ورسمت عليها ساعة جدارية أرقامها قلوب ووجوه ضاحكة.. لم أكن أدري أن فرحتي يمكن لها أن تضيع في دقيقة واحدة عندما هاج الهواء محمَّلاً بالغبار والأوساخ والأكياس الفارغة، وأن أمي ستمنعني من الخروج لئلا أطير في الهواء العاصف، أو تصاب عيوني بالأذى. ست ساعات وأنا جالسة قرب النافذة أراقب الدرب الذي خلا من الناس، وأنتظر موعد خروج البنات.. فتأتي صديقتي شهد بنت الجوار الوحيدة التي تداوم في مدرستي نفسها، وترافقني في الرواح والمجيء والغناء بصوت جميل وخافت طوال الطريق. لديها اسم آخر هو أسمهان اشتهرت به عندما سامحتها المديرة على شخابيطها فوق جدران المدرسة، شرط أن تغني بتقاسيم صوتها العالية أغنية مخيفة وقديمة جداً اسمها الطيور. من الواضح أن المديرة كانت تحب تلك الأغنية إلى درجة الهيام، بحيث غضّت بصرها عن الخدوش السوداء التي ملأت جدار السلم المؤدي إلى سطح المدرسة.
ناديتها.. لم ترد..
– شهد.. شهد؟
لم تلتفت أو ترد علي، لأنها لم تكن هي (شهد)، بل واحدة اسمها (فرح) من بنات مدرسة أخرى تسير بمنديل يغطي أنفها مغبة الاختناق بالغبار….. منذ الصباح الباكر والتراب يزداد كثافة ويجعل لون الدنيا حمراء كالدم.. منذ الصباح الباكر والعاصفة تشيل بعض البراميل المعدنية الفارغة وتحطها في الأزقة.. تأخرتْ صديقتي شهد طويلاً.. فمَن أسأل غيرها؟ وأين ذهبتْ؟.. فقد امتلأت الأرض بالأوساخ وشهد لم تعد. حتى الأشجار اختنقت واختفت خلف ذرات الغبار….. ثم حدثت جلبة فجأة مع صوت بكاء وصراخ عالٍ لم أبالِ به كثيراً، ولا شغلني عن التفكير بشيء واحد فقط هو هدية الملكة التي لم تصل بسبب عاصفة التراب. فأين شهد ولماذا تأخرت؟
كان المفروض أن أحمل باقة الورد مع البطاقة ذات الزخارف والقلوب لمرشدة الصف التي نحبها كثيراً إلى درجة أن نسميها الملكة.. وبقيتُ ساهرة طيلة الليل أنتظر أن يشرق الصباح فتراها الست أسماء في عيد المعلم، لكن عاصفة الغبار جاءت وخربطت كل أحلامي. وها هي بنت أخرى تمر والمنديل يغطي وجهها، ولكنها ليست شهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *