الرئيسية » ملفات » ياسر جاسم قاسم : هل استطاع المفكر نوري جعفر أن يضع أسسا لقراءة التاريخ ؟ (ملف/3)

ياسر جاسم قاسم : هل استطاع المفكر نوري جعفر أن يضع أسسا لقراءة التاريخ ؟ (ملف/3)

العلّامة الدكتور نوري جعفر

إشارة :
العلّامة د. نوري جعفر واحد من ألمع العقول العراقية والعربية في مجال دراسات الإبداع وعلاقته بالنشاط العقلي الفيزيولوجي. وبعد مسيرة علمية حافلة بالعطاء الثر الأصيل وأكثر من 35 مؤلفا ضمت نظريته الفريدة في النشاط العقلي العصبي والإبداعي يُقتل في المنافي على يد سائق تاكسي طمع في حقيبته التي كانت تضم نظريته الجديدة التي دعته مؤسسات علمية بريطانية لمناقشتها!! ثم لتطوى صفحته إلى الأبد في ثقافة القطة التي تأكل أبناءها. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء هذا الملف عن الراحل الكبير العلّامة نوري جعفر بالمقالات والصور والوثائق.

هل استطاع المفكر نوري جعفر أن يضع أسسا لقراءة التاريخ ؟
(دراسة نقدية)
ياسر جاسم قاسم
البصرة.

حاول الدكتور نوري جعفر أن يضع أسسا مهمة لقراءة التاريخ انطلاقا من مجاله وفلسفته وبموضوعية سيطرت على أجزاء كثيرة من كتاباته، وقد حلل نوري جعفر التاريخ بكتاب نستطيع أن نقول فيه انه سياحة فكرية يسبح بها الفكر بين التراث والمعاصرة، وهو أيضا وسيلة مهمة لتقويم التاريخ انطلاقا لتقويم الحاضر ثم المستقبل وهذا يدل على عمق الفكر الذي يحمله هذا الرجل حيث يعالج الأفكار الحديثة انطلاقا من عمق التاريخ وكعادته في أكثر مؤلفاته تبدو على كتابه التاريخ مجاله وفلسفته الموسوعية فهو يجمع فضلا عن فلسفة التاريخ الجغرافية والبيولوجي والأدب واللغة والتربية وعلم النفس، والدكتور نوري جعفر يبتدا بتعريف التاريخ من كتاب مختار الصحاح وينطلق إلى دراسة نظريات التاريخ ويؤرخ لعمر الأرض بأسلوب رياضي كبير معتمدا على الأساس الجيولوجي، حيث ينقل توصل العلماء المعاصرين إلى معرفة عمر الأرض عن طريق دراسة أعمار الصخور المختلفة وحساب تحول بعض العناصر الفيزيائية إلى بعض آخر، فعنصر اليورانيوم والثوريوم مثلا ذراتهما أثقل الذرات المعروفة يمكن ان يتحول كل منهما الى رصاص حسب النسبتين الآتيتين :
يتحول غرام واحد من الاورانيوم الى 1\76000000000 غرام من الرصاص سنويا والغرام الواحد من الثوريوم 1\28000000000 في العام الواحد وبهذه الطريقة يصبح من الممكن التوصل الى معرفة أعمار الصخور الأرضية ذات الاورانيوم والثوريوم بواسطة حساب ما بها من رصاص متحول فتوصل الباحثون في الوقت الحاضر الى حساب أعمار متحجرات تكونت قبل زهاء خمسمائة مليون سنة وقد قسموها إلى الأقسام الثلاثة الاتية:
أ‌- عصر الحياة القديمة paleozoie الذي استمر حوالي 300 مليون سنة .
ب‌- عصر الحياة الوسطى mesozoie الذي استمر حوالي 135مليون سنة .
ت‌- عصر الحياة الحديثة cenzoie الذي استمر 65مليون سنة.
وهنا نتوقف عند هذه المعلومات الخطيرة حول عمر الأرض حيث نستطيع ان نقول ان الدكتور نوري جعفر من الأوائل الذين استندوا إلى قراءة التاريخ للأرض استنادا الى أرقام ونسب رياضية وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قدرته الى ربط العلوم بعضها ببعض وهنا نرى الجيولوجيا أيضا بأثرها واضحة تماما ثم ينتقل الى مسالة مهمة في التاريخ الاجتماعي للإنسان ، حيث يقرر انه اقل سعه واحدث تكوين من تاريخ الكون ولا يتجاوز عمره خمسة آلاف سنة، ويمتاز هذا التاريخ على الرغم من حداثة تكوينه بظهور الحضارات البشرية القديمة والحديثة تلك التي أدت الى هذا التقدم الواضح في جميع مناحي الحياة الاجتماعية للجنس البشري .
ان عرضه لبعض أسس التاريخ او لأسس قراءة التاريخ نراها بعض الأحيان تنطلق من تقريرات لاشك في أهميتها ،ولكنها لا ترقى لان تكون أساسا هاما لقراءة التاريخ ومنها قوله))وتستعمل كلمة تاريخ أحيانا لتدل على ما استطاع الإنسان ان يعرفه من الحوادث الماضية طبيعية او اجتماعية ولا يشترط في هذه المعرفة أن تكون مدونة تدوينا خطيا بل يشمل بالإضافة إلى ما هو مدون على الورق او الجلد او الجدران من آثار بشتى اللغات ومختلف الرموز ،وجميع البقايا التاريخية للمعابد والكهوف والجسور والأبنية، إن هذه الاستنادات لقراءة التاريخ تعد استنادات معروفة سابقا ولم يقدم بها شيء جديد ولكنه من خلال هذه القراءات يود أن يبين بان التاريخ بهذا المعنى يتسع مجاله باستمرار كلما اتسعت المعرفة التاريخية عند الإنسان من حيث اكتشافه لوقائع لم يستطع أسلافه اكتشافها من جهة ومن حيث اتساع موضوعه مع الزمن ؛نتيجة لوقوع حوادث جديدة من جهة أخرى ويربط الدكتور نوري جعفر التاريخ بكل العلوم الأخرى إنسانية كانت أو علمية وهذا هو سر تميزه بان يجعل العلوم جميعها مرتبطة مع بعضها البعض فتاريخ الشمس مثلا يمكن ان يدرس ضمن موضوع علم الفلك وتاريخ الأرض ضمن موضوع الجيولوجي وتاريخ الحياة ضمن علم الأحياء ،هذا من جهة ومن جهة ثانية فان التاريخ من الناحية الاجتماعية يمكن أن ينقسم إلى أقسام كثيرة فتارة يقسم حسب زمانه إلى تاريخ قديم ومتوسط وحديث وطورا حسب موضوعه إلى تاريخ سياسي وعسكري وثقافي وطورا يقسم الى تاريخ للعرب والألمان والفرنسيين وكل قسم من الأقسام الانفة الذكر يمكن ان يصنف بدوره إلى أصناف أخرى وهذه بدورها إلى أصناف أخرى وهكذا وكلما اتسعت المعرفة الإنسانية للتاريخ وتوغل الاختصاص من زاد عدد تلك الأقسام وحسب الشكل التالي :

حيث يتضح من الشكل أعلاه انه بازدياد المعرفة الإنسانية للتاريخ سوف يزداد عدد أقسام التاريخ حيث إذا كانت نسبة ازدياد المعرفة الإنسانية 2% ستكون أقسام التاريخ مزادة بنسبة 3% على سبيل المثال فقط ،إما أهم العوامل التي تحول دون توخي الدقة في البحث التاريخي فيمكن إجمالها على الوجه التالي :
1- تشبع كثير من الحوادث التاريخية بعوامل دينية أو مذهبية أو عنصرية أو قومية تشبعا تختلف درجته باختلاف نوع الحادثة التاريخية من جهة، وأهميتها بالنسبة للباحث من جهة أخرى.
وهذه النقطة تثير الصعوبات في توخي الدقة عند البحث في الحوادث التاريخية فكيف يضمن الباحث نفسه في عدم الانجرار إلى مذهبيته في تناوله مثلا للمذاهب الأخرى وبالنتيجة فنحن أمام كم هائل من الباحثين التاريخيين الذين لم يستطيعوا أن يبتعدوا عن مذهبيتهم، فترى احدهم يتكلم مثلا عن المذهب السني وهو ينتسب إلى المذهب الزيدي ينال منهم من حيث لا يشعر بشكل تاريخي فعلى المؤرخ ان يبتعد عن مذهبيته عند تناوله القضايا التاريخية.
2- الصعوبة الأخرى في ان البحث في الحوادث التاريخية يكون في العادة ممزوجا بميل متصل بالاستحسان او الاستقباح أي ان الحوادث التاريخية لا ينظر إليها الإنسان نظرة موضوعية مجردة وإنما هو حتى في محاولته تجنب التحيز قد يستحسن وقوع بعضها فينعته بنعوت رقيقة ويستقبح وقوع بعض آخر فيخلع بعض الصفات المستهجنة عليه يقول الدكتور نوري إن الكيميائي مثلا لا يستحسن اتحاد ذرتين من الهيدروجين مع ذرة من الأوكسجين عند تكوين الماء ولا يستهجنه ولا ينتقد الاوكسجين مثلا في سلوكه العام كعدم تفاعله مع مواد كيميائية اخرى او مساعدته على الاشتعال ….الخ.
ان الكيميائي لا يفعل ذلك لان دراسته موضوعية وبعبارة اخرى لا تدخل عواطف الكيميائي في تقرير نتائج بحثه في حين ان المشتغل في القضايا التاريخية لا يستطيع التجرد عن عواطفه مطلقا وان جل ما يستطيع أن يفعله اذا ما أراد ان يتوخى النزاهة والدقة في بحثه هو ان يسيطر على بعض عواطفه فيخفف من حدتها.
3- الصعوبة الثالثة المتعلقة بافتقار المؤرخ الى الدقة في البحث ناتجة عن ان الباحثين في الحوادث التاريخية يحاولون التوصل الى ما يسمونه بطبيعة الاشياء ولقد حاول عبثا قبلهم زملاؤهم الباحثون في الظواهر الطبيعية ولم يتقدم البحث الدقيق في مجال العلم كما سنشير الى ذلك الا بعد ان خلع انصاره عن انفسهم فكرة البحث في طبائع الاشياء واهتموا عوضا عن ذلك بالبحث في علاقاتها ومظاهر سلوكها .
4- الصعوبة الرابعه تتصل بتعقد الظواهر التاريخية وتشابكها من جهة وخضوع الباحث لها لا خضوعها له من جهة ثانية فالعالم الطبيعي في بحثه في الظواهر الطبيعية ((فيزيائية او كيميائية )) يبحث في امور يستطيع السيطرة عليها فيخضعها لمشيئته على حين ان المؤرخ يحاول دخول قوى هو خاضع لها وهنا يقرر الدكتور نوري جعفر ان الباحث في الظواهر الطبيعية يستطيع تجريد تلك الحوادث عن بعضها واحداث تغييرات كبيرة في علاقاتها وسلوكها اما الباحث في الظواهر التاريخية فليس باستطاعته ان يفعل ذلك نظرا لتداخل تلك العوامل تداخلا يستحيل معه فصلها عن بعضها فاذا سهل على الكيميائي ان يحلل الماء في المختبر الى عناصره الاولى فانه يستحيل على المؤرخ ان يعزل اثر العامل الديني عن اثر العامل الاقتصادي او الجنسي تقرير سلوك الافراد او الجماعات .
5- والصعوبة الخامسة ناتجة من ان المؤرخ في العادة ينتقي من الحوادث التاريخية تلك التي تلائمه وتتفق هي ووجهة نظره وهنا يستند نوري جعفر إلى بعض العوامل التي تحول بين المؤرخ وبين الدقة والنزاهة في البحث، جاء في المقدمة ص9-10:
اعلم إن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضي من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وايمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع ؛لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا او سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط .
وهنا في دراسة الدكتور نوري جعفر للتاريخ وأخذه بهذه التفاصيل إنما يقدم دراسة موضوعية لأهمية الوقوف على التاريخ بشكل يهم بوضع أسس لقراءته ودراسته تكون قادرة على استلهامه ؛لوضع أساس حداثوي؛ لان التاريخ أساس مهم لوضع أنساني متكامل وبالتالي فان موضوعي النقد الداخلي والخارجي لمصادر التاريخ حيث يتناول النقد الخارجي البحث في صحة المصادر ومدى الثقة التاريخية في الاعتماد عليه، ولكي يكون النقد الخارجي مستوفيا شروطه الأساس يلجأ المؤرخ في العادة الى محاولة الإجابة عن أسئلة كثيرة ومنها:
هل هذا المصدر أساسي هل هو ثانويا؟ وإذا كان المصدر أساسي هل طرأ عليه شيء من التغيير ؟ هل النسخة المطبوعة (في حالة وجودها) هي النسخة المخطوطة بخط المؤلف نفسه؟ إنها مطبوعة عن نسخة أخرى ؟ هل النسخة المخطوطة هي بخط المؤلف نفسه؟ كيف نعرف ذلك؟ وغيرها من الأسئلة المهمة.
أما النقد الداخلي internal or higher eritieism فيبحث في محتويات المصدر بعد تقرير صحته ولكي يكون مستوفيا شروطه الأساس يحاول المؤرخ الإجابة عن أسئلة كثيرة ومنها : ما ميول المؤرخ الدينية أو المذهبية أو السياسية . ؟ هل المؤرخ يصف الحوادث التاريخية وصفا دقيقا؟ أم انه يصدر أحكاما معينة عليها او على بعضها ؟ لماذا اصدر المؤرخ حكما معينا في قضية معينة ؟ هل المؤرخ منصف في حكمه هذا؟ هل المؤرخ مؤمن بما يقول؟ هل كان المؤرخ في وضع يساعده على المعرفة الصحيحة ؟ وغيرها من الأسئلة المهمة التي تسهم في تحديد نوعية ما يكتب من التاريخ ومدى صحته؟ والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا الاهتمام بدراسة التاريخ والبحث فيه كعلم مستقل؟ وللجواب إن الدكتور نوري جعفر يعمل بحداثوية عالية يستلهمها حتى من التاريخ ،فكأن الدكتور نوري جعفر يقرر انه لا حداثة على المستوى الفكري دون أن ندرس التاريخ من جذوره ونمحصه تمحيصا دقيقا قادرين في النتيجة على ان نبين مساؤه ومحاسنه بالنتيجة سنصنع تاريخا نقف عليه وبالنتيجة لا حداثة فكرية دون ان نبين ما نحن عليه من مساوئ التاريخ التي إلى الآن ما انفكت عن مخيلة الناس وصنعت منهم في بعض الأحيان وحوش يقتل بعضهم بعضا اعتقد ان كل معاناتنا اليوم هي بسبب ما ورثناه من تاريخ في هذا المجال وبالتالي يركز الدكتور في تناوله لعلم التاريخ على كل الجوانب الخفية والظاهرة في دراسته للتاريخ وتصل الدقة لدى الدكتور نوري جعفر إلى انه يشير الى مسالة الإغراق في النقد بنوعية كثيرا ما يؤدي الى عكس الغاية من استعماله فيصبح عقبة كؤدا في سبيل استجلاء بعض الحقائق التاريخية بدلا من أن يكون عاملا من العوامل المساعدة على التحليل العلمي الدقيق يضاف إلى ذلك أن لقسم من الكتاب والمؤرخين براعة خاصة في وضع كثير من الأوهام والأكاذيب بشكل يجعلها تبدو كأنها حقائق كما إن لبعضهم القدرة على تقمص شخصية قسم من المؤرخين المعروفين وتقليد أسلوبه في الكتابة والتعبير الأمر الذي يجعل أمر التفريق بين الغث والسمين في هذا المضمار صعبا ان لم يكن مستحيلا اما تفسير التاريخ وفلسفته فهو موضوع مهم يتطرق إليه الدكتور نوري جعفر فهناك أربعة تفاسير للتاريخ وهي :
1- التفسير الجغرافي للتاريخ.
2- التفسير الروحي للتاريخ.
3- التفسير المادي للتاريخ .
4- التفسير الدوري للتاريخ.
ولو تطرقنا إلى التفسير المادي للتاريخ والذي يدعى من الناحية الفسفية بالمادية التاريخية حيث ان القوانين اتي وضعها ماركس لتفسير الكون وهي :
1- القانون ذو المظاهر الثلاثة :التناقض والتاثير المتداخل ووحدة المتناقضات .
2- قاون التحول الكمي الى تحول نوعي وبالعكس:
3- قانون نفي النفي.
ثم يناقش نوري جعفر هذه القوانين مناقشة موضوعية فيقول ان دعاة التفسير المادي للتاريخ فرضوا ان الشيوعية لا تتحقق الا بعد ان تسبقها ثورة طبقية ينتقل فيها الحكم من الطبقة البرجوازية الى طبقة العمال التي يسود فيها المبدأ الاقتصادي القائل من كل حسب قدرته إلى كل حسب إنتاجه ولكنهم لم يحددوا ما يقصدونه بكلمتين ((قدرته))و((إنتاجه)) ولم يبينوا كذلك كيف تقاس قدرة الشخص ويقدر إنتاجه وهنا إذا علمنا بصورة عامة ان القدرة وبالتالي الإنتاج المنبثق عنها يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قدرة جسمية وفكرية وفنية .فكيف إذن تقاس تلك القدرات وتقدر كل منها حسب قدرها بالموازنة لبعضها ؟ ثم إن الإنتاج نفسه يمكن ان يكون معنويا (أي ليس له وجود مادي مستقل بذاته) كما هو الحال بالشعر والموسيقى فكيف تقدر قيمته بالنسبة للإنتاج الجسمي فهل يقاس الإنتاج بكميته ام بنوعه؟ ومن هو الحكم الفصل في أمثال هذه الأمور؟ وهنا مناقشة الدكتور نوري جعفر مستفيضة لهذا الموضوع بحيث يصل الى تشخيص عملية الانتقال من الاشتراكية الى الشيوعية وكيف ان دعاة التفسير المادي لم يذكروا لنا كيف يتم الانتقال من مرحلة الاشتراكية الى الشيوعية وهنا يدعونا الى نتساءل ونقول ((يتم ذلك عن طريق الثورة على حكام طبقة البوليتارية؟ ام ان هؤلاء الحكام يتنازلون من أنفسهم عن سلطتهم؟ واذا صح الفرض الاول فهل يبرر أصحاب نظرية التفسير المادي للتاريخ الثورة على حكام الطبقة البروليتارية ؟ومن يقوم بذلك واذا صح الفرض الثاني فان حدوث ذلك مستحيل حسب منطوق المذهب الديالكتيكي لان الحاكمين يحاولون التمسك والاستعانة بجميع الوسائل الممكنة للمحافظة على الوضع القائم واحباط جميع المحاولات التي تتضمن الانتقاض عليه واذا صح الفرض وتنازل حكام البروليتارية عن امتيازاتهم بمحض ارادتهم فان مفعول الطريقة الديالكتيكية يزول وهو امر لا يسلم به دعاة هذا المذهب فنحن،اذن في حلقة مفرغة لا يمكن الخلاص منها ويتناول ايضا مسالة التحيز في التاريخ حيث يشخص مجالات ثلاثة لاسباب الاختلاف الذي يظهر بين المؤرخين بدرجات متفاوتة وهي:
1- طبيعة العصر الذي يعيش المؤرخ فيه.
2- طبيعة المجتمع الذي ينتمي اليه.
3- عوامل شخصية مزاجية تتصل بكل مؤرخ.
وهنا نستدل على دقة نوري جعفر من ناحية دراسة التاريخ بتشخيصه هذه العوامل الثلاث ابتداء من طبيعة العصر وطبيعة المجتمع والعوامل المزاجية والتي تنتج بالنهاية اسلوبا مغايرا في قراءة التاريخ من شخص لاخر والاختلاف في الراي يحصل بين مؤرخ وآخر يعيشان في الزمان نفسه والمكان ذاته او في المكان نفسه ولكن في زمانين مختلفين او في زمن واحد ومكانين مختلفين او في مكانين مختلفين وزمانين مختلفين ويصدق الشيء نفسه على الاتفاق في الراي ويعود سبب هذا الاتفاق وذلك الاختلاف على ما نرى الى نوع المسلمات الفكرية والعاطفية عند كل منهما واعني بالمسلمات الفكرية والعاطفية ما ينطوي عليه الانسان من معتقدات لا تقبل عنده الشك او الجدل كمبدا التوحيد عند المسلمين مثلا وكمبدأ التثليث عند المسيحيين وما شابه هذا وذاك مما نستطيع ان نسمي منه الكثير فتتق احكامهما التاريخية اذا استندت الى مسلمات فكرية وعاطفية واحدة وتختلف في حالة اختلاف المسلمات التي تستند اليها فلا غرابة ان راينا مؤرخا معينا يتفق مع مؤرخ اخر في بعض القضايا ويختلف عنه في بعض اخر وان عاصره في الزمان والمكان او في احدهما او اختلف عنه في كليهما ومن الطريف يذكر نوري جعفر رحمه الله ان كل مؤرخ يعتبر ان المسلمات التي يستند اليها في احكامه التاريخية هي الاساس السليم لاختيار وجاهة القضايا التاريخية التي يبحثها وهنا لو تكلمنا عن الاختلاف الذي يظهر بين المؤرخين وهو بدرجات متفاوته فمثلا طبيعة العصر فالمؤرخ الذي يعيش في هذا العصر يختلف هو والمؤرخ الذي عاش في العصر العباسي عندما يتعرض للبحث في طبيعة الاقاليم وفي جغرافية دولة معينة وفي كثير من المسلمات العلمية الحديثة هذا من ناحية روح العصر في الجوانب العلمية اما طبيعة المجتمع الذي ينتمي اليه المؤرخ فيكفي للدلالة على ذلك ان نوازن بين الاحكام التي يصدرها المؤرخون المسلمون في الماضي والحاضر على الحروب الصليبية من حيث اسبابها ونتائجها ومن حيث اهميتها التاريخية وتحديد المسؤولية فيها على احد الطرفين المتنازعين وبين الاحكام التي يصدرها المؤرخون المسيحيون القدامى والمحدثون .
اما العوامل المزاجية والشخصية فيتجلى اثرها في علاقات الافراد اليومية وفي سلوكهم وانماط تفكيرهم بقدر ما يظهر ذلك في احكامهم التاريخية وهنا يشخص الداء الرئيسي للمؤرخين في هذا المجال فيقول ان اختلاف الاشخاص في احكامهم المتصلة بجميع مجالات الحياة راجع الى اختلاف مسلماتهم الفكرية والعاطفية واننا بهذا التشخيص نقرر ان هذا الاختلاف والذي منشأه عاطفي سيكون خطير على مسيرة التأريخ وبالتال فالتشخيص التاريخي للمؤرخ يجب ان يكون بعيد عن المسلمات الفكرية والعاطفية والنتيجة سيكون التاريخ الذي يكتبه مبنيا على اسس سليمة ومهمة.وهنا نشير الى فرق اساسي ومهم بين الباحث في العلوم التاريخية والباحث في العلوم الطبيعية حيث ان الباحث الطبيعي اكثر قدرة على البحث الموضوعي المجرد عن النزعات والاهواء (شخصية كانت ام قومية ) من المؤرخ والمؤرخ بدوره يختلف مدى تحزبه في بحثه باختلاف الموضوع الذي يعالجه وكلما كان موضوع البحث شديد الصلة بعقائده في الدين والسياسة اصبح من المتعذر جدا عليه ان يبحثه بحثا علميا او قريبا من ذلك والعكس صحيح كذلك .
والاشارة الغاية في الاهمية ان تدريس التاريخ يختلف باختلاف البيئة الحاضنة للتدريس وهنا يشير نوري جعفر الى تدريس التاريخ القومي في العراق وبخاصة في مرحلة التعليم الثانوي فقد بقي محافظا على اسلوبه القديم من حيث مادته ومن حيث اهداف تدريسه وطريقة ذلك التدريس فما زالت مادته على وجه العموم محصورة في النواحي السياسية والعسكرية ولم تمسس نواحي التاريخ الاخرى (الاقتصادية والثقافية والعلمية ) الا مسا خفيفا يجعلها ثانوية الاهمية بنظر الطالب والمدرس اما اهداف تدريس التاريخ فما زال يكتنفها الغموض والابهام وتكون درجة هذا الغموض اكثر عند الطالب منها عند المدرس ولا تخرج اهداف تدريس التاريخ عند كثير من المدرسين من ان تكون تكملة تدريس المادة المقررة في المنهج لغرض نجاح الطلاب في اخر الامتحان .
كما ان هناك مسالة اخرى غاية في الاهمية في تدريس التاريخ وهي خطورة الاعتقاد بان الغاية من تدريسه هي خلق الشعور بالعزة القومية والتغني بامجاد السلف غير ان طرائق تدريسهم مع مزيد الاسف كثيرا ما تعرقل تحقيق ذلك الهدف وتخلق الجو بشكل ينقسم فيه الطلاب على انفسهم يكون انقسامهم دينيا احيانا ومذهبيا ثانية وعنصرية احيانا ثالثة وسياسيا احيانا رابعه أي ان الطلاب في بعض دروس التاريخ يشعرون بفجوة كبيرة تباعد بينهم من الناحية الدينية كما يحدث بين المسلمين والمسيحيين في تدريس الحروب الصليبية مثلا او من الناحية المذهبية كما يحصل بين المسلمين انفسهم في قضايا السنة والشيعه او عنصرية كما يحصل بين الاكراد والعرب وهنا يجب الانتباه الى تدريس التاريخ ومحاولة مراجعة هذه المسالة المهمة وكم حري بالمسؤولين اليوم على العملية التربوية ان يدرسوا كيفية تدريس التاريخ وبصورة عاجلة أي ان يعيدوا النظر بالمناهج الدراسية المقررة وذلك للنهوض بالطالب وبوعيه وبشكل صحيح قادر على مواكبة التطور العالمي.

*عن مركز النور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *