عقيل قاسم شويع : الثلاثيّة الأولى من نمطيّة المطابقة إلى محنة الاختلاف (ملف/24)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير القاص والروائي المجدّد “جمعة اللامي”، الذي طبع بصمته السردية الفريدة على الخارطة السردية العربية من خلال منجزه السردي الفذّ. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء كافة للمساهمة في هذا الملف، بما يتوفر لديهم من دراسات ومقالات ووثائق وصور وغيرها، بما يُثري الملف ويُغنيه. تحية للمبدع الكبير جمعة اللامي.

الثلاثيّة الأولى من نمطيّة المطابقة إلى محنة الاختلاف
عقيل قاسم شويع

ربما كان السؤال القديم، حول الطبيعة البشريّة، وما يثيره من اختلافات كثيرة وعميقة، هو الأفق الشاحب الذي تتباين توصيفاته، ممن تتشكل طبيعتنا وهل تصنعنا الثقافة؟ و إذا كانت كذلك فبأي صفة للثقافة يمكنها أن تنسج الإنسان ويتعايش معها كمفهوم ؟ بوصفها كوزموبوليتانية ؟ أم بوصفها هويّة محلية أو أممية ؟ أم بوصفها العمل على الطبيعة كما يراها (كارل ماركس)؟ أم أن ذواتنا وهي تمتد في الوجود لها ما يرسم حدودها مما هو غير ثقافي؟ ولذلك فأن الأيمان بإجابة محددة عن تلك الأستفهامات والتمحور حولها، يستدعي وفي كل مرة أن نختط ّ نسقا فلسفيا، يتلاءم مع أحد تعاريف تلك الرؤية، يترتب عليه أيمان الكثير من البشر وتتحدد على أساسه أنظمة اجتماعية واقتصادية وحدود للقيمة، وكذلك تبنى على مقولاته الإمبراطوريات التي تلغي سواها، وتشيّد على هشيمها صروحا، ستغدو مع الزمن، رمادا لِلِبْنَةٍ في سور إمبراطورية محتملة.
ولعل بزوغ فجر اليسار في عالميته، وصعوده منصة السلطة في كثير من بلدان العالم، هو ما كان يثير تلك الأسئلة حول الثقافة، ومكانتها في الوجود، تلك المكانة التي غيبتها الاتجاهات اليسارية بنسختها الستالينيّة، النافرة من فكرة الثقافة منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، حيث أقترن اليسار آنذاك بكل ما لا شأن له بالثقافي، وركز جل خطابه التوتاليتاري حول عبادة الفرد وسياسة القبضة الحديديّة ، التي أدى بها المطاف إلى أنظمة قمعية ، تناسلت في كثير من بلدان العالم الثالث، مما عكس صورة مرعبة حول تطلعاته المستقبلية، الأمر الذي قلص فيما بعد فرص نموه وقوّض مناصريه وزلزل مرتكزاته البنيويّة، وهو ما مهد لمثقفي اليسار للتنظير مجددا لدور الثقافة وأهميتها، ذلك الاتجاه الذي تجلى في موجة الثقافة الستينيّة التي أرادت عقد نوع من المصالحة بين الثقافة والسياسة، بعد أن تسبب انحسار اليسار العالمي إلى سيادة الرأسمالية وثقافة الاستهلاك، الأمر ذاته الذي أدى إلى تطرف اليسار في أعطاء الثقافة المكانة الكلية في تنظيرات يساريي ما بعد الاتجاه الستيني، وهو ما أفضى إلى نوع من التقويض لهذا الاتجاه أيضا ” ليس من النزعة الكارهة للثقافة لدى اليسار بل قوضها هذه المرة تضخم اهتماماتها الثقافية إلى الحد الذي أدى بها إلى الانقطاع عن السياسة ” (1) حيث ظل مفهوم الثقافة يتأرجح طويلا بين انخلاعه الكلي عن إرهاصات السياسة وبين انغماره المنحاز لذاته، هذا التذبذب بالمعايير الثقافية / السياسية هو الذي يجعل السؤال حول طبيعتنا مُلحّا وحاضرا فينا إلى الأبد، الأمر الذي جعل مفكرا من عيار (تيري أيغلتون) أن يقول: ” أن حيوانا ألسُنيّا وحسب، يمكنه أن يصنع أسلحة نوويّة، وان حيوانا ماديا وحسب، ما يمكن أن يكون عرضة لها، فنحن لسنا تلك الضروب الرائعة من التوليف بين الطبيعة والثقافة، بين المادية والمعنى، بقدر ما نحن حيوانات ثنائية الطابع، تتنقل بين الملاك والبهيمة “(2) ولأننا لا نملك سوى أن نؤمن بالثقافة، بكل إشكالها وتجلياتها في الوجود عبر الزمن، بوصفها جذوة الشعوب ومرآتها، التي تعكس صورتها عبر التفكير الصرف والخلق الفني، من أجل الاقتراب النسبي من كينونتنا التي يلفها الغموض، حين تغدو الثقافة سبيل انبلاج أفكارنا للتداول، لرسم خرائطية حياة من صميم حاجتنا لها، ومن بؤرة وعينا الراكز في العدم، والأشياء من حولنا وهي تتشكل كما نريد .
عند ذلك تتقلص الفجوة التي تتسع دائما بين السياسة والثقافة وتصبح الأخيرة، المادة الأساسية للسياسة وهي تنتج مصائر المجتمعات، لتأمين حماية البشر من تعسف الديكتاتوريات و استعبادها للأغلبية الصامتة و أرغامها على الأيمان بمقولاتها المتمفصلة مع أشكال الحياة في قرون منسيّة بالية، وبالتالي فأن انتقال “عباءة المقاومة من المناضلين إلى الشعراء” يبدو حتميّة تاريخيّة يدرك المثقف دون سواه مدى خطورتها لما تمثله من أنعطافة هامة في سيرورة الزمن، ولكي لا تنطفئ منارة الأمل في نفوس الشعوب المغدورة في أن تنتصر لحريتها، فأن الفن بمعناه الواسع والكبير هو ما يمكنه أن ينجز المهمة الثقيلة للارتقاء بالفرد والجموع من مرحلة الكائن المستلب إلى أقصى درجات الوعي والفعل الاجتماعي، فالفن ” يحدد ما نعيش لأجله، وليس الفن ما نعيش لأجله “(3) وبهذه اللحظة الصميمية تتبدل الحياة ويؤسس لما هو جدير فيها ومن هنا تدون لحظات المبدع المبتكر، في سجلات الخلود.
إن (جمعة اللامي) وفي روايته “الثلاثية الأولى”(4) قد أعطى لنا درسا مبكرا، و مقدمة خطيرة تصلح أن تكون ترياقا مضادا لكل أشكال المكر التاريخية التي يتبناها المعتشاون على الشعاراتيات الزائفة، بكل ما تحمله من نفس يتعاطف مع الفاشستيات المبنية على مرجعيات قد تكون شوفينية تروج لثقافة القبيلة الواحدة، أو مرجعيات دينية مبشرة بالمخلص وعدالته المفترضة، تلك الأنظمة الثيوقراطية التي تتماهى مع أي ثقافة دخيلة، ربما تحمل في تضاعيفها، بذور استعمار شعب لشعب آخر، بسبب طابعها الهش المرتكز على أرض رخوة، ومغاير لما هو معروف عن الاستعمار أو (الكولنيالية) كمصطلح، بل هو ذلك النوع من الاستعمار الذي لا أمل في الخلاص من قيوده، لأنه يؤسس لثقافة مشتركة، تعمل خارج نطاق الفتوحات التي أبتكرها البشر لصياغة نظمهم في الحياة، بالمفهوم المعاصر، ومع ما توصلت إليه الشعوب الحديثة من طرق للتعايش تمخضت جل تفاصيلها من تقدم الحياة في مجمل اتجاهاتها، تلك الديباجة الأيديولوجية التي تجد دائما حضورها في المخيال الشعبي، في المجتمعات الخارجة من نكبات قد يكون التسلط والقهر والتغييب أهم أسبابها،والتي تؤدي إلى ضعف الإحساس بالهوية الإنسانية إلى الدرجة التي لا يشعر بها بثقل الاغتراب الذي يحتويه من سلطوية غير محسوسة لا تحمل في أتونها إلا مخططات السيطرة البعيدة المدى, ذلك الاستعمار الغير مُوصّف بالمعنى السياسي والعسكري، الذي هو إلغاء للتخوم، أو تشييء الهوية وشرخها من اجل التوغل والاستيطان بلا ضرائب أو محاسبة ” فالسيطرة العلنية على غرار النظام الديكتاتوري أجلها محدد، لأن الناس سيثورون ضدها في نهاية المطاف، أما السيطرة الخفية، التي لا يمكن للمرء تحديدها، فتحيا إلى ما لا نهاية، لأن لا أحد يثور ضد شيء لا وجود له، فكل شخص يضن نفسه حرا، لن يشكو من قمع حريته “(5)
وهذا هو الدافع الذي يجعلنا وصف تلك الأيديولوجيات بالخطرة على الثقافة الوطنية بسبب تماهيها المقصود، أو ذلك الذي ينتجه الجهل المروع في تلك الضروب من التحديات الهامة، التي لا يقتفي أثرها سوى المبدع ذو الحساسية العالية، تلك التحديات التي لا تجني لنا سوى الضياع، والانقطاع عن سرب الذاهبين إلى معارفهم وحرياتهم بجدارة. ولأننا لا نتصور شكلا جديدا للحياة دون حرية الفرد وخصوصية الثقافة في أي بلد حيث تمثل تلك الخصوصية بوابة الدخول إلى تلمس شكل انضواءها وارتباطها الصميمي مع ثقافات العالم ومناشدتها التطور و الاكتشاف، ولأن الأديب بوصفه حارسا للهوية، فمن صميم وجوده في مفصل العلاقة، تنبثق خطورة اللعبة التي يجد نفسه متصديا لها باعتبارها لحظة تاريخية شائكة يقع على أجندته تفكيكها وتنوير الآخرين بتضاريسها الغامضة، والكشف الدقيق عن زيفها عن طريق ضربات النقد الثقافي المتواصل, وصولا إلى التنظير الصارم المرتبط عضويا بممارسة حية على ارض الواقع.
وعبر لغة قصصيّة مكثفة، مليئة بالأنشحان الغني بالدلالات الثقافية، تقف “الثلاثية الأولى ” كعلامة فارقة في انطولوجيا السردية العراقية، لأنها كرست المفاهيم التي ذكرناها، وكذلك حققت تجاوزا لإشكالية كبرى في الرواية العربية عموما والرواية العراقية بشكل خاص، الإشكالية التي أنتبه لها النقد ونظّر لها مبكرا، والتي تركزت حول ما هو ثقافي في النص وما هو جمالي، أي تلك الإشكالية القاصرة (الثقافي / الجمالي) وطغيان أحدهما على الآخر بوعي أو بدونه، والنماذج التطبيقية كثيرة لنصوص روائية خربت جماليات السرد وشوهت ميزتها الفنية من اجل تجريب ما يشكل نقدا ثقافيا يحتكم في طرحه إلى الميل نحو الهامش وخارج متن الحياة (خارج النسق) وما يشكل هذا الخروج من إشكاليات رؤيوية / لغوية لا يمتلك ناصيتها ويجيد إحكام مسارها المابعد حداثي سوى متكشف ذا صنعة أبداعية ماهرة ووعي متكامل بعلاقة اللغة بالواقع وما تنطوي عليه تلك المهمة من تجاوز للذات واستيعاب للقضية التي ينذر المبدع حياته لها بلا أدنى شعور بالإخفاق، وعليه فأن المبدع الكبير هو الذي تشف روايته عن تجاوز كبير لتك الثنائية وردم الهوّة بينهما، لينصرف حديث النقد حينها حول جماليات النقد الثقافي أو جماليات السرد في تمثله لقضية ثقافية، وهو ما سأحاول مقاربته في هذه الدراسة حول رواية “الثلاثية الأولى” للقاص والروائي العراقي (جمعة اللامي) بوصفه ركنا هاما من أركان السرد العراقي.
تشكل رواية ” الثلاثية الأولى” محطة مهمة لإرساء ثقافة ممتلئة بواقع المرحلة المليء بالحراك الأيديولوجي، ورصد بانورامي ذي هم أنساني صرف، لساحة اشتباك القوى المتنازعة، عبر الكشف المضموني للصراع الدائر، وتعرية الممارسات القمعية ذات الطبيعة غير الثقافية، المتمثلة في الاعتقالات والتعذيب والتصفية الجسدية والسياسية، فالرواية تقدم لنا رؤية واضحة وحقيقية مستنبطة من صميم الواقع الذي خبره المؤلف الحقيقي للنص (جمعة اللامي) وتجسد فنيا عبر شخصية (عزيز الموسوي) التي مثلت مدخلا رصينا لدروب إشكالية، وتنبأ مستقبلي لما سوف يحدث لاحقا، أذا توفرت تلك الشروط التاريخية المبنية على الرغبة المدمرة بالسلطة وحب التملك وإقصاء الآخرين حد الانسلاخ من الهوية الإنسانية، ذلك الصراع المميت في العراق والذي أثبتت التجارب الطويلة، أنه لن ينتهي ألا بالرغبة الصادقة والوعي المشترك لدى فرقاءه، بخطورة أن يظل الإنسان بيدقا تحركه الأيادي الجاثمة خلف المتاريس، و برحيل آخر برميل من البترول تحمله البواخر العائدة إلى مرافئها تاركة خلفها لفيفا من الأنتلجنسيا المذعورة، و جوقا من أقزام السياسة يتصارعون على حكم الأشباح في ربوع المدن الخربة.
شخصيات الرواية محلية و متجذرة في الواقع فهي تجمع بين البروليتاري والبرجوازي الصغير، شخصيات عانت العزلة والاضطهاد إلى الدرجة التي توحي بأنها ممسوسة بالجنون كما يراها الآخرون ” قام خالد الأمين، كان يبكي بصوت مسموع في كل زوايا البار، قال أحد الزبائن: هذا المجنون دائما يبكي، وعلق آخر: أنه ليس مجنونا، وأشتد اللغط، كان الكل منتصرين، وكنت أدرك سر بكاء الأمين” ص47 تلك الشخصيات التي تكبدت وخامة القسوة التي مورست لإسكاتها، وبالتالي فأنها أنمسخت تحت وطأة الضربات الثقيلة للسلطة الدموية المتمثلة بالفاشيست الحاكم للبلد آنذاك, فشخصيات اللامي لم تكن طارئة في مخطط السرد, لها حضور نابض بالحقيقة يأتي من جذورها المغروسة في التربة الاجتماعية العراقية تجلت في الواقع النصي للرواية من خلال خلق المبررات السردية لذلك الحضور، فشخصية (غريب المتروك) وهي شخصية بسيطة ذات وجود شبحي في راهن النص وحدود ما رسم لها في نسيج السرد، تلك الشبحية أو الوجود المغترب، الموحي بالنتائج الكارثية التي فتكت بالفرد الإنساني، التي يتتبعها السارد العليم ومن خلال توصيفات (عزيز الموسوي) للشخصية، غريب المتروك الجنوبي الطيب الذي يحمل على جبينه جرح السنين الذي اتخذ من النضال والعمل السري طريقا من اجل الاشتراكية، التي كان يؤمن أيمانا لا يشوبه الشك بأنها الطريق إلى السعادة الأبدية والحرية التي يحقق من خلالها كينونته، حيث كانت لتلك التوصيفات الرشيقة لأهم المحطات في حياة(المتروك) الدور الكبير في أبراز شخصيته بكل تعقيداتها وخلق مبررات الإقناع الجمالي، للنتائج التي توصل إليها في مجمل حياته، ومن خلال حواراته مع الشخصية المركزية في الرواية وهي شخصية (الموسوي) .
أن تطور الوعي لدى (المتروك) من وعي الشارع البسيط المليء بالميول العاطفية المتفائلة، إلى الحكمة والبصيرة النافذة، هو المائز في تلك الشخصية القابلة للتأويل، أن ما حل (بالمتروك) من مصير هو نتاج لصدمة الوعي المذهلة وهي تنتج تصوراتها بمحركات ذاتية، ذلك الوعي الصادم المكتسب من الواقع الذي أفرز لنا تلك الخلاصات المريرة عن بشاعته، فالمتروك، ومن خلال حواراته وتأملاته لا يبدوا لنا تلك الشخصية المعبأة بالتنظير، بل هي الشخصية التي ربتها الظروف المحيطة وأنتجها الواقع العملي وحصاد التجربة الذاتية وهي تتكشف الحقائق المستترة، أنه نتاج التأمل خلف القضبان والأبواب المؤصدة، ونتاج التشرد والحرمان من الحياة الاجتماعية، المتروك الذي حمل السلاح مناضلا ومن ثم أعتقل وعذب وتنقل بين جميع المعتقلات العراقية وتنتهي أحلامه فور خروجه من السجن (أو خروج بقاياه) ليمتهن تغسيل ودفن المناضلين اليساريين المعدومين من قبل السلطة، وهو مصير مليء بالدلالة على الإحباط، فالموت هو المفردة التي عايشها المتروك طيلة حياته وهو يبحث عن الحياة وهي مفارقة وجودية مفعمة بالطرافة والكوميديا السوداء التي هي نتاج الوجود المكفهر .
أن صوت المؤلف، وهو نقطة بلوغ أقصى درجات الوعي كان متلبسا شخصية (عزيز الموسوي) وهو القيمة المهيمنة للوعي في الرواية(هي الشخصية التي تُبئر النص داخليا) فهي التي تشخص مستويات التفكير لدى الآخرين بطريقة ليست مباشرة تقييميه، وإنما من خلال مساجلاتها ومكاشفاتها مع ما يحيطها من شخصيات قريبة لا تحتاج إلى مقدمات أو تشبيحات، فالجميع هم رفاق الدرب وشركاء التجربة النضالية، الشخصية تمتلك ناصية الإرسال، وهي التي تمتلك إطار متكامل، وهي دائما من يتوغل بعيدا، عبر امتلاكها للموضوع بشكل واضح، لإيقاد سراج بؤرة القضية بكل تفاصيلها الحادثة، وتفعيل حضور الشخصيات بكل سلبياتها وايجابياتها، وكذلك ما كان لأسترجاعاتها عبر المونولوج الذاتي، من إعطاء حيوية للماضي وبراءته، وتأثيره على سلوك الشخصية في ضراوة الحاضر، الحاضر الذي يصفه الموسوي في حواره مع (غريب المتروك) بأن بشاعته لا تنحصر بدمويّة الآخر، القامع، بل يتعلق الأمر بجزء كبير منه، بآليات الفهم والتطبيق والتعامل مع الطرح الأيديولوجي كمشروع ورؤية مستقبلية لتمكين مجتمع من النهوض، يقول الموسوي: ” القدرة على الفعل هذه هي المشكلة، يخيل أليّ، أن ثمة اغترابا بين الإنسان ونفسه عندما يكون الفعل غريبا عليه، يحدث هذا في الإنتاج، كما يحدث في الأخلاق، وإذا كنت تخرج إلى العالم من أجل اكتشافه لتصل إلى سعادة أرضية يكون فيها الخارج واضحا بالنسبة إليك، فأني تعاهدت مع نفسي أن يكون ذلك الخارج أكثر أعتسافا…..لم أكن حزبيا كما تعرف, ومع ذلك فأن داخلي يخبرني بأنني أرثكم جميعا “(109)
أن هذا الشرخ الكبير والانعطافة الأساسية في مستوى تفكير الموسوي ومراجعة ما كان يؤمن به أيمانا مطلقا، هو الذي مثل “ذخيرة النص” ونقطة التوازن الرؤيوي وتشخيص أمبريقي لواقع يتعثر في فك اشتباكه مع نظرية أرهقتها الديكتاتوريات بما لا طاقة للبشر على احتماله، أن وعي ( عزيز الموسوي) يقترب من منهج (توفيقي صوفي) نجد له نظيرا في واقعنا الثقافي العراقي في منهج المفكر عزيز السيد جاسم، وكذلك يقترب في شكل من أشكاله بيسارية المفكر هادي العلوي، وهي ضروب من اليسار الذي يراعي الخصوصية والهوية المحلية، لم يقف انتماء (عزيز الموسوي ) لاتجاه فكري وسياسي محدد، حائلا بينه وبين الثقافة بمعناها الإنساني الشامل، وخصوصيتها الأصيلة، يقول لخالد الأمين:” أذا أردت أن تكون حرا فشارك في صناعة الأوطان الحرة” ص() ولم يقف بينه وبين الامتلاء الحي بالتجربة التي يعيشها، أو يمنعه التبني الفكري عن مراجعة أسس التفكير التي تقف عليها النظرية التي يؤمن بها، وهي مخاطرة كبرى بالنسبة (لجمعة اللامي) تترتب عليها صدامات مع رفاقه اليساريين المتعصبين والمتأثرين بنزعة اليسار الستاليني الكاره للثقافة والتعددية، وهو الخط الذي كان مسيطرا على الحزب الشيوعي العراقي وجميع الأحزاب اليسارية في العالم في تلك الفترة، وذلك ما جعل (اللامي) يدوّن ملاحظته في نهاية الطبعة الثانية التي صدرت مؤخرا، ما معناه، أن بعض الأسماء والأماكن كانت قد حذفت في الطبعة الأولى الصادرة سابقا في بغداد عام 1978 خوفا من إساءة الفهم من قبل الآخرين في ذلك الوقت، ذلك التعصب الذي شكل عقدة كبيرة لمتبني اليسار الماركسي واستيائهم منه، لأنه أنساق مع الأحداث الدراماتيكية، والتي شكلت إحباطا وصدمة وجدانية كبيرة للجيل المتطلع إلى الثورة الفكرية على كل أشكال التخلف والرجعية التي عاشها العراق على مدى طويل،
أن اللامي أراد أن يمتد بمنجزه إلى مساحات واسعة أبعد من تلك التي تحكمها نظرة ضيقة مرهونة بالتغير السياسي بطابعه البراغماتي، المتداول، أنه يفهم السياسة (وعبر شخصية عزيز الموسوي) كما يفهمها نيتشه القائل :(سيجيء يوم يكون للسياسة معنى آخر) وأن يعمم نموذجه ليصطاد المعاني النبيلة التي لا تركلها رعونة المغامرين ولا يخفت من بريقها غبار السنين، لتبقى بالإضافة إلى كونها شاهدا على مرحلة حساسة، شاهدا على أمانة مبدع ذي ميول إنسانية صرفة وهو يصغي لهواجس الفرد المعذب، الذي يُساوم على كينونته.
إن اللامي في ثلاثيته الأولى، أراد من توظيف المونولوج، الذي يستعيد من خلاله ذكرياته القديمة عن مدينته الجنوبية أو “ديرة حلم العمر” كما يسميها وهي اليوتيبيا الساكنة في مخيلته، أراد أن يوظف ذلك الحنين النستولاجي لبساطة الحياة شبه البدائية، بطبيعتها الساحرة ونهرها الصافي الذي ينعكس على الشخصيات التي انطلقت من تلك البيئة بكل ما تحمل من معاني البراءة، وهي مفارقة نجح في خلقها، أذا ما علمنا أن الرواية تتحدث عن مرحلة من تاريخ العراق السياسي و أستتباعاته الاجتماعية وعن تجربة اليسار العراقي تحديدا ، الذي تبنى بحكم الضرورة مشاريع التغيير الشاملة والتحولات الراديكالية في بنية المجتمع احتكاما لمبدأ الديالكتيك ومادية التاريخ ،أن ذلك الحنين الرومانسي إلى تلك الحياة التي ناضل من أجل تغييرها والارتقاء بها بحكم التبني الفلسفي ، يعمق لدى المتلقي حجم الأزمة الوجودية والتوحد والاغتراب الثقيل في جوف الشخصية الأكثر إدراكا في رواية الثلاثية الأولى وهي شخصية (عزيز الموسوي) حيث يضفي عليها هذا الحنين، تلك الحرية والنزوع الغريب من أجل اكتشاف الحياة بمعناها الكوني انطلاقا من خصوصية كيانية، وهوية تعطي معنى وفرادة، في حوارها مع الآخر في مستقبل الإنسانية، وهو عرض من أعراض الفكر المتجاوز لمرحلته والمفارق لها، أن إفراط الأيمان بفكرة ما في هذا الوجود الذي يشوبه الغموض للإنسان، عادة ما يتسبب بكوارث يولدها الإحساس بامتلاك الحقيقة النهائية، ذلك الإحساس المتراكم هو الذي يجعلنا نتوق إلى تصنيم الفرد وعبادته لأنه يبدوا لنا السبيل إلى استيعاب العالم بشكل كامل .
أن نزوع الموسوي إلى الفرادة في الرؤية، كونه أختط طريقا من معطف النظرية التي آمن بها ولكن بقراءتها قراءة محلية، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الفردية للحاضن العملي لتلك النظرية وهو الواقع بكل تفاصيله وأرثه الشرقي الذي يمثل صمام الأمان للهوية الفردية والجماعية، فالموسوي الذي لازمه الشعور الصوفي بالمعنى الذي جعله يبتكر رؤية جديدة للحياة، هو ما جعل منه الشخصية الأكثر أهمية في رواية الثلاثية الأولى لكونها تؤسس للحياة بأسمى معانيها الإنسانية النبيلة بعيدة كل البعد عن شطحات المندفعين خلف أحلامهم المريضة ونظرتهم الضيقة للسيطرة، أن فلسفة الموسوي، انعطفت من صلب اليسار نحو الحياة التي خبرها وتعايش مع إرهاصاتها، أي أنه أشتق الثقافة المغايرة أو المعارضة من نسق الثقافة المهيمنة، وهذا الأمر الذي أرّق (ميشيل فوكو) كثيرا، تلك المعادلة التي تفرز لنا القوة المضادة للقوة المؤثرة الأساسية، محاولة تقويضها أو حرفها عن مسارها.
هذا الوعي الحاد ب”سيادة الذات” ورفعتها هو الذي ارتقى بالموسوي إلى منصة الحكي في تضاريس السرد، في رواية اللامي، وأصبح القيمة المهيمنة التي تدور اختلاجات الآخرين الضبابية حول لمعانها الرؤيوي المتجاوز لجيلها الغاطس في صراعات ومؤامرات شاذة وغير محسوبة النتائج، سيادة الذات التي تمثل جوهر العملية الإبداعية لدى اللامي وهو يدون ثلاثيته متكشفا بفرادة إنسانية ذات هم أنساني أصيل لا تقتلعه رياح الأيديولوجيات العابرة للتخوم من جذره الذي يضرب في قعر المدينة الأم ” مدينة حلم العمر” ليروي عبر شخوص عاصرها وشاركها محنة النضال في محطة هامة من تاريخ العراق السياسي المعاصر، محنة شعب غيبته المؤامرات، وتجربة شخصية عاشها اللامي/ الموسوي في المعتقلات الضاجة باليسار المنكوب آنذاك .
أما الشخصية الأخرى التي انتهى مصيرها إلى الاغتيال من قبل مخابرات السلطة في لبنان فهي شخصية (خالد الأمين) الشاب المتعلم الذي أندفع في التعاطي مع إرهاصات المرحلة، ولكن حدث التغير في حياته بعد ذلك، إذ أدرك إن خيار الثورة المستمرة سيكون كارثيا ” كان يصرخ بصوت عال في البار الصغير: أريد إن أصنع عالمي من جديد، الثقافة، وزعق بصوت مسموع: هي الرد الوحيد على هذا التفتت وقلْب هذا الوضع إلى خيار آخر ليس هذا انقلابا، أنه الوضع الطبيعي ” ص() أن خالد الأمين يمثل امتدادا لوعي الموسوي عبر جيل آخر تأثر بمعلميه، كان الأمين أحد أعضاء الحلقة التنظيمية للموسوي في بدايات العمل السري، دخل في حوارات معمقة فيما بعد حول جدوى الكفاح المسلح من أجل تحقيق الذات، قبل أن تلاحقه المخابرات العراقية وتغتاله في لبنان، مما شكل صدمة كبيرة لعزيز الموسوي أدت به إلى الإحباط واليأس.
شخصيات الرواية جميعهم (غريب المتروك وخالد الأمين وكريم البقال وسافرة عبد المسيح) كل منهم أختار طريقته في الحياة وفق ما كان يجري، أما التشيؤ في الوجود أو استبصار طرق رؤيا جديدة في الحياة، وهما خياران صوفيان دلت عليه مصائرهم المؤلمة، ومن خلال حواراتهم التي كان يستعرضها الموسوي بوصفه كلي العلم في سرد “الثلاثية الأولى”، أن تصوراتهم كان يشوبها ذلك الضرب من التصوف والذوبان في المطلق في طقس تراجيدي كشفت عن أوضاعهم في الحياة فمنهم من فضل السكر والهذيان والتواري عن الواقع البشع قدر الإمكان، ومنهم من تراجع كليا عن مطاردة أحلامه وأستسلم للواقع بعرفه الساذج (كما سافرة عبد المسيح)، كان الجميع محبطين، وأرتكاسهم حول ذواتهم، بعد أن ذاقوا بشاعة الواقع، تكشفها تأملاتهم، يصف الموسوي غريب المتروك بأنه: “كان ينغمر في عالم القرآن والخمر” أو كريم البقال وهو يقول: “الله في السماء وماركس في الأرض” وهما موقفان بقدر ما هما متباينان كما يبدوان، ألا أنهما يشتركان في كونهما يتعاملان مع المقدس بشيء من الطرافة التي تجرده من قداسته وهو إذ يدل على التيهان أكثر من دلالته على نقطة استقرار في الوعي ونضوج حقيقي في امتلاك النتائج، أنه انزياح نحو الخرافي ليس أيمانا به أيمانا راسخا بقدر ما هو هروب من واقع بلغ حدا خرافيا في مسخه للآخر ودحر كينونته، ذلك الانزياح الغريب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، لم يكن مؤشرا لدى تلك الشخصيات على صدمة من الوعي الناشط كما هو لدى (الموسوي) بل هو محطة أخرى من محطات الضياع والتيهان في توصيف الحياة ووجودهم فيها، وهو مصير رسمه بذكاء تام المبدع (جمعة اللامي) لشخصيات تمتلك من الوعي المتواضع القدر الذي لا يمكنها من تجاوز تلك المرحلة بنتائج مثيرة على مستوى الرؤية أنما جاء إيقاعها في سرد الرواية وحواراتها متناسبا تماما مع ما آلت إليه من نهايات تبدو طبيعية ومُقنِعة، الأمر الذي يحسب لمنتج النص في ردمه الهوة التي قد تحصل بين محاولة أعطاء مصائر لشخصية لا تملك من الوعي ما يؤهلها لذلك، وبالتالي فأنه يضر بالجانب الجمالي للسرد، لأن الشخصية تبدو منتفخة على سطحه، وحضورها يبدو غير مقنع بالمرة.
أن الصدمة التي يولدها الواقع، غير تلك التي تولدها المعرفة النظرية، فالأولى تؤدي إلى التشظي في الوجود والثانية تؤدي إلى كشف جديد في مستوى الرؤية مما يشكل إضافة نوعية لرصيد الفكر الإنساني وهو ينقب في جميع المدارات، فأن تكون يساريا وعلى دراية تامة بكل المقولات الفلسفية التي خرجت من معطفه، يستلزم امتلاك الفرد لجهاز مفاهيمي يمكنه من أدراك المتغيرات التطبيقية في الواقع ليتمكن من الانسجام مع نفسه ومع طرحه الفكري الجديد، كما فعل (عزيز الموسوي) بفهمه العميق وبكل هدوء وسكينة الإنسان المتفكر، من أعادة لترتيب أولوياته، وكبح موجة الاغتراب التي كادت أن تدمره، والتي دمرت سواه من الرفاق الذين لم تسعفهم الإرادة في اختيار الوضع المناسب لاستقرارهم الروحي، سوى انهيارهم وابتعادهم عن موقع الفعل التواصلي مع الآخر. كان ألتوسير (وهو الذي عرف بنقده لماركس) يقول دائما ” بإمكاننا التفكير مع ماركس ضد ماركس فهذه هي الطريقة التي يعمل بها العلم “(6) ولأن ماركس لم يكتب يوما كتابا مقدسا لا يمكن المساس به خوفا من التكفير، فأن رأس المال والأيديولوجية الألمانية ومؤلفاته الأخرى، هي ذلك الضرب الرصين من العلوم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تحت خيمة نسق فلسفي متماسك ينطلق من رؤية كونية شاملة، وتلك العلوم قابلة للدحض والتعديل والحوار في تفاصيلها وتطبيقاتها في كل المجتمعات، وعبر الأجيال، فأن ” تكون أو لا تكون ماركسيا هو خيارا دينيا وليس خيارا علميا على الإطلاق، بعبارات دينية، أن تكون مسلما أو لا تكون، أما أن تنطق الشهادة أو لا”(7) فالعلم وجد ليتم تجاوزه والماركسية وعلى الرغم من كونها فلسفة العصر كما يصفها سارتر، ألا أن العلم لا بد أن يُتجاوز بالتعريف الأساسي له، مثلما ألح السوسيولوجي الفرنسي (بيير بورديو) كثيرا على ذلك، فأن نستخدم ما أنجزه ماركس وما أشتق الآخرون من تلك المنجزات هو ما كان الغاية السامية لدى ماركس، وهو المؤمن بجدل الحياة، والناقم على كل أشكال التنويم للوعي البشري التي وصفها مبكرا، بالأفيون الذي يعد بحياة أخرى ينبغي انتظارها.
وبناءا على ما تقدم فأن جمعة اللامي الماركسي حد النخاع، بصفته خالقا لرواية “الثلاثية الأولى” والمتماهي مع شخصية عزيز الموسوي، كان يعاني محنة مراجعة الثوابت الأساسية في رؤيته للحياة، وما يرافق تلك المراجعة حتى على مستوى البوح بها للمقربين، من أثارة واستياء ونفور الآخرين منه، تلك المحنة التي وصفها أحدهم بأنها ” ساعة حرجة أن تدور بعينيك محملقا في جميع الوجوه والعيون فلا تجد من يفهمك “(8) أو أن يصغي إليك ويعطيك الثقة الكافية بما تفكر وتقترح دون الشعور بعدم الانتماء والعزلة الشديدة الوطأة .
يتوزع السرد الروائي ذو اللغة المكثفة بؤر استقطاب دلالية، كانت تؤدي دورها في ترسيمة المتن كقنوات موجهه للدلالة، استنبتها الكاتب في تربة النص لتجذب بذلك خيوط السرد إليها في توتر مستمر و انشدا د على امتداد النص لينتج ضفيرة دلالية تؤَمّن فعل التراسل عبر وعي الشخصيات وبين تلك المراكز ، بلغة أقتصد السارد فيها كثيرا ليضمن نجاح المخطط السردي، الحاضن لحدث أراد له اللامي أن يكون مشحونا بالعواطف وممتلئ بأفكار ومطارحات شخصياته وعرضها للتداول، وربما كان وجود الصوت النسوي في الرواية، واحدا من أهم البؤر، بالغة الدلالة والأحكام والمعنى الفني، حيث تمثلت بنموذجين من الشخصيات، أولهما حاضرة في زمن الحدث، ولكن خارج زمن السرد الذي دشن الرواية، إذ تمر في أحلام وتأملات عزيز الموسوي، وهي (مريم بنت مطر) الأم التي عاشت في زمن مضى، عاصرها الموسوي في طفولته البريئة، كانت (مريم بنت مطر) كمرآة للماضي المستعاد في أحلام اليقظة للموسوي، عبر تلك البؤرة كان يتم التسلل إلى الماضي الرائع، بروعة بساتين (ديرة حلم العمر) “أوصتني مريم بنت مطر فيما كانت تُحنّي راحة كفي اليمنى ليلة العيد، حدث هذا عندما أقبل العيد وأنا دون العاشرة: هي، ستطلع من الماء، وجهها أبيض، شعرها حالك السواد، أجمل من الجمال وأبلغ من الصمت تشع بهاء ونور…عند ذلك أنزل الماء وقبّل الجميلة ما بين عينيها”ص (99) أن التوظيف الفني لهذه الشخصية التي تدل دلالة صريحة على الماضي بكل طهارته وعذريته وسخائه، هو الذي كان، ومن ضمن أشياء كثيرة، ما وصفناه بفعل المبدع الحقيقي الذي يوظف التقنية السردية للكشف عن المضمون الثقافي، فالحديث عن بنت مطر كان يعني المقارنة بين الأمس واليوم بين الماقبل والمابعد احتكاما لزمن الفعل الثوري التغييري في المجتمع .
بالمقابل كانت هناك شخصية (سافرة عبد المسيح) المناضلة اليسارية، التي وُظفت في النص، لتدل على الحاضر والأمل في مستقبل أفضل، الأمل الذي تلوث وشُوهت تضاريسه فيما بعد، سافرة، التي كانت تمثل بوادر المرأة العصرية التي تحمل الهمّ السياسي والاجتماعي، كان دخولها مسرح الأحداث في الرواية، يمثل نوعا من الانفراج السردي الذي أحتضن واقعا معتما خيم على تفاصيل المشهد، الأمر الذي يشعر المتلقي إزاءه بالإحباط والتذمر من خواء كبير تناوبت الشخصيات على تجسيده، أن هذا الانفراج / الأمل الذي أنزرع في ثنايا ترسيمة المتن، كان يمثل الحلم الذي كاد أن يتلاشى وتضيع ملامحه إلى الأبد، فسافرة هي الحياة بمعناها المعاصر الذي ابتدأ من لحظة توصيف (مريم بنت مطر) كماضي، حيث ستحيا في مناخ يكون للمرأة فرصة كافية للمشاركة وبناء الواقع الجديد .
بالإضافة إلى ذلك، فأن (جمعة اللامي) قد وَظف شخصية (سافرة عبد المسيح) لإتمام تقنية هامة في كتابة الفن القصصي، وهي تقنية مشهدي المفتتح والخاتمة، وقد وُفق كما أرى، في صياغة تلك الإستراتيجية في مشروعه الروائي (الثلاثية الأولى) لتعطي بُعدا مدهشا لها، فمشهد البداية كان جنازة فوق سيارة، يحيطها جمع من النسوة ورجل ” واختلطت بصيحات ندب ولطم وعويل، تصدر من نسوة رافقن رجل ملثم بكوفية مرعز، وكان آخر ممدا داخل تابوت، وضع فوق سطح السيارة” ص (25) أنه المشهد الجنائزي الذي يهيء المتلقي لأجواء الرواية والأحداث اللاحقة التي عبقت بالموت ، وختمت بالمشهد التالي “برك عزيز الموسوي على الأرض وفوق سطح السيارة الصغيرة الروسية الصنع كان خالد الأمين يرقد هادئا في تابوت متواضع، قال غريب المتروك: الشهداء لا يغسلون، ونظر إلى عزيز الذي كان ينتحب، قال ناشجا: إنا الذي سأدفن خالد، سوية يا عزيز ..أنا وأنت فقط “ص (115) كان المشهد، دفن جثة (خالد الأمين) بعد أن لاحقته المخابرات العراقية واغتالته وهو عائد إلى البلد بصحبة رفيقته في النضال (سافرة عبد المسيح) وهو مشهد مؤثر حشد فيه اللامي الكثير من التراجيديا التي فاض بها حضور شخصياته وصدق معاناتها، ووضع فيها لمسة رومانسية في تجلي شخصياته وهي تعاني العزلة والاندحار الوجودي في أحلك مرحلة من سنوات العراق المعاصر .
من هنا كان خياره في مفتتح النص وخاتمته متميزا،لأنهما أعطيا بعدا جنائزيا، تشم منه رائحة الموت، بالإضافة إلى ذلك فأن المشهد الأخير، حمل معه أشارة إلى مشهد سابق لا يكتمل معناه دون تلك الإشارة الجميلة” لمح عزيز الموسوي امرأة تخرج من داخل السيارة، كانت ترتدي عباءة سوداء تغطي جسدها ولما دقق فيها عزيز الموسوي جيدا، عرف أنها سافرة عبد المسيح “ص(115) كانت سافرة عبد المسيح قبل ذلك قد أخبرت عزيز الموسوي (وبعد أن اغتصبت في أحد المخافر في بغداد) بأنها لا تنوي البقاء في العراق،لأن عائلتها المحافظة تخلّت عنها، في الوقت الذي كانت تتحدث إلى الموسوي وقد تجمهر الناس حول جنازة أحد الضحايا وكانت امرأة ترتدي عباءة كبيرة تحكم القبض عليها ، تتهامس مع رجل وسط صومعة الناس،أخذها بعد أن بدا عليهما أنهما أتفقا، وأتجه إلى شقته القريبة من المكان، وهما يجتازان الجموع، علّقت في حينها (سافرة عبد المسيح) على المشهد قائلة لعزيز الذي حاول أقناعها بالعدول عن السفر :” أذا بقيت في العراق فسأكون مثل هذه” وتشير بيدها إلى تلك العاهرة المعبأة بالسواد، أصرّت سافرة على ترك العراق نهائيا، وفي التفاته ذكية من الكاتب في المشهد الذي ذكرناه، أي عودة (سافرة) من لبنان بصحبة جنازة الأمين، وهي ترتدي ذات العباءة السوداء،التي كانت ترتديها العاهرة في ما مضى، عندها فقد الموسوي الأمل كليا بعد صدمة الأمين وسافرة، فقد كان الأمين بالنسبة للموسوي، الأمل الذي يجتمع فيه حيوية وحماس الراديكالي، وسعة الأفق والنضوج، الذي يمتلكها المتعلم، الواعي بالتجربة المتحولة دائما، أما سافرة فكانت هي الأخرى الحلم الذي خصبته الحاجة إلى التحوّل، واستنزفته الظروف القاحلة فيما بعد، وأُرغمت على ارتداء جلباب التخفي والعودة إلى حيث النسق المميت، الأمر الذي بعثر أوراق الموسوي في مهب الريح، تلك الريح التي جرفت (جمعة اللامي) إلى مرافئ بعيدة، تاركا خلفه فصولا من الرعب المدمر.
ملاحظة:
قرأت هذه الدراسة في الحفل الختامي لـ (مهرجان العنقاء الذهبية الدولي الرحال) المنبثق عن دار القصة العراقية ضمن حلقة دراسية خصصت للروائي المبدع جمعة اللامي الذي كرم بجائزة (قلادة العنقاء الذهبية الدولية ) شهر 11/2007 في قاعة العنقاء في دار القصة العراقية

الهوامش:
1_تيري أيغلتون، فكرة الثقافة، ترجمة: ثائر ديب، دار الحوار ص 250
2_نفس المصدر ص 198
3_ نفس المصدر ص 137
4_رواية (الثلاثية الأولى) جمعة اللامي
5_دايفيد أيكيه، السر الأكبر ، ترجمة: عبير المنذر، الانتشار العربي، 2005 ،ط1، ص181
6_بيير بورديو (بعبارة أخرى_محاولات باتجاه سوسيولوجيا انعكاسية_) ص89
7_ نفس المصدرص 91

*عن مركز النور

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *