الرئيسية » ملفات » علوان السلمان : ما أنا إلا صعلوك يتأبط خيرا لميعة عباس عمارة (ملف/3)

علوان السلمان : ما أنا إلا صعلوك يتأبط خيرا لميعة عباس عمارة (ملف/3)

إشارة :
“لميعة” البقية الثمينة الباهرة، وطنيةً وشعرا، لكن المغدورة – كالعادة – في بلاد القطة التي تأكل أبناءها: “لا أعرف لي منشأ غير الطين الرافديني في جنوب العراق ولا أعرف لي أصلا غير الجذور السومرية البابلية. أربع وعشرون سنة في أميركا لم تغيّر منّي شيئا ولم اشعر بانتماء حقيقي غير انتماء العراق” .. لميعة اللمعة الشعرية والجمالية والوطنية في ظلام العراق الخانق، علمتنا أن نشتاق لنهرينا العظيمين وفي بردهما الجنّة. تتشرف أسرة موقع الناقد العراقي بأن تعد ملفا عن شاعرة العراق الكبيرة “لميعة عباس عمارة” داعية الكتّاب والقرّاء إلى إثرائه بالمقالات والصور والوثائق. تحية لشاعرة العراق والعرب الكبيرة لميعة عباس عمارة.

ما أنا إلا صعلوك يتأبط خيرا لميعة عباس عمارة
علوان السلمان

وتسافر في حلم يطوي الأبعاد..
أنفاس نوافذها..
عطر شرقي..
يحملني … لا
يحمل لي بغداد
هذا ما قالته لميعة عباس عمارة في (أغاني عشتار) وهي في بعدها بعد أن حملت حقيبة الابتعاد المكاني وارتحلت..
إنها الشاعرة العراقية الرائدة في التجديد الشعري.. وهي صاحبة (الزاوية الخالية) مجموعتها الشعرية الأولى التي جسدت شهرتها كشاعرة عراقية متميزة الأسلوب.. متفردة الأصالة.. ثم تلتها (عودة الربيع) فأغاني عشتار و(عراقية) ثم (يسمونه الحب) و(لو أنبأني العراف) وأخيرا (البعد الأخير) ديوانها السابع الذي أصدرته في أمريكا..
لميعة عباس عمارة الشاعرة عاصرت ثورة التجديد في كل الفنون.. فهناك في المسرح (يوسف العاني) وفي الشعر (بدر شاكر السياب) وفي الرسم والنحت (جواد سليم) أستاذها في مادتي الرسم والنحت وله في (أغاني عشتار) صورة رسمها للميعة وهي طالبة إذ كان معجبا بثقافتها وإبداعها الشعري وتحديها.. حتى انه كثيرا ما كان يجعل منها موديلا كي يرسمها ثم تظهر صورتها رقيقة جدا وحادة وقاطعة.. لا توقيع تحتها فهو يرفض التوقيع على صورتها ويعرضها كعمل من أعماله الإبداعية في معارضه الشخصية لكنه لا يبيعها لأنها لم تنته بعد كما يقول.. ويضيف انه وضع فيها شيئا كثيرا من نفسه.. لذا ظلت الصورة تكبر وصاحب الصورة يحتفظ بشبابه.. وعندما تسألها عن التجديد في شعرها تجيب (اقرأ وأنت لاحظ إذا كان شعري يخفق بالتعبير) كانت صوتا مميزا بين الأصوات الشعرية في الأربعينات والخمسينات على منابر دار المعلمين العالية.. فكانت تبهر القارئ والسامع بشعرها..
شاركت بموجة التربية والتعليم طويلا فهي تهجر الشعر بعنف وتعود له بلطف لذا فهي قليلة مرة وغزيرة أخرى..
في داخلها يكمن عنصر التحدي.. لذا رفضت العباءة وخلعتها بعد أن راقصت قمة رأسها وغازلت جسدها سنين.. وكتبت الغزل بالرغم من مجتمعها المحافظ الذي تعيش فيه.. وبهذا كانت ثورة عارمة ضد المألوف..
وثورتها الأولى تنحصر في إنها كانت ترتدي العباءة وهي طالبة في دراستها الجامعية ثم تخلعها وتثور ضدها بمقالتها (أنا وعباءتي) التي نشرتها في صحيفة (عالم الغد) والتي جاء فيها (ذات يوم وجدتني محتارة ما بين شراء عباءة أو حذاء.. كنت املك بعض المال.. ففكرت.. ما هي السلعة الأكثر ضرورة؟ الحذاء أم العباءة.. فقلت: الحذاء.. ثم إنها سخيفة هذه العباءة.. إنها سوداء تستر معالم الجمال عندي وتعيق حركتي.. تشل مسيرتي.. في أيام المطر تغرف الطين من الأرض وقد تجعلني أطير كالمظلة لنحافة جسمي..) وثارت ضجة ضدي وسببها إني أحرض على الثورة ضد العادات الاجتماعية بالذات الحجاب..
أما ثورتها الثانية فهي إنها كتبت القصيدة الغزلية التي كانت محرمة آنذاك وهي بهذا تتحدى عادات المجتمع وتخرج على مألوفة.. ففي عام 1949 كتبت قصيدة غزل أثارت ضجة كبيرة ضد ناشرها وشاعرتها.. القصيدة حملت عنوان(شهرزاد) وقد تجرأ الناشر (علي الخاقاني) ونشرها في مجلته التي تصدر في النجف الأشرف (البيان) وقد روى الخاقاني بعد نشر هذه القصيدة إذ وصفته بعض الجهات نجسا حتى انه إذا أديرت له القهوة يقولون: اغسلوا فنجانه.. لأنه نشر غزل بنت في مجلته..
قصيدتها الأولى كانت فلسفية المنهج والفكرة وهي في الرابعة عشرة من العمر نشرت في مجلة(السمير) التي يصدرها الشاعر(إيليا أبو ماضي) والذي افرد لها الصفحة الأولى تعليقا عليها ونقدا إذ قال (إن في العراق مثل هؤلاء فعلى أية نهضة شعرية مقبل العراق..)
لميعة عباس عمارة الشاعرة المشاكسة مع الأقوياء.. الشفافة العطوفة مع الضعفاء.. الصريحة بشكل غير طبيعي مع الآخرين.. صراحتها هذه حادة حتى مع طبعها ونفسها كما تقول.. وحين طالعها وجه الوطن وهو شاحب متعب في زمن التعب المتعب أخذت تكتب القصائد الوطنية المشاركة في صفوف المظاهرات الصاخبة آنذاك.. والتي ألحقت بها مظالم ومتاعب سياسية..عندما تسألها عن نفسها تجيبك:
أحيانا استغرب نفسي..
من تلك على المرآة ؟

تلبس كل الخجل الوحشي..
ورائحة الغابات..
فهي لا تعرف نفسها.. لكن البروفسور (جاك ييرك) عرفها بنفسها وعرفنا بها من خلال كتابه الذي صدر في فرنسا عن البلاد العربية وتحديدا عندما يذكر الشاعرات العربيات لا يذكر إلا فدوى طوقان ولميعة عباس عمارة ونازك الملائكة….
لميعة عباس عمارة شاعرة أجادت الكتابة في الشعر العامي حتى إنها قالت مرة (أنا بدأت بالشعر العامي وسأنتهي به..) إذ إنها بين قلة من الشاعرات أجادت نظم الشعر العامي ولها في ذلك باع طويل حتى إن الكثير من قصائدها تسربت إلى الإذاعة والتلفزيون وتم تلحينها وغناؤها منها (درويش آن جنت) التي غناها فرج وهاب و(اشتاق الك يا نهر) التي غناها فاضل عواد…
لميعة عباس عمارة جرأتها قد لا تكون في الصراحة.. فهي التي أبدعت وهي التي غنت أغاني عشتار.. أما ما تقوله فهو مجاملة وتواضع في مجموعتها الأخيرة (البعد الآخر)..
أعلنه فشلي..
أبدا من وزر خوارق أحلامي
أنا لم أبدع شيئا..
ما أنا إلا صعلوك يتأبط خيرا
من يخشى صعلوكا لا يتأبط شرا..

*عن مركز النور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *