مؤيد داود البصام : بين الاسطورة والواقع …ينبثق الجمال

?

بين الاسطورة والواقع …ينبثق الجمال
 مؤيد داود البصام

 منحت جائزة الفنان الراحل رافع الناصري عن أعمال الكرافيك لهذا العام     2018للفنان العراقي بشير احمد، والتي تمنح كل سنة منذ رحيله بتأسيس من رفيقة دربه الناقدة والشاعرة مي مظفر لأهم عمل كرافيكي،  يتنافس عليها فنانون من أنحاء الوطن العربي، ومن يتصفح لوحات الفنان بشير سيجد أن اللجنة أبدعت هي الأخرى في الاختيار، إن أعمال الفنان بشير احمد تحمل مدركات فكرية إلى جانب التقنية التي تتمتع بها، فمن المعروف أن فن الكرافيك يعتبر نهج منفرد بذاته في نسق التشكيل يستخدم من قبل مصمم أو عدة مصممين رسالتهم الترويج أو الإعلان عن قضية ما وإرسال الفكرة التي تستهدف مجموعة خاصة من الأشخاص لذات القضية التي يروجون لها.( وفن الكرافيك نشاهده يومياً ونتفاعل معه، فالمجلات والكتب والصحف والمطبوعات بكافة أشكالها والإعلانات المرسومة والمواقع الالكترونية والدعايات والهدايا المقدمة من مختلف الشركات تستخدم الفن الكرافيكي، من خلال المزج بين الألوان والأشكال والخطوط وغيرها لإيصال فكره معينة أو إشهار منتج معين بطريقة لافتة ومعبرة في آن واحد. الفكرة هي أساس هذا الفن الواسع الاستخدام،) وهو ما لا يتوجب عليها ( الفكرة ) أن تقتصر فقط على أناسمعينين أو المصممين أنفسهم ، لابد أن يأخذ بنظر الاعتبار تغطيتها لجمهور واسع. لهذا فهو بقدر كونه خاص إلا انه واسع الانتشار وله صبغة جماهيرية. والكرافيك يعتمد أكثر الأحيان في بعض تقنياته على فن الخداع البصري  وهذا الشرط يتطلب دراية ومعرفة بمجموعة من القوانين الرياضية والفيزيائية لتشكيل لوحات تخدع الدماغ البشري، وتُعطي الناظر مجموعة من الانطباعات مغايرة للحقيقة، وهذا ما نجده في أعمال معرض (الحراك المصمت ) تقنية بمستوى عالي خلقت قيم جمالية وديناميكية للوحة اعطتها بعدا جماليا الى جانب الرؤيا. 

وإذا انزاح فن الكرافيك من النفعية كما في الخزف نحو الجمال الخالص ، فانه ظل بين الاهتمام المنصب للفكرة الرئيسية التي تمنحه هذه القيم الجمالية، التوافق بين الشكل والمضمون والبساطة في التكوين، وبين عمق الفكرة وقدرتها على ايصال المعلومة للمتلقي. وقد استطاع الفنان بشير احمد من تنمية فكرة حكاية من أساطير بابل من عالمها الأسطوري لتكون موضوعه الرئيسي في الأعمال الكرافيكية التي قدمها ، بإيجاد حلول تقنية في التداخل بين الماضي والحاضر، وبألوان الأبيض والأسود مع خطوط قوية واثقة، وإذ اخذ حكاية الطائر الذي أنقذ بابل من الثور، في حركة تناوبت بين الواقعية والتجريد ، فكما كسا الطائر السماء بالسحب السوداء في مواجهة الثور المجنح الذي أحرق الزرع بأنفاسه الملتهبة، استطاع أن يغير من معادلة القوة والضعف، كون الطائر أضعف من الثور إلا انه انتصر عليه، فاسقط بهذا الماضي على الحاضر ، ماضي الأسطورة على حاضر العراق البلد الأضعف بين كل القوى المتآمرة عليه، إلا أن الطائر ينتصر في النهاية.. ولعل اسم المعرض يمثل الجزء المتواصل مع البناء العام الذي انطلق منه في التأسيس بين الماضي والحاضر، ( الحراك المصمت ) ، وهو ما جعله يقتصر على اللونين الأبيض والأسود في حركة تضاد ثنائية، أعطت الأعمال بعدا فكريا إضافة إلى قوة الإنشاء والتوازن العام في الأداء، واستخدامه التنقيط المربع الذي حصر فيه الرؤية البصرية ضمن أفق محدد يجر المتلقي لاستمرار التأمل ضمن اللوحة ، ويعطي اللوحة أبعادا في الرؤية البصرية والخداع البصري، حيث تبدو في حالة حركة وديناميكية. وضمن مركزية قوة التأثير الذي أحدثه البناء العام الذي اعتمده لتشييد اللوحة باحترافية عالية، تداخلت ما بين الشفافية ومتانة الخط وقوة الفكرة لتوصلنا إلى قوة اندفاع الفكرة وسيطرتها على الرؤية البصرية والتحكم في اتجاه رؤية المتلقي. فالمربعات هنا اختلفت في رؤيتها فهي تتسع في جوانب وتنحسر في جوانب أخرى، مع تداخل بالدوائر، مما أثرت على شبكية العين مسببة خداع بصري باندفاع الشكل للخارج بما وضعه من تفاوت ما بين الحجوم، وهذه التموجات و الاهتزازات البصرية تمنح المتلقي بعدا خياليا يبدو عنده الشكل متحرك، فالأشكال الهندسية المتجاورة والمتكررة حققت وحدة الموضوع مع انسجام موسيقي. فالشكل الهندسي والمربعات المتجاورة والمتكررة مع الدوائر المنتشرة فيما بينها حققت الوحدة كونها مرتبطة بتناغم وتموسق مع روحية اللونين الأبيض والأسود بجرأة عالية المستوى لتحقيق قيم جمالية متواشكة ما بين الواقعية والتجريد التي اشتغل عليهما. والشكل المقعر .

 جائزة الفنان الكبير رافع الناصري السنوية(1940-2013) والذي يعتبر من كبار فناني ورواد الحفر والطباعة في العراق والوطن العربي، وهي جائزة مخصصة لجيل الشباب بين 20 و40 عام، أسستها الكاتبة والناقدة رفيقة درب الفنان رافع الناصري الشاعرة مي مظفر بعد وفاته تخليدا لذكراه ومن اجل إعطاء دفعة لتطور هذا النسق من الفن في وطننا العربي الذي اخذ الجزء الأكبر من حياة الفنان رافع التاصري . وتقدم هذه السنة للتنافس على الجائزة 20  متقدم عربي، خضعت لرأي لجنة التحكيم والتي ضمت ثلاثة من الفنانين الكبار بهذا النوع من الفن وهم ( ضياء العزاوي وزياد دلول ومظهر أحمد).

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *