شكيب كاظم : الروائي سعد محمد رحيم صاحب فسحة للجنون لم يترك فسحة للوداع (ملف/8)

الروائي سعد محمد رحيم
صاحب فسحة للجنون لم يترك فسحة للوداع
شكيب كاظم

أزعم اني أول من نوه بجهد سعد محمد رحيم الكتابي والابداعي وأشاد وأشار إليه،ففي سنة 1991 ،بدات تطالعنا كتابات جادة ومكتنزة،تحت عنوان محدد هو ( أوراق من غابة الثقافة) ومع الايام جلبت هذه الأوراق انتباهي لتستاثر به،واظل اتابع ما يكتب هذا القلم النبيل الجاد،الامر الذي دفعني كي أكتب عنه مقالة نشرتها الصفحة الثقافية لجريدة ( العراق) التي كان يشرف عليها ويحررها،طيب الذكر دمث الاخلاق الاستاذ أبو صارم أحمد شبيب حبيب،ليغدق تعالى شابيب رحمته على جدثه الطاهر،نشرتها الجريدة يوم الخميس 30 من محرم الحرام/1413 الموافق 30 من شهر تموز/1992 جاء فيها ( منذ ما يقرب من سنة،بدانا نقرأ سلسلة من المقالات التي تتناول مناحي شتى من ألوان الأدب والنقد والثقافة،ولقد اختار لها كاتبها عنوانا أصبح سمة لهذه الكتابات،( اوراق من غابة الثقافة) ،انهاجولة حرة في غابات الثقافة والفكر والأدب،ولقد كان بودي أن أقف عند هذه المقالات الممتعة والجيدة،بما تقدم للقارئ من زاد ثقافي شهي،لكن قررت الانتظار حتى تستوي على سوقها وتتمكن من الإعلان عن نفسها،وتاكيد ذاتها في ذهن القارئ والمتلقي،واذ واصل كاتب هذه الأوراق سعد محمد رحيم جهده،كان واجب الكلمة المخلصة يفرض علي أن أشير إلى جهده الفكري الخلاق هذا،والى طريقة عرضه للمادة الثقافية التي يتناولها بيسر وتمكن،الامر الذي يشير إلى حصيلة ثرة في عالم الكتب،ان ادامة النظر في الكتب والدوريات،انتجت لنا هذه الحصيلة الثقافية التي يطلع علينا بها السيد سعد محمد رحيم في زاويته الثقافية تلك،وكان آخر ما طلـــــــــــــــع عليــــــــــــــــــنا به (الاثنين 8-6-1992 ) مقالته الممتعة،التي تناول فيها من جهاته الثلاث: المبدع والحياة،والمبدع والموت،المبدع والخلود،فيتساءل ما الذي يهيىء الأرضية الصالحة للابداع. اليسر أم الحرمان؟ ويستعرض حيوات المبدعين مثل ماركيز وفان كوخ ودستويفسكي وفرانتس كافكا وادكا ر الن بو والسياب،،ولعل من الصعوبة أن نخرج برأي محدد عن ايهما اصلح للابداع الحرمان أو اليسر؟ وإن كنت أميل إلى أن ليس اقتل لموهبة المبدع من الحرمان والفاقة والجوع،فالمبدع الحساس بحاجة إلى أجواء مريحة لابداعه،ولتذهب للجحيم مقولة من قال: إن الحرمان مفجر الطاقات،قد يكون الألم لا الحرمان مفجر طاقات (…)
في الناحية الثانية من حديثه الثقافي هذا واعني،المبدع والموت،يحدثنا سعد محمد رحيم عن الموت هذه المعضلة الوجودية التي واجهت الإنسان،والمسالة الاكثر تعقيدا التي طرحت في حقول الفلسفة والدين والعلم والفن والأدب.
وبقيت أتابع جهد سعد محمد رحيم،حتى إذا تعارفنا،سن2000 ،توثقت عرى المودة،وقراءة ما يجود به قلمه،لاقرا سنة 2001 رائعته الروائية ( غسق الكراكي).
في سيرته الذاتية،التي وسمها ب( سمها. تجربة ) للروائي الأمريكي الشهير ارسكين كالدويل ،يؤكد أنه قرر أن يكون كاتبا، ويخلص لقراره هذا،وسعد قرر أن يكون كاتبا، قائلا على لسان ( كمال) بطل روايته ( غسق الكراكي)
– حلم حياتي الكبير أن أكتب رواية (…) اجل فالرواية تساوي الحياة،ومن لم يترك رواية قبل أن يموت،كانه لم يعش.- قلت.-
ومن يترك رواية؟
قال.
_ اه من يترك رواية تقرأ وتحكى فإنه لا يموت ابدا تراجع ص 11
هل كان كمال هو سعد،مع إن سعدا في غالب المقابلات التي أجريت معه،ينكر شأنه شأن أغلب المبدعين تقمصه أحد شخصيات روايته.
لقد كان من حقه أن يبحث عن الخلود،خلوده،هو الذي بنى لنفسه مجدأ مؤثلا،فنال عديد الجوائز على مستوى العراق،فضلا عن جائزة كتارا والقائمة القصيرة للبوكر.
ما اقتصر جهده على الرواية،بل كتب في الفكر التنويري،لانه يرى أن العراق لن ينهض إلا بالتنوير والحوار ومد الجسور وترك التعصب والانغلاق،فاستعاد لنا ماركس،هو الذي كان يحلم بالكتابة عن سارتر وطه حسين ونجيب محفوظ وادوارد سعيد وكارل ماركس،فضلا عن كتابه (المثقف الذي يدس أنفه)،
إنه طاقة ثرة،وعقل موهوب جوال،يطلق السؤال بحثا عن جواب،خذله قلبه ،حتى أني فوجئت،وانا اتصفح الصحف العربية الصادرة في لندن فجر الثلاثاء 10 من نيسان_2018 بنعيه،هو الذي كان مزهوا ومحبورا وهو يوقع كتبه يوم الجمعة 6-4 على هامش معرض الكتاب ببغداد،وذهب للسليمانبة للمشاركة بمهرجان ثقافي.
ختم سعد جهده باصدار روايته ( فسحة للجنون) وفيها تقمص لحيوات حكمت المجنون،واقتراب من عوالمه ،فانه ما ترك لنا فرصة كي نودعه،وهذا الذئب المترصد بنا ينقض عليه،ونحن كلنا_ كما قالت الشاعرة الرومانسية عاتكة وهبي الخزرجي في وداع أستاذها الجواد مصطفى_ كلنا طريد وطارد.

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.