عيسى حسن الياسري : تتذكرني .. حتى في غيابكَ ” إلى عباس سرمك حسن …”

تتذكرني .. حتى في غيابكَ
………………………………..
عيسى حسن الياسري

” إلى عباس سرمك حسن …”
1
=
شيء ٌ عادي ٌ
عادي ٌ جدا ً
أن ْ تحمل قصائدي في جيبك َ
أن ْ تقرأها لصديقتك َ
وأنتما تجلسان ِ على ضفة ِ نهار ٍ يعدكما بالمطر ْ
وأنتما تسيران على شواطئ – الفرات ْ-
وقت َ هبوط ِ المساء ْ
وعودة المتجولين َ إلى منازلهم ْ .
2
=
شيء ٌ عادي ٌ جدا ً
أن تدخل المقهى
أن ْ تجلس إلى حلقة ِ أصدقائك َ
أن ْ تطلب َ منهم ْ أن يتوقفوا قليلا ً عن – لعبة ِ النرد –
لتستخرج َ من حقيبتك َ الجلدية ِ أوراقي
التي تجمعها من حوانيت ِ الباعة ِ
أو تمسك ُ بها
وهي تدور ُ راقصة ً مع الرياح ْ
لتقرأ لهم منها أشياء َ بسيطة ً
بسيطة جدا ً
فيها الكثير ُ من الحزنِ
الكثير ُ من البكاء الراكض على دروب الليل الباردة
الكثير ُ من الفرح الذي سَرَقتْه ُ من أعشاش ِ الطيور ِ
من حزم ِ الحطب ِ المعد ِّ لأيام ِ الشتاء ْ
من مغازلة ِ المحاريث ِ لحجارة ِ الحقول ْ
ممن يقيمون شعائرَ أعياد ِ الحصاد ْ
ومن جلسات ِ الأصدقاء ِ تحت َ مظلة ِ قمر ِ الصيفْ
حيث قرى فلاحينا القديمة
التي لايقرع ُ أبوابها سوى المطر ْ
وهبات ِ رياح ِ آخر ِ الليل ْ
والأصدقاء الذين يحضرون مع إطلالة ِ النهار ْ
ينتظرهم ْ خبز ُ أمهاتنا الساخن ُ

وأقداح ُ الشاي
وفنجاين القهوة ِ المعطرة ِ بالهال
وسربٌ طويلٌ
طويلٌ جدا ً من زقزقات ِ عصافير ِ فرحنا .
3
=
شيء ٌ عادي ٌ ياصديقي – عباس –
أن ْ تقرأ لأصدقائك َ ..
عن المراعي
عن موسيقى مزامير ِ رعاة ِ الماشية ِ
التي تطرد ُ آخر َ إغفاءة ٍ من نعاس ِ الصباح ْ
أن ْ تحدثهم عني
رغم َ أنك لم ترني
أن ْ تصف َ لهم ضياعي في غابات ِ قصب ِ الهور ْ
وملاحقة ِ الصبايا
في الليالي المقمرة ِ
وعن بكائي
الشبيه ِ ببكاء ِ شجرة ٍ تصارع ُ برد َ الليل ِ وحيدة ً .
4
=
كل ُّ هذا سيكون ُ عاديا ً جدا ً يا صديقي – عباس –
حتى وأنت َ تسرد ُ
أحداث َ تلك َ الليلة ِ
التي حملني فيها أصدقائي إلى البيت ْ
كانت ْ قدماي َّ أشبه َ بخيطين ِ رفيعين ِ غزلتهما جدتي
بعد أن ثملت ُ في حانة ٍ تقدم ُ الخمور َ الرخيصة َ
حزنا ً على البلاد ِ
التي وضعوها في جيوب معاطف ِ الغرباء ْ
التي تم شواء ُ جسدها في محرقة ِ الحروب ْ
ثملت ُ حزنا ً على العصافير ِ
التي تغني في أقفاص ِ المنافي
حزنا ً على انتزاعي
من أحضان ِ امرأة ٍ
سفحت ْ عطر َ حياتها
على سهول ِ .. ومنحدرات ِ حياتي .
5
=
أنا لا أستغرب ُ منك َ هذا
أنت ..
أيها الطفل ُ الجنوبيُ
الذي تمزج ُ أمه ُ لبنَ رضاعته ِ
بترنيمات ِ غنائها الحزين ْ
تعلق في مهده ِ
قصائد َ الشعر ِ الشعبي
وتمائم أئمة الجنوب ِ
ذوي الأضرحة الفقيرة ِ
وتجعل ُ أكثر َ من فاختة ٍ تقيم َ عشها في حنجرة ِ طفولته ِ .
6
=
أنا لا أستغرب ُ – ياعباس –
ياذا الشعر الريفي
الذي يغري ببريقه أكثر الصبايا حشمة ً
أن ْ تغني لرفاقك َ بصوتك َ الشفقي ِّ
متى ما جن َّ الليل ُ
وتوقفت ْ قطعان ُ المدافع ِ المسعورة ِ عن العواء ْ
وقد تقرأ ُ لهم ْ شيئا ً مني
ما أستغربه ُ
أنْ تتذكرني
حتى بعد َ أن ْ زرعوا حقل َ جسدك َ
بشتلات ِ رصاص بشاعتهم
لتغادره غيوم قصائدك َ .. غناءُ الليل ِ المقمر ِ .. قبلات ٌ .. أودعتها أكثر ُ من صبية ٍ على عينيك الغافيتين .. لتغادره البذورُ التي تجدد ُ دم َ الحياة ْ .. الهواء ُ النظيف ُ .. الهابط ُ من قمم ِ الجبال ِ النظيفة ِ .. ولتغادر قامة َ جسدك َ .. الأحلام ُ التي تدحرجت ْ من قمم ِ أشجارها .. كما فاكهة ٍ ناضجة ٍ .. غاب َ عنها قاطفو مذاقها الشهي .
7
=
وما أستغربه ُ
أن ْ تطرق َ أبواب َ – دمشق- التي لم تزرها –
بابا ً .. بابا ً
أن ْ توقظ َ – المعلم َ – من نومه ِ
الذي يهرب َ إليه ِ من البرد ِ
ومن الجوع ْ
وتسأله ُ ..
إن كان مرَّرَ حبرَه ُ على وحشة ِ دفاتري .
8
=
بماذا أكتب عنك – ياعباس –
بأية ِ عذوبة ٍ سأصف ُ عذوبتك َ

وبأية ِ أنهار ٍ سأطفئ ُ محبتك َ الحارقة َ
لو كانت ْ لي سلطة ُ الهواء ْ
لجعلتَه ُ يقف ُ حارسا ً على بوابة ِ مهجع ِ نومك َ
لو كانت ْ لي سلطة ُ الشمس ِ على الندى
لطلبت ُ منه ُ أن يترك َ الأزهار َ نائمة ً
ويحط َ على بتلات ِ أصابعك َ
كما نحلات ٍ يبحثن َعن الرحيق ْ
وعن عذوبة ِ أغانيك َ
ومذاقها الشبيه ِ بمذاق ِ خبزِ الصباح ْ .
9
=
أريد ُ أن أطمئنك – ياعباس –
يامن كنت َ تخبئ ُ غلة َ قصائدك َ في جيبك َ
وتنشرني على حبال ِ صوتك َ الملوَّن ِ بحمرة ِ الشفق ْ
بأزهار عذوبتك َ
بزبد ِ مياه ِ نهر ِ الفرات ِ في صباه ِ الجميلْ
أريد ُ أن ْ أطمئنك
أنَّ دفاتري تتجول ُ
ولأنك َ أحببتها
تحت ِ ظلال ِ غابات – معلمنا – الكثيفة ِ
حيث ُ سهول ُ كلماته ِ
التي تمنح ُ طلعَ أزهار ِ قصائدنا بهجة َ السفرْ
وعذوبة َغناء ِ الينابيع ْ
فشكرا لك – ياعباس –
شكرا لك
لأنك ..
لم تتركني وحيدا
لم تترك ْ قصائدي يتيمة ً
أنت َ يا ذا الجذور ِ الفائقة ِ النقاء ْ
لم تتركني وحيدا ً
وأنت َ تبحر ُ في سحابة ٍ من أجنحة ِ الطيور ْ
في أنهارٍ ٍ طافحة ٍ بشفق ِ دمك َ..
أيها الشجاع ْ
فالمعلم ُ ..
مازال يجلسني في صدارة ِ
صفه المدرسي
كما لو كنت ُ واحدا ً من تلاميذه ِ المدللين .

10
=
-عباس – ..
شكرا لك َ
لأنك َ لم تتركني وحيدا ً
أنا الذي لم يذرف لأجلك من الدموع
ما يرقى منها لرش عتبات ِ غيابك َ
أنت َ يامن ْ عبرت َ نهر َ موتك َ مغنيا ً
وتركت َ لنا :
الكثير َمن البكاء ْ
الكثير َ من الوحشة ِ
والكثير َ من المطر ْ
وتركت َ لنا صوتك َ الشفقي َّ
الذي يبدد ُ غيوم َ قلوبنا
كما لو كان ريحا ً قادمة ً من قمم ِ الشمال ْ .
………………………………….

” تتكرر في النص كلمة – المعلم – وهي إشارة إلى الاستاذ الناقد العراقي – د . حسين سرمك حسن – الذي وضع كتابا نقديا ً مهما ً عني طبع عام 2012 .. وصدَّره ُ بأهداء ٍ مؤثرٍ أختزلُ منه ُ قوله :
-أخي الحبيب الشهيد عباس ,لأنك َ كنت َ تكتبُ الشعرَ, وكنت َ معجبا ً جدا ً ب – عيسى حسن الياسري –”

شاهد أيضاً

بيروت
عصمت شاهين دوسكي

بيروت يا فراشة بحرية أبحرت يا مرآة الروح بالحب وصفت يا تفاحة في ليلة العرس …

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي.. حوار مع الشاعر اللبناني بسّام حجار

كان يتمدد على سريره في تلك الساحة القريبة من صيدلية ((الأرواح المشتعلة)) ،وهو يدخنُ ،وإلى …

موجزة ومعبرة
ترجمة: بولص آدم

“الاختزال والدقة، من أهم خصائص النثر.” ألكسندر بوشكين صدفة عمياء ستانيسلاف جيرزي ليك خلال الحرب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *