ناطق خلوصي: حضارة وادي الرافدين:الدين الرافديني كان بالضرورة يؤمن بتعدد الأديان

دأب المترجم الكبير كاظم سعد الدين على انتقاء الكتب والدراسات التي تنطوي مضامينها على قيمة فكرية أو تاريخية أو تراثية ، وتقديمها في تراجم أمينة ودقيقة . فقد ظل على امتداد نصف قرن من الزمن يواصل جهده الترجمي فأغنى المكتبة العراقية والعربية بكتب ودراسات توفر للقارىء زادا ً معرفيا ً غنيا ً، في جهد دؤوب يرفده حرصه ــ في اختياراته ــ على وضع تاريخ بلاده في دائرة الضوء . ويدخل كتاب ” حضارة وادي الرافدين ــ الأسس المادية ” ضمن هذا السياق .
يقع هذا الكتاب ، أوالسِفر الضخم ، في أربعمئة وثمانين صفحة من القطع الكبير ، وقد صدر مؤخرا ً ضمن منشورات الهيئة العامة للآثار والتراث بمراجعة الدكتور اسماعيل حسين حجارة ، ويستهل بثلاث مقدمات كتب الأولى منها الدكتور دوني جورج الرئيس السابق للهيئة العامة للآثار والتراث ، أشار فيها الى ان هذا الكتاب يأتي امتدادا ً نوعيا ً لجهود العالم الراحل طه باقر الذي قدّم حضارة وادي الرافدين بصورة حديثة ومفاهيم جديدة في كتابه ” مقدمة في تاريخ الحضارات ” الصادر في العام 1955 . كما أشار الى ان مؤلف الكتاب ” أعد موسوعة رائعة في كتاب واحد يتناوله القارىء ويلم بجميع الجوانب الحضارية لبلاد الرافدين ” . أما المقدمة الثانية فقد كتبها المترجم واستعرض فيها جوانب من سيرة حياة مؤلف الكتاب واشار الى أنه درس حضارة وادي الرافدين من منظور جديد تماما ً . وجاءت المقدمة الثالثة بعنوان ” تمهيد وشكر ” كتبها المؤلف نفسه وذكر فيها انه حرص على ان يمثل الكتاب تمثيلا ً واقعيا ً حضارة بين النهرين . ومؤلف الكتاب هو الدكتور دانيال دي بوتس الأستاذ في جامعة سدني في استراليا . ويقع متن الكتاب وحده في أربعمئة واثنتين وعشرين صفحة تتوزع على اربعة عشر فصلا ً تتناول بإسهاب تفاصيل الأسس المادية التي ترتكز عليها حضارة وادي الرافدين . وقد ألحق المؤلف بمتن الكتاب ببلوغرافيا المصادر وتشمل أسماء مئات المصادر التي رجع اليها عند تأليفه الكتاب . ان هذا العدد الكبير من المصادريشي بسعة المام المؤلف وحرصه على أن يأتي كتابه وافيا ً ، شاملا ً ، يليق بالموضوع الذي يتعرض له ، كما يشي بحجم الإهتمام الذي يحظى به تاريخ العراق القديم وحضارة وادي الرافدين من لدن المؤرخين وعلماء الآثار ودارسي الحضارات الانسانية في مختلف بلدان العالم .
يتناول القضل الأول من الكتاب بلاد وادي الرافدين جغرافيا ً وبيئيا ً، ويذكر خصائص المناخ قديما ً وحديثا ً ، ويتحدث عن نهري دجلة والفرات وخصائص كل منهما وينتهي الى القول بأن ” بلاد وادي الرافدين صنعها دجلة والفرات ، ولولا الغرين والأملاح التي جلباها جنوبا ًورسّباها كل عام لما وجدت ” (ص 73 ) .أما الفصل الثاني فيتحدث عن سكان جنوبي يلاد الرافدين الأصليين ودورهم في تأسيس حضارة البلاد . وهو يركـّز على السومريين ويتوقف عندهم طويلا ً مشيرا ً الى انهم لم يكونوا معروفين تماما ً في الغرب قبل عمليات الاستكشاف التي بدأت في 1877. ويذكر ان اللغة السومرية واللهجات السامية للغة الأكدية هي من عائلات لغوية مختلفة مما يثير الشكوك حول طبيعة العلاقة بين السومريين والأكديين . لقد تم العثور على تماثيل ومنحوتات بارزة سومرية مما يدل على التواصل بين سكان الجنوب بين عصر فجر السلالات وعصر جمدة نصر . ثم يأتي الفصل الذي يحمل عنوان ” الزراعة والغذاء ” الذي يستعرض المناهج الرئيسية لفهم غذاء بلاد الرافدين القديمة ، ويتوقف عند أصناف الشعير والقمح والبقوليات والخضروات ، مما يدل على الجذر التاريخي لهذه المحاصيل الزراعية وامتداده الى عصر السومريين . ان المؤلف يبدي اهتماما ً استثنائيا ً وتفصيليا ً بالمنتجات الزراعية : أنواعها وأماكن زراعتها ومواسمها، وقد يبدو هذا الاهتمام غريبا ً بالنسبة لباحث في الآثار وتاريخ الحضارات ، فهو يقدم مسحا ً لكل ما كان يزرع في العراق القديم . ويلي هذا الفصل فصل يحمل عنوان ” مصادر طبيعية لا تؤكل ” وهو عنوان قد يبدو غريبا ً ، ويقصد المؤلف هنا المنتجات التي تدخل في الصناعة : نباتية أو حيوانية أو معدنية مثل الكتان والصوف والجلود والعظام والطين والقار وغير ذلك . إن هوس المؤلف بالتوثيق دفعه الى إيراد قوائم بأنواع الأخشاب وأماكن وجودها في المواقع الأثرية .
ولأن النقل المائي كان واسطة النقل الرئيسة في العراق القديم ، فإن المؤلف توقف عنده في فصل يحمل عنوان ” الزوارق والسفن ” استعرض فيه طرق صناعتها والمواد المستخدمة فيها ، وهي مواد أولية محلية في الغالب وفي مقدمتها القصب والخشب وليف النخل الذي استخدم في صنع الحبال. كما تناول أنواع السفن والزوارق واستخدامات كل نوع منها ، وأشار الى تغبّر ما أطلق عليه تسمية ( التقنية التراثية )في صناعتها وهو تغيّر ناشىء عن التأثير الأوربي في مراحل متقدمة .
لقد كانت صناعة الفخار واحدة من أبرز ما تميزت به حضارة وادي الرافدين . والفخار من الأعمال الفنية ذات الاستخدام المزدوج . فالأواني الفخارية تستخدم لأغراض تزيينية مثلما تستخدم كأدوات منزلية . إن الطبيعة توفر المواد الأولية لهذه الصناعة كالطين والأكاسيد ومواد التزجيج ، لكن هذه المواد الأولية تظل عديمة الفائدة ما لم يتوفر لها العقل المبتكر واليد الماهرة التي تستطيع تطويع الطين ، وهذا ما تحقق على أيدي المبدعين الرافدينيين . لقد كرّس مؤلف الكتاب فصلا ً من فصول كتابه للحديث عن أنواع الفخار فتناول شكل الفخار ووظيفته التي تجعله لصيقا ً بحياة الناس . وفي الفصل ثمة عشرات الرسوم لنماذج من الأواني الفخارية وطرق صنعها .
في الفصل السابع يتحدث المؤلف عند انتاج المعادن واستخدامها في صنع اسلحة برنزية تستخدم في الحرب ، أوتستخدم في صنع ما يوفر التقدم في المعدات الانسانية . ويشير بشكل خاص الى استخلاص النحاس والقصدير اللذين ” عززا مواقع رؤساء الحرب والأرستقراطيات الغازية ” . انه يتوقف عند النحاس فيذكر مصادر الحصول عليه في المناطق الحدودية بشكل خاص ، ثم يعرّج على القصدير فيشير الى اكتشاف استخدام أربعة أنواع من البرنز القصديري في عصر فجر السلالات الأولى ، كما انه يشير الى ان القصدير كان يتم استيرلده . ولا ينسى المؤلف التوقف عند معادن الفضة والرصاص والحديد والذهب ، في سرد تفصيلي أحيانا ً . ويخلص الى القول الى أن جنوبي بلاد الرافدين ” كان خلال تاريخه الطويل يتميز بتقلبات مهمة في التعامل في حقل المعادن . وان المدة التاريخية للنصوص الاقتصادية تزودنا بوجهة نظر لا مثيل لها عن هذه التقلبات ” ( ص 269 ) .
وتم تكريس فصل لبعض الارنباطات المادية في الحياة الدينية ، يستعرض ديانة بلاد الرافدين . ويشير المؤلف الى صعوبة دراسة الدين والمعتقدات هناك . ان الدين الرافديني ” كان بالضرورة دينا ً يؤمن بتعدد الآلهة ما دام الخارق للطبيعة حلوليا ً في جميع الظواهر الطبيعية ” ( ص 274 ) ، وتتميز الآلهة عن البشر في كونها تمتلك خصائص الهية لا يمتلكها البشر . ويناقش هذا الفصل مسألة الخلق وظهور الآلهة وكيف ان الرافدينيين كانوا يحرصون على تماثيل آلهتهم ويخزنونها في أماكن آمنة عند تعرضهم لغزو خارجي . ولا يفوت المؤلف التوقف في فصل خاص عند مسائل التنظيم الاجتماعي البشري حيث كان هناك نوعان من البيوت : بيوت عامة ، وهي مخصصة لخدمة الملك ( وتندرج المعابد ضمنها ) ، وبيوت خاصة تعود الى مالكي الأرض ، أي ان الفرز الاجتماعي أو الطبقي كان قائما ً منذ ذلك الزمن . وكانت العائلة صغيرة تتكون من الوالدين والأولاد غير المتزوجين . ويتوقف المؤلف عند الأعراف والتقاليد التي كانت سائدة في المجتمع الرافديني مع الإشارة الى صلة النسب أو القرابة ويرى ان على العلماء وهم يقومون بدراسة هذا الموضوع ” أن يكون لهم فهم جوهري لنظرية القرابة وفحص البنية الاجتماعية في بلاد الرافدين كما يفعل أي عالم انثروبولوجي لأي مجتمع تحت الدراسة ” ( ص 318 ) . وضمن سياق الطقوس والتقاليد التي ترتبط بالدين ، وفي فصل يحمل عنوان ” ممارسات دفن الموتى ” ، يتم تناول مسألة الموت والخلود حيث يتم التأكيد على ان الموت مخصص لكل البشر ، أما الخلود فهو مخصص للآلهة فقط حيث كان هناك فارق بين البشر والآلهة حتى في الموت .ويتم النظر الى مسائل الموت والدفن من وجهة نظر فلسفية فقد كان القبر يمثـّل أكثر من كونه مدخلا ً الى العالم السفلي وفق هذا المنظور .
وينتقل الكتاب الى السمات الوظيفية للكتابة والأختام فيؤكد على أن بلاد الرافدين تشتهر بإثنين من الإبداعات هما الكتابة والختم الاسطواني . ويشير الى أن أقدم وثائق مكتوبة في تاريخ البشرية ، ظهرت في الوركاء ( نحو 3400 ــ 3100 ق.م . ) وان الكتابة “اسرعت بالعملية الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية ” ( ص 342 ) . أما الأختام الاسطوانية فقد كانت تزين بنقوش أو رسوم أو خطوط معينة وتستخدم في ختم العقود وهو ما ظل شائعا ً حتى الآن بعد التحول الذي حصل في آليات صنع الأختام وطبيعة المواد التي تصنع منها . ويشير المؤلف الى الطرق المختلفة التي كانت الأختام تستخدم فيها . لقد كان ” الختم بحد ذاته دائما ً ، مهما كان شكله ، علامة على الثقة وصحة المستند والمشاركة من الفرد أوالمؤسسة . وقد كان الأداة الأولية القانونية للنظام القانوني في بلاد الرافدين طوال آلاف السنين ” ( ص 363 ) .
وفي فصلين متتاليين يحمل أحدهما عنوان ” الشرق يلتقي الغرب ” والآخر ” الغرب يلتقي الشرق ” يتم تناول العلاقات التي كانت قائمة بين بلاد ما بين النهرين والبلدان الأخري والتي تقوم في جزء منها على نقل وتبادل السلع الزراعية والحيوانية والمعدنية من أو الى بلاد الرافدين ، وكانت الأختام الاسطوانية والرسوم التي عليها دليلا ً على ذلك . ويؤكد الكتاب على انتقال حيوانات غريبة الى بلاد الرافدين لم تكن موجودة فيها أصلا . ً وفي الفصل الذي يحمل عنوان ” الغرب يلتقي الشرق ” يشير المؤلف الى أنه يعني الأغريق بالغرب . ويتناول هذا الفصل سبل الاتصال بين عالم الأغريق وجنوبي بلاد الرافدين ، كان أحدها يتمثل ، في الفتوحات التي قام بها ملوك وادي الرافدين . فقد مدّ ” ملوك الدولة الآشورية الحديثة فتوحاتهم غربا ً حتى قبرص ” ( ص 395 ) .
ويُختتم الكتاب بفصل يحمل عنوان ” بعض الانعكاسات ” يقدّم ” بعض التأملات عن وضع الدراسات المتعلقة ببلاد الرافدين مع قليل من الأفكار عن سير الدراسة العلمية في المستقبل ” ( ص 430 ) . ويدافع المؤلف في هذا الفصل عن انتقائية المنهج الذي اعتمده ويؤكد على أهمية فكرة المركز والمحيط في الدراسات العلمية لبلاد الرافدين .
إن المؤلف لم يترك شاردة أو واردة في تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمكانية ، دون أن يتوقف عندها أو يمر بها ، لأنه يدرك ان هذه التفاصيل إنما تمثل تجليات الأسس المادية لحضارة وادي الرافدين . لقد حفل الكتاب بعدد كبير من الصور والرسوم التوضيحية والتخطيطات والخرائط والجداول مما يزيد من قيمته المعرفية . إنه كتاب جدير بالقراءة حقا ً !

شاهد أيضاً

كتاب المناضل الوطني أحمد جربوني عن عبد الناصر يحيي الحلم العربي
الكتاب: الرئيس جمال عبد الناصر – القائد المعلم والزعيم الإنسان
نبيل عودة

المؤلف: أحمد صالح جربوني (عرابة البطوف) إصدار خاص- 266 صفحة من الحجم المتوسط اسم أحمد …

شكيب كاظم: جمال عبد الناصر.. من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة

استعرت عنوان مقالي هذا، من عنوان كتاب كتبه الصحفي الفرنسي ( جاك دومال) والصحفية الفرنسية …

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *