فخري أمين : مرقد السيد فياغرا حكاية المعتوه آسو مع زوجة نقيب التجار

مرقد السيد فياغرا
حكاية المعتوه آسو مع زوجة نقيب التجار

بمثل بداهة طلوع النهار وسقوط المطر ظهر في السوق. كان يبدو بجرمه الكبير، وجلبابه المتسخ، ولسانه المتلجلج، وخلقته الغريبة كأنه صنف من جن، أو كائن غير أرضي. لا أحد يعرف شيئا عن أصله وفصله ومن أين جاء، وهو نفسه لا يذكر شيئا عن ذلك وربما لا يتذكر. وأرجح الروايات تفيد بأن موجة هائلة من مياه النهر اقتلعته ذات فيضان عنيف من أرضه في واحدة قرى الشمال النائية، ووصل الموصل منحدرا مع المياه الثلجية، متشبثا بجذع شجرة يابس. ظل يدور في أسواق المدينة وشوارعها وأزقتها لأيام قبل أن يطيب له المقام في قيصرية البزازين. كانت قيصرية هادئة ومرتبة ونظيفة، دافئة في الشتاء، باردة في الصيف، والأهم أنه وجد فيها أكثر من أي مكان آخر، من يهتم به، يطعمه، ويتحدث إليه. كان ينطق الكلمات بطريقة غريبة، كانت الحروف تنسحق تحت ثقل لسانه، فتبدو مبهمة، أقرب إلى الهمهمة الحيوانية، منها إلى أية لغة متداولة في المدينة، فلا هي عربية ولا تركمانية ولا كردية ولا سريانية، لكن العجيب أنه كان يفهم ما يقال له. لا احد يعرف له اسما، كان بلسانه الأبكم يقول أنا آسو، ربما كان ياسين اسمه أو شيء من هذا القبيل. كان ينام في غرفة المساكين في جامع عبد آل، ومنذ الصباح الباكر، ينزل إلى النهر، يغتسل بمياهه الباردة، ويملأ في الصيف وعاء ضخما يرش به أرضية القيصرية الرملية، لكي تظل محتفظة ببرودتها، ويجلس على دكة صغيرة بالقرب من دكان الحاج عبد الفتاح باشي شيخ الصنف ونقيب التجار. كان يساعد كل واحد من تجار القيصرية في تفتيح دكانه وإخراج وعرض أنواع وأطوال الأقمشة. وعند وصول بضاعة جديدة، كان ئاسو الذي وهبه الله قوة بغل، يتولى وحده نقلها إلى المخازن، في الخانات القريبة. مرة ضايقه أحد الحمالين على حمولة كبيرة، فقام وسط دهشة التجار وضحك وتصفيق المارين في السوق بحمل كديش ذلك الحمال على كتفيه وهو يرفس ورماه خارجا، على حافة النهر. عندما ينتهي من جميع الأعمال التي يطلبها منه التجار، يعود آسو إلى دكته منتظرا مثل صبي ما يطلبه منه الحاج عبد الفتاح. كان شيخ الصنف يتولى العناية به، ويوفر له كل ما يحتاجه، ويأتمنه على المحل في حال غيابه، وقبل أذان الظهر بقليل، كان آسو معتادا على الذهاب إلى بيت الحاج عبد الفتاح لجلب الغداء. ذات خميس أخذه نقيب التجار إلى حمام السوق، كان الوقت شتاء، وقد تراكمت على جسم آسو بسبب عدم الاستحمام بالماء الحار والصابون طبقات من الأوساخ والدهون لها رائحة زناخة منفرة، وهناك اكتشف الشيخ أن لآسو عضوا ضخما أشبه بعضو حمار، كان يتدلى بين ساقيه كأنه ساق ثالثة. وحين عاد إلى البيت لم يستطع كتمان السر عن زوجته الحاجة صفية، حدثها عن الحمام وعن ذكر آسو المتضخم (والعياذ بالله) ربما نتيجة مرض ما (اللهم عافنا واعفو عنا). ظلت هذه الحكاية عالقة ومستيقظة في ذهن الزوجة، وحين جاء آسو لأخذ الغداء، وجدت نفسها مسوقة بجاذبية مغناطيسية للنظر الآثم في منطقة ما بين ساقيه، كان أثرا لعضوه الضخم لم تنتبه إليه من قبل، باديا من تحت جلبابه الشتوي الثقيل. احتاجت إلى إرادة من حديد كي تكبح يدها من أن تمتد إليه، لكنه ظل يشغل حيزا من فكرها طوال الوقت. في اليوم الثاني استعانت بكل الملائكة والصالحين، وصلواتها، وحجتها إلى بيت الله، للتغلب على غواية نفسها الموسوسة بالفحش. في اليوم الثالث لم تعد قادرة على مقاومة إبليسها، وحين حضر طلبت منه الدخول إلى الحوش الحرام، قالت له الغداء لم يجهز بعد. قادته من يده إلى غرفة البنات المتروكة، ومررت يدها ببطء على عضوه كان مرنا نابضا مثل عضلة. ثم رفعت الجلباب الثقيل وأخذت تداعبه من خلف السروال بأصابع ملهوفة وساخنة. كان المعتوه مستسلما تماما للذة غامضة، تركها تفعل به ما تشاء، لكن عضوه بدأ فجأة بالتوتر، أخذ ينتفض ويرفع رأسه شيئا فشيئا إلى أن انتصب. نزعت السروال عنه، كان أجمل وأروع من الصورة التي وصفه به زوجها بألف مرة. لمسته بيد مرتعشة، وشعرت بدفئه الحيواني ورائحته الذكورية. في تلك اللحظة حضر الشيطان، نزعت سروالها بسرعة، وقادت المعتوه إلى أقرب فراش، وأمسكت بعضوه وأخذت تحرك رأسه بين شفرتي فرجها وتدخله فيه بحذر. بدا لها رأسه وهو ينبض في يدها أشبه برأس أرنب كبير مذعور. ولما شعر المعتوه بسخونة ولزوجة عضوها الملتهب دفع به إلى الداخل، وصرخت هي متوجعة آآآآآآآآه. لم تشعر بمثل هذا الألم اللذيذ حتى في ليلة دخلتها، كان الحاج فتاح وقتها في الأربعين من العمر، هادئا ناعما مهذبا عاملها برقة متمهلا، رغم صرخات الأهل وهم يستعجلوه فظها لرؤية الدم بوصفه شهادة على بكارتها وبرهانا على رجولته. كان المعتوه أشبه بإعصار مكبوح، نام فوقها وبدأ يهزج بجسده بسرعة، ويضغط على عضوها بصورة إيقاعية، ويضمها إلى صدره بقوته البغلية حتى ليكاد يسحق عظامها المهشوشة، لكنها كانت تحته تموت من اللذة لعدة مرات. وفجأة خمد أوار اللهب فيه، أطلق زفرة عالية، أعقبتها تنهيدة طويلة، سحب بعدها عضوه من فرجها ونهض ببطء. كان منظر عضوه وهو يترنح بين ساقيه نصف منتصب والسائل المنوي الغزير يتسايل من حوله مهولا. لم تصدق أن كل هذه الذراع كانت داخلة فيها. كان آسو ما يزال واقفا وشيء يشبه ابتسامة بلهاء تعلو قسمات وجهه البليد، متمتما أو مدمدما بكلمات غير مفهومة. شعرت بغريزتها من طريقته في النظر إليها أنه يرغب بالمزيد، لكنها أمرته أن يخف في لبس سرواله، وأمسكته مواعين الغداء، وطلبت منه الإسراع في الطريق، وأوصته ألا يخبر الحاج بما جرى. في اليوم التالي لم يستطع آسو الانتظار حتى يحين الوقت، قال للحاج وهو يشير إلى بطنه أنه جائع، ضحك الحاج بطيبة قلب، وقال له رح هات الغداء. في الطريق كان آسو يشم رائحة جسد الحاجة، وعضوه ينتصب رافعا جلبابه الثقيل مثل عامود خيمة. كان منظره وهو يسرع في خطوه وأيره الهائل مندفعا أمامه مثيرا للضحك. حرض بعض الأشرار الأطفال على التحرش به والسخرية منه، لكنه لم يلتفت إليهم، كان مسرعا في طريقه إلى بيت الحاج، ولا شيء يمكن أن يوقفه أو يعطله. سمعت الحاجة صفية طرقات على الباب، ظنتها إحدى جاراتها، وتفاجأت به. كان يبتسم لها ببلاهة، ولم ينتظر الإذن منها. دخل البيت على الفور، وذهب رأسا إلى الغرفة. كانت الحاجة متضايقة من تصرفه، فكرت “هذا المفجوع راح يفضحني”. حين وصلت الغرفة، كان آسو قد نزع سرواله، وأيره كان منتصبا إلى حد الانتعاظ الكامل نسيت ضيقها. لاحظت هذه المرة التواء بسيطا فيه قرب الرأس، بدا رأس أيره وهو يرتفع بحركة نبضية مع دقات قلبه المتسارعة أشبه برأس صقر جائع يتلفت باحثا عن قنيصة. كان جميلا وجارحا وغويا على نحو لا يقاوم، ومدت يدها إليه تداعبه: “سبحانك ربي لا أتدخل بحكمتك، لكني لا أفهم كيف أعطيت هذا العضو الرائع لهذا المعتوه، آآآه لو أنك رزقت زوجي نصفه، بدل الأموال السخية التي أغدقتها عليه، ولم نحصل منها على شيء غير حسد الناس ووجع الرأس”. بعد أيام طلبت الحاجة صفية من زوجها أن يرسل آسو مبكرا. قالت له الطحين عندنا قرب يخلص، وحتوت الطحان لم يأت منذ أكثر من أسبوعين، يقال أنه مشغول بمرض حمارته غزالة. ويحكون أنه جالس قبالتها يبكي، يطعمها بيده ويسقيها، ويغطيها بجاجيمه (شبيه محلي لبطانية هذا الزمان) خوفا عليها من البرد وينام قربها. المجنون يغدق على البهيمة حنانا لا يليق إلا بالمعشوقات. وأن أولاد المحلة اعتادوا الوقوف على باب بيته، وهم ينشدون: حتوت ماتت غزالة/ حتوت خذ لك بدالة (واحدة أخرى غيرها). فيخرج إليهم بعصاه سابا لاعنا بصوته الأخن، بسبب صغر خشمه المثير للسخرية وهم يضحكون. كان خشمه صغيرا جدا بكيفية يبدو معها كأنه ألصق بوجهه خطأ، وكان معدا أصلا ربما لوجه قرد. وكان أولاد المحلة اعتادوا تقليد صوته وهو يدفع حمارته العجوز حاثا إياها على السير: ديع ديع يولي ديع. وكانوا أحيانا يسيرون معه إلى ماكينة الجرش. ورغم أنه كان يحمل بيده عصا على الدوام، بيد أنه لم يضرب بها أتونه أبدا. ضحى اليوم التالي كان آسو يوسع الخطى في الطريق إلى بيت الحاجة وهو غير مصدق. وكانت الحاجة تستعجل ترتيب الغرفة. ضبطت نفسها هذه المرة وهي تفكر به وتتحضر للقائه كأنها تنتظر فارس أحلامها. كانت حتى اللحظة تصور ما يفعله آسو معها أمرا لا قيمة له، شيء يشبه نباح كلب من كلاب تحت الدار عليها (محلة شعبية)، يمكنها أن تنساه بمجرد أن تعبره وتصل محل أوسي البقال. ولعنت كثيرا نفسها الأمارة بالسوء، لكنها في نفس تلك اللحظة سمعت طرقات على الباب. نظرت من فتحة الرتاج، كان آسو واقفا بالقرب منه، وأيره رافعا جلبابه بكيفية لا تخطئها عين. أسرعت بفتح الباب وهي تتمتم بخوف خشية الفضيحة. كانت حين تنظر في وجهه الدميم والمقلوب تشعر بنوع من الاشمئزاز. كان وجهه خليطا غير متجانس من المغولي والقرداني. لكنها حين تنزل عينيها إلى تحت لا تستطيع مسك نفسها من الذوبان، كان شيطانه جميلا وغويا ولذيذا حتى في المداعبة باليد. كان ملمسه الناعم وهو ينبض ساخنا في يدها مالئا وممتلئا يذكرها بفوفو، هارون مراهقتها الضخم والأشقر الذي قتله أحد مطيرجيي المحلة، وظلت لأكثر من أسبوع تبكيه وترثيه. كان حين يراها يطلق هريرا غريبا، ويرتمي في حضنها، يغمض عينيه إلى النصف، ويصدر صوتا خافتا يشبه الغطيط، مستسلما للذة مداعباتها. وكانت المرحومة أمها تقول لها محذرة أتركيه مفجوعة لئلا ينقلب إلى رجل. لم تخبر أمها أن ذلك الهارون كان يحرك فيها رغبات ومشاعر وأحلام غامضة، وأنها كانت تغمض عينيها وتتخيله رجلا جميلا، أو تتمنى أن تكون واحدة من القطط اللائي يطاردهن في زمهرير ليالي شباط. حمل آسو شوال الحنطة وركض به إلى الجراش، وعاد به مطحونا مع أذان الظهر. كانت الحاجة قد أعدت مواعين الغداء ولفتها بفوطة نظيفة لكي يحتفظ الطعام بسخونته. وقبل أن ينفض الطحين عن جلبابه أشار إلى الغرفة. حاولت أن تفهمه أن الطعام سيبرد، ويكفيه أنه عملها لما جاء، لم يكن ئاسو قادرا على سماع أي صوت غير صوت قضيبه المتصلب. ولم تعرف كم من الوقت مضى عليهما هذه المرة، كانت مستسلمة بالكامل لطاقته الفحولية المتدفقة، وهي تتقلب على سطح ساخن من اللذات. لكنها اضطرت في النهاية إلى صب الطعام من جديد.
أكثر ما لفت نظر الحاج عبد الفتاح، هو التبدل الذي طرأ على سلوك آسو، كان يجلس في مكانه على الدكة بعد القيام بكل واجباته اليومية، وتأخذه الصفنات وحين يطلب الحاج منه القيام بعمل ما، كان يجفل ويتلفت حوله كالمستيقظ من نومة عميقة. والمثير بعد ذلك هو عضوه، كان ينهض من مكانه وعضوه نصف منتصب بكيفية لا يقوى الجلباب على سترها. وتبدأ على الأثر تعليقات التجار الساخرة، وضحكهم. وكان الحاج نفسه يشارك التجار في التعليق والضحك، ويقول له سنزوجك غزالة حمارة حتوت الطحان لما تتعافى من مرضها، وحدها ربما تستطيع شيل هذا الأير. ويأتي بعد ذلك استعجال آسو الذهاب لجلب الغداء، ثم الفرحة التي يلاحظها عليه وهو ينطلق باتجاه البيت. عزاها في البداية إلى إحساس آسو المبكر بالجوع، رغم أنه يعلم أن أتا أبو الباجة يثرد له لوجه الله صباح كل يوم ماعون باجة مع دمدومة كبيرة. وذات ظهيرة لعب الفار في عب الحاج، وهو يرى النشاط والسرعة اللافتة التي انطلق بها المعتوه إلى البيت، ومنظر أيره المفضوح. وفكر ربما لليقظة الجنسية المفاجئة لآسو علاقة بالحاجة زوجته، ثم استعاذ بالله من هذه الوساوس ولعن شيطانه، كيف يمكنه أن يسيء الظن برفيقة عمره. قرابة أربعين عاما من الحياة الزوجية، وهي التقية النقية الزائرة لبيت الله، وأم بناته الثلاث، وجدة لأحد عشر حفيدا وحفيدة. لام نفسه بلا رحمة، لكن السؤال الشيطاني اللعين ظل يلاحقه ويلح عليه. وقرر في النهاية قطع الشك باليقين. في اليوم التالي، لحق آسو بعد ربع ساعة إلى البيت. دفع الباب برفق وتسلل بهدوء، لم يكن آسو موجودا في الحوش البراني، المكان المعتاد له. خطا بحذر نحو الحوش الحرام، وسمع نهيجا عاليا وأنينا خافتا يتسربان من تحت باب غرفة البنات. لم يجرؤ على النظر من فتحة المفتاح، خشي أن يفقد أعصابه فيرتكب جريمة شرف، وتحدث أثرها فضيحة تظل حديث المدينة لسنين طوال، وتؤثر على مركزه في السوق، وسمعة بناته وأحفاده. غادر البيت بسرعة. كان يجلد نفسه بقسوة وهو يمشي متعثر الخطى مرددا: ليس الذنب ذنب هذا الحيوان آسو، ولا ذنب قليلة العقل صافو، الذنب ذنبي أنا الحمار الذي حدثها عنه، وأعطاها أوصافه. عصر ذلك اليوم اشترى بيتا كبيرا وجميلا في محلة الميدان، تطل غرفه وشرفاته على النهر الذي يجري من تحت فنائه تماما. وفي نفس المساء، بهتت الحاجة لما رأت زوجها يدخل البيت رفقة عصبة من الحمالين الأشداء، وكدشهم تنتظر قرب الباب. كان بركانا من الغضب يغلي في داخله، ويتطاير منه شررا مخيفا يقدح في عيونه، وهو يأمرها بالاحتجاب ريثما يتم تحميل الأثاث. لم تجد في نفسها القدرة والشجاعة حتى على الاستفسار، كانت تخشى أن ينفجر البركان ويدمر كل شيء. كانت بحاجة إلى ابتكار سبب واختلاق حكاية تفسر ما يحدث. مرقت خفية وبسرعة إلى بيت الحاجة سعاد أقرب جاراتها، لتخبرها بسر خطير: “إن عائلة كبيرة من الجن سكنت معنا في البيت، وهم يصنعون المقالب بنا كل يوم، ويزعجون راحتنا بحركاتهم وضجيجهم وأشباحهم المخيفة، وخشي الحاج أن يؤذوننا فاستأجر لنا بيتا في محلة الباغولجية”. في تلك الليلة كانت الحاجة صفية على ضوء فانوس ترتب غرفة النوم في البيت الجديد، وتعلق لمبة زجاجية أنيقة وصافية النور في صدر الغرفة، منتظرة قدوم الحاج. بدا لها الحاج كأنه قد بلع لسانه، وتوقف عن الكلام العذب الذي تعودت على سماعه يجري من فمه مجرى العسل. لم ينبس معها بكلمة لتوضيح ما يدور، ولم يأتها في تلك الليلة، نام في الغرفة المجاورة. لم يعد ثمة حاجة لأي تعليق إضافي كان الشرر الذي ينطلق من عيونه حين تلتقي نظراتهما كافيا لتوضيح كل شيء. وحين استيقظت في الصباح الباكر لم تجده في البيت. لم تعد طعاما للغداء ذلك اليوم كانت متيقنة أن أحدا لا يأتي، وأن طريقة الانتقال إلى هذا البيت كانت تهدف إلى تغييب الأثر. لم يسمح لها حتى بتوديع الجيران، وهي نفسها لا تعرف أين هي. ولا حتى بناتها يعرفون. كان باب ذلك البيت يتصدر زقاقا صغيرا مغلقا غير مسكون، بينما ينفتح فناؤه من الخلف على النهر. وما وراء النهر من مروج فسيحة خضراء تمتد إلى الأفق، ومن على سطح البيت تستطيع رؤية منارة النبي يونس، هناك فوق جبل التوبة، مشرئبة في توق لا ينتهي إلى السماء. كانت تصعد كل يوم إلى السطح، وتتجه بدعائها الصامت نحو مقام النبي يونس. وتظل هناك لوقت طويل تصلي وتبكي وتتعبد وتتنهد. معترفة بخطيئتها أمام الله، سائلة إياه وهو الخالق والعارف بما تهمس فيه الأنفس وما تخفي الصدور أن يغفر لها نزوتها العابرة وزلتها المجنونة وضعفها البشري، وهي امرأة خاطئة، سليلة حواء الخاطئة. كان الحاج حين يغادر البيت في الفجر يجدها في غرفتها تقرأ في القرآن أو تصلي، وحين يعود وقت العشاء كان يراها كذلك. وفي الليل حين توقظه حاجة ما، غالبا ما كان يلاحظ أنها مستيقظة تتضرع وتبكي وتصلي. استمر الحال على هذا المنوال طوال الشتاء، لم تكن تسأله أو تطلب منه شيئا، كانت تقتات على الماء والخبز، وغالبا ما كانت تمر أيام وهي لا تتذكر الأكل. بدأ يلاحظ عليها الإنهاك والنحول والضعف والشحوب. كان يراها تفقد يوما بعد يوم الكثير من وزنها وصحتها وطاقتها، وينقلب شحوبها شيئا فشيئا إلى ذبول واصفرار. وفي عدة مرات كان يلاحظ هالة بيضاء تحيط بوجهها، ويشعر إزاءها بضرب غامض من الخوف، لم يكن متأكدا هل كان خوفا منها، أم إشفاقا عليها..؟ كان يستغرب أنها لا تبدي أي رد فعل حين يتعمد المرور بالقرب منها، أو يتنحنح بصوت مرتفع. لا تطرف لها عين، ولا تتحرك في رأسها شعرة. كانت تبدو كأنها لا تراه، كأنها لا تسمعه، كأنها ليست معه في هذا العالم. كان يأتي بالفاكهة فيراها بعد أسبوع كما هي وقد أصابها العفن أو تأكلها الطيور. ويأتي باللحم فتتكالب عليه القطط، وهي لا تذوقه. وصار يخشى بشكل جدي أن يجدها ذات صباح أو مساء في غرفتها ميتة. كان قد أدرك أنه تجاوز الحد في انتقامه، غير أن ما كان يعذبه أنه لم يجد فرصة أو طريقة ليفرغ غضبه فيها، أو أنه لم يجرأ على ذلك. فقرر عمل عزيمة لبناتهما وأحفادهما، بمناسبة البيت الجديد. لم تكن التقاليد الصارمة في المدينة تسمح للمتزوجات بزيارة أهلهن إلا بالأعياد والمناسبات الاستثنائية. اختار يوم جمعة من أيام الربيع، وقت يفيض النهر، ويتمدد على الضفة المقابلة ويصير بحرا، وتكثر طيور الماء وتستثار، ويختلط بياض أجنحة النوارس بسواد أجنحة غربان الماء، وهي تحلق منخفضة فوق سطح النهر في أسراب متداخلة. كانت هذه الطيور تترك نفسها تنجرف مع الجريان السريع لمياه النهر الغرينية إلى نقطة معينة، وفجأة تجفل.. يرتفع صراخها وتخفق أجنحتها محلقة عكس التيار، لتحط في ذات النقطة التي بدأت منها، في حركة دائرية متكررة، كانت تستدعي في الغالب لدى الحاج فتاح وهو يراقبها التفكير في الحكمة الإلهية التي أودعها الله في هذه الكائنات. أبلغ الحاجة صفية بقراره وهي على سجادة الصلاة. تحدث إليها بصوت مرتفع، كان يخشى أن تكون قد أصيبت بالصمم، لكنها هزت رأسها علامة الاستجابة، ولم تنبس بأية كلمة إضافية. شعر بقلبه وهو يتحدث إليها يرف ويرق ويخفق. كانت موجة حنان مفاجئ تتصاعد من أعماقه، وتحرك فيه أرق وأدق المشاعر. وخشي أن ينهار في اللحظة الأخيرة ويتداعى عليها مقبلا كما كان يفعل أيام زمان، فاكتفى بهزة رأسها وغادر البيت مهزوما على عجل. وفي السوق أبلغ أصهاره بالموعد، ودلهم على البيت الجديد. قال لهم سئمت الإقامة في العوجات والأزقة الضيقة، هذا بيت نفه يطل على النهر. أبدى بناتها إعجابهن بالبيت، لكنهن لاحظن نوعا من البرود غير المعتاد في العلاقة بين أمهم وأبيهم، رغم بذل الحاجة صفية والحاج عبد الفتاح جهدهما في إخفاء مشاعرهما. كما أظهرن قلقهن على صحة أمهم. كان الهزال والشحوب باديين عليها بكيفية لافتة. والغريب أن ذلك الهزال لم يؤثر على إشراق وجهها، إنما زاد ملامحه رقة ودقة وحلاوة. كانت تبدو مثل وردة في أول الذبول. في المساء بعد ذهاب البنات، وخلو البيت من صخب الأحفاد. وخلافا لتوقعات الحاج فتاح، دخلت الحاجة صفية رأسا إلى محرابها من غير أن يندق لسانها بلسانه بكلمة، أو تبادله نظرة واحدة. كان يعتقد أن الجمود بينهما سينكسر ويذوب في هذا المساء الربيعي الجميل. لم يعد يطيق احتمال المزيد من القطيعة والصمت والهجران بينهما رغم أنه كان هو البادئ. ولم يكن يعتقد أن صافو الرقيقة تستطيع الصبر على هذا الوضع. وتتمكن فيما بعد من استخدام نفس السلاح ضده. طرق باب غرفتها لم ترد، دفع الباب ودخل عليها. كانت واقفة على السجادة تتهيأ للصلاة. أراد أن يتحدث أوقفته بإشارة من يدها. كان تتراءى له برقة نحولها وخطوط جسدها الجميل وهي تصلي في صورة السيدة العذراء. وأجج الاحساس بالغيرة شهوته، كانت قساوة التجربة قد حركت فيه حميميات وأشواق قديمة، ظلت طوال سنين حبيسة وقار متصنع، ومظاهر تطهر زائفة اكتشف هشاشتها بعد فوات الأوان. كان يتوق لاحتضان هذا الجسد الآثم من جديد وصار يرغب في مضاجعتها كما كان يفعل ايام زمان. مرة قال له أحد الخبثاء مشككا برجل معروف بشدة زهده وكثرة تقواه وقيامه الليل وصيامه النهار، من يعرف كم من الذنوب يجر وراءه، كم من الخطايا والبلايا والسيئات ارتكب في حياته، تحمله على فعل ذلك. أما نحن فيكفينا أمام الله أداء الفروض. لكن ذلك لا ينطبق البتة على صافو، صافو التي أخذها من بيت أهلها وهي بعد صبية، ورباها على يديه، كانت طوال رفقتهما مثالا للوفاء والنقاء والذكاء، ربما مسألة الخشية تعود في النهاية إلى طبيعة الشخص، ودرجة إحساسه بالذنب. صافو كانت طوال حياتها نوعا من ملاك طاهر لولا تلك الساعة الشيطانية..
– أنا لا ألومك على ما حدث، إنما ألوم نفسي أكثر..
قال لها بمجرد تسليمها، ثم أضاف..
– كنت غبيا حين أخبرتك في تلك الليلة بعد عودتي من الحمام، كانت زلة لسان، أو ربما كانت وسوسة من وسوسات الشيطان..
ولأول مرة منذ شهور التقت نظراتهما على أمر، لم تعلق بكلمة اكتفت بإيماءة تفهم..
– يمكن للرجال نسيان وغفران أي شيء إلا الخيانة.. صافو خيانة المرأة صعبة، وعقوبتها القتل كما تعلمين لولا احتكامي للعقل وحبي لك وخوفي عليك..
شعرت صافو أن هذه اللحظة مؤاتية للخلاص من أشياء تثقل ضميرها. قالت له أعترف أمامك وأمام ربي أنني خنت الأمانة لمرة واحدة فقط. كانت لحظة غواية شيطانية، أنت مهدت لها بحديثك تلك الليلة، وحدثتني نفسي أن أراه، أرى عضو ذلك المعتوه. وحين كشفت عنه لم أستطع مقاومة رغبة طارئة في لمسه.. أوه.. التفاصيل موجعة وحدث بعد ذلك ما حدث. شعرت على الأثر بالندم. الخطيئة دائما ما تولد الندم والألم. لكن الذي جرى بعد ذلك كان الأخطر. في اليوم التالي حضر آسو قبل وقته، بمجرد أن فتحت الباب، سحبني من يدي بقوة إلى الغرفة، كان عضوه منتصبا بطريقة مفضوحة. كانت العملية هذه المرة أشبه بالاغتصاب. وتكررت عمليات الاغتصاب، واخذ الشعور بالندم يخف لدي، بل أنني ضبطت نفسي أكثر من مرة وأنا أنتظره. رغم ذلك أنا لم أخنك لحظة واحدة في قلبي. لم يكن آسو بالنسبة لي رجلا. كان نوعا من حيوان بشع، لا يمكنه مداناة مكانك عندي. لكنه الجسد يا حاج، الجسد هو الذي خاننا معا. ولهذا أنا أعاقب جسدي، أحسه ثقيلا جدا ومعتما وفاسدا ومشبعا بالرغبات الكريهة. وأنا أود أن أطير في النور، أن أحلق مع الملائكة. بوسعك أن تحررني من هذا الجسد. قم الآن واقتلني وارمي بجثتي في النهر. خلص روحي من آثام هذا الجسد اللعين. وانخرطت صافو في موجة من البكاء العنيف. ومن بين دموعها قالت له، لقد زاد حبك في قلبي حبا، وكان تصرفك حكيما، حين نقلتني إلى هذا البيت المبارك، وخلصتني من ورطتي مع هذا المجنون. ولكن قل لي كيف عرفت..؟ خجل أن يقول لها الحقيقة، أن يعترف أنه تجسس عليهما، وكان ينصت إلى تأوهاتها وأناتها ولهاثه من وراء الباب. قال أدركت كل شيء من التبدل الذي طرأ على تصرفات ئاسو، وكان علي التصرف بسرعة قبل أن يفشي الخبر ويصير فضيحة، فاشتريت هذا البيت. قالت له نعم البيت والله يا حاج، لكن لدي عندك رجاء واحد، لقد عشت لك أكثر من نصف قرن، دعني أنذر ما تبقى لي من أيام في هذه الدنيا الفانية لله، ولا تثقل علي بعد الآن بمطالبك، شكرا لقلبك لأنه اتسع لغفران زلتي، وأتمنى أن تتسع لذلك رحمة ربي، ولكنني لن أغفر لنفسي أبدا.
كانت الحاجة صفية في تعطشها للنقاء ورفضها للجسد، وسعيها لتجريد نفسها منه وتجريمه، تحاول قتل نفسها بالتجويع حتى الموت. وبين نساء المدينة ذاع خبر زهدها وتعبدها وهالة النور التي تحيط بوجهها، وكرامات أسطورية كثيرة نسبت إليها. قيل أنها تعرف الغيب وتشفي المرضى، وتفك السحر، وهي قادرة على إنزال المطر إذا شاءت. وقيل أنها أمرت النهر مرة بالتوقف فتجمد في مكانه لشهر كامل. لكنها لا تفعل إلا ما تؤمر به، ويأذن لها الله بف.له، وزعم بعض النسوة أنهن رأينها في الفيضان الأخير تمشي فوق المياه المزبدة والغاضبة وتأمر النهر بالهدوء، وأنها أنقذت المدينة من غرق محتوم. ربما كان ذلك كله محض أوهام، لكنها كانت صادقة على الأقل في نبوءة واحدة، حين طلبت من زوجها أن يهييء لها مدفنا في فناء البيت، أو بجواره على حافة النهر. كانت قلما تتبادل الحديث مع احد حتى مع الحاج عبد الفتاح نفسه، لكنها نادته في ذلك الصباح من أول الصيف وقالت له أنا مغادرة الدنيا في الخريف المقبل، أما أنت يا زوجي المسكين فستعمر بعدي طويلا، وتبقى في هذه المدينة وحيدا وغريبا ومستوحشا، ولن يكون لك فيها قبر، ولا طين يغطيك ولا ماء. أخبرته أنها طوال إقامتها في هذا البيت كانت تعيش رفقة ملائكة طيبين، هم سكان هذا المكان، وهي لم يعد في وسعها مفارقتهم، واختارت البقاء إلى جانبهم إلى يوم الدين. في ذلك الخريف انحسرت مياه النهر بطريقة غير مألوفة، وبرزت بقعة مرتفعة من اليابسة تحت جدار البيت تماما. قام الحاج على الفور ببناء ما يشبه غرفة صغيرة مرتفعة قليلا عن الماء عليها وردمها أرضيتها بالتراب. ظن العمال أن الحاج يريد ضمها إلى البيت. كان يشعر بطريقة ما أن الحاجة صفية تشرف من مكانها على خطوات العمل، وتوجهه، وأحس بذلك الشعور قويا حين جاء صوتها في ذهنه تسأله عن مكان الدرج والقبة. في ذلك الصيف كانت الحاجة صفية لا تخلد إلى نوم، كانت ترق وتشف وتخف ويزداد النور إشراقا في وجهها وحولها مثل هالة لا تفارقها. أما الحاج عبد الفتاح، فقد دفن ذلك السر في قلبه، لم يخبر أحدا ولا حتى بناتهما بنبوءة أمهم. ورغم إيمانه الشديد بقدرات زوجته الخارقة فإنه قرر انتظار تحقق النبوءة. كان ما يزال في قلبه وهو رجل سوق صعب شيئا من الريبة. في نهاية تشرين الأول، وكانت ليلة جمعة، خرج الحاج من غرفته فجرا لقضاء حاجة، وكعادته كان لا يعود إلى فراشه قبل أن يلقي نظرة على الحاجة في غرفتها للاطمئنان عليها. لاحظ أنها لم تكن تصلي كما تفعل في مثل هذه الأوقات، أمعن النظر من خلال زجاج النافذة في عتمة ذلك الغبش، ورأى الحاجة ممددة على سجادتها. فكر أن نومة طارئة ربما داهمتها وهي تصلي. دفع باب الغرفة واقترب منها وهو يهمس في خشية باسمها، لم يصدر عنها انتباهة. وحين لمس وجهها كان دافئا ما يزال وابتسامة غامضة ترف حوله. تذكر النبوءة وهتف فيها من غير وعي، أنت أردت ذلك أيتها الغالية. وتداعى فوقها في بكاء داخلي صامت. كانت الدموع وحدها تحفر طريقها في تجاعيد وجهه، وهو يحتضن ما تبقى منها ويدفئه لئلا يبرد. تعجب النسوة وهن يغسلنها من خفة وزنها، ومرونة جسدها وهن يحركنه ويقلبنه حسب مقتضيات الشرع. قالت الحاجة حفصة الغسالة أنها تعاملت مع جدث نساء ميتات كثر لكنها لم تر ميتة مثل الحاجة صفية. قالت: أنا أشك أنها ميتة بالفعل. ضاق صدر الحاج عبد الفتاح بالسر الذي ظل طوال شهور مدفونا في قلبه. خصوصا بعد إلحاح الكثير من المشيعين في السؤال عن سر عدم دفنها في المقبرة بجوار من سبقوها من المسلمين، وعما إذا كان ذلك يعود إلى حبه لها. وأفتى البعض بعدم جواز ذلك، وأن فيه مخالفة، وأنه تشبه بتقاليد الوثنيين من أمثال الفراعنة والهنود. وقف بينهم وهو يغالب حزنه ليكشف نصف نبوءتها، النصف الذي يخص موتها. قال لهم منذ بداية الصيف أخبرتني بأنها ستغادر الدنيا في نهاية الخريف، وأوصتني أن تدفن هنا، قالت هذا مكان طاهر ومبارك تقطنه الملائكة، وطلبت مني بناء قبر لها قرب النهر. وعندما فكرت كيف يمكنني البناء هنا والنهر من تحتنا عميق الغور وسريع الجريان، ارتفعت من عمق المياه بقعة صغيرة من الصخور والحصباء لم ألحظها من قبل. وقبل أن يكمل حديثه ارتفعت صيحات التكبير من صدور الرجال، وهم يقررون هذه كرامة لا تليق إلا بالأولياء. قاموا بأداء الصلاة عليها في فناء البيت. وفيما كان الحاج عبد الفتاح واقفا بين المصلين، جاءه صوتها وهي تطلب منه أن يحول هذا البيت إلى جامع. وقبل أن تودع الحاجة صفية قبرها، وقف الحاج عبد الفتاح ليعلن أنه منذ هذه الصلاة، تنازل عن ملكية هذا البيت، وأنه سيغادره صبيحة الغد، وسيقوم بإضافة ما يلزم عليه ليصبح جامعا، بيتا من بيوت الله، وأن اسمه من الآن جامع الحاجة صفية.
…………………………..
لما انتهت مراسيم دفن الحاجة صفية، واستقرت في مقامها الذي اختارته، شعر الحاج فتاح بفراغ في صدره، فجوة تتسع كل يوم، يحس فيها بحرقة موجعة تشبه اللهيب، نوع من ظمأ لا يسع مياه النهر كله أن تخمده أو تطفيه. في اليوم التالي، استدعى أحد البنائين المعروفين وطلب منه إجراء ما يلزم لتحويل البيت إلى جامع، لكن الأخير رأى من الأفضل هدمه أولا ثم يعاد بناؤه. كانت متابعة مراحل البناء شغله الشاغل. كانت الحاجة صفية في تلك الأثناء تزوره في منامه كل ليلة، كانت تبدو في الحلم صغيرة كما يوم تزوجها، مبتسمة وراضية وشهية وعاشقة. كانت تلك الزيارات تؤجج فيه الذكريات وتضرم في جسده المنهك نيران الأشواق والحنين. طلب من إحدى بناته أن تأتي للعيش معه في بيته القديم، بعد أن ترملت، مات زوجها بمرض شيطاني خبيث يخشى ذكر اسمه، وترك في رقبتها أربعة عيال. فكر أنه ربما سيجد في وجود الإبنة مع أطفالها إلى جانبه في البيت شاغلا يخفف عنه تسلط لهفاته وأحلامه الحراقة. لكنه لم يكن يطيق صبرا، كان يستيقظ فجرا، ويذهب لأداء الصلاة في جامع الحاجة صفية، قاطعا المسافة من وسط المدينة إلى شمالها. لا تمنعه ظلمة ولا خطر ولا وفر ولا مطر. ويمكث هناك حتى تصعد شمس الضحى، ثم يذهب إلى القيصرية. كان قد أوكل إدارة محلاته إلى أحد أحفاده، توسم فيه النباهة والأمانة والمهارة في التجارة. وفي القيصرية كان ينتظر بنفاد صبر لافت أذان الظهر، ليذهب إلى جامع الحاجة صفية من جديد، ويغيب هناك في صلوات متصلة أقرب إلى العشق والوجد منها إلى العبادة، حتى يحين العشاء.
لم يعد يهمه حساب الأيام والسنين وهي تمر عليه خفيفة مر السحاب، مر المياه في النهر صيفا. ودع كل بناته وأصهاره وأصدقائه وبعض أحفاده وأودعهم القبور، وهو يعيش ملازما جامع الحاجة صفية. كان الجزء الذي يخصه من نبوءتها يتحقق الآن، وكان يحيره سؤال واحد، ما معنى ألا يكون له في المدينة قبر..؟ بيد أنه تعب في النهاية من التفكير بهذا اللغز. كانت الوحدة تثقل عليه كثيرا، ويزداد شعوره بالغربة بين الناس بسبب تبدل الأحوال. حروب تركت أهوالها وعبرت، وأوبئة حصدت أكثر من نصف السكان، وأناس لا يعرف من أين يأتون، يستوطنون البيوت الخالية من سكانها، وينتشرون في الأسواق. وكان قليل جدا من الناس يعرف اسمه، كان معظمهم يسميه الحاج شيخ الزمان، وآخرون أطلقوا عليه الحاج قاهر الزمان، وهم يجلونه بوصفه شاهدا على تاريخ المدينة وعلامة من علاماتها. كان الحاج شيخ الزمان في نظر الناس قد تحول إلى أسطورة، محاطا على الدوام بشيء من القداسة. وكلما كانت مشاعر الوحشة والوحدة تنوء بأثقالها عليه، يزداد ارتماء بأحضان الحاجة صفية، ويجهد نفسه في الصلاة قربها. وانتهى المطاف به أن اتخذ لنفسه حجرة صغيرة في الجامع، يبيت فيها بعد أن لم يعد قادرا على تحمل السير من البيت إلى الجامع. في تلك الليلة، في الليلة الأولى له في الجامع، زارته الحاجة صفية، وسألته مما يشكو. قال لها من نبوءتك القاسية، من نار اشتياقي إليك، من وحشة العيش الطويل بعيدا عنك، وعذاب البقاء في زمان غير زماني، صافو ألم يحن بعد وقت اللقاء..؟ قالت له عليك بالصبر حتى تأذن مشيئة الله. عقب سنوات ضاع عددها استيقظ خادم الجامع ولم يجد الحاج فتاح في غرفته، ظن أنه قرب المحراب يصلي كعادته ويبكي بعيون جفت دموعها ويتعبد. لكن الحاج لم يكن هناك. مضى أذان الظهيرة والعصر والمساء والعشاء ولا عين أبصرت الحاج فتاح، ولا خبر في السوق عنه. وحار الناس في تفسير اختفائه المفاجئ.
قال خادم الجامع: في تلك الليلة، لم يذهب بعد انفضاض المصلين للنوم في غرفته ، ظل قرب المحراب يصلي ويتأوه ويبكي. كنت معتادا سماع صوته وهو يناجي الحاجة صفية، خاصة بعد صلاة العشاء. تلك الليلة بقيت على مقربة منه، كنت قلقا عليه، كان الاصفرار قد علا وجهه، وبكاؤه كان أقرب إلى النحيب. كان يقول لها، متى يا صافو.. لقد أمضني الشوق إليك، ويعذبني الحنين، وتحرقني وحشة البقاء في هذا الزمان القفر. خذيني إليك صافو، خلصيني من هذا الألم المنتشر في جسدي وروحي، كاويا صارخا كالحديد المصهور. وفجأة أخذ وجهه يضيء، وبدأ يتلفت حوله، خشيت أن يبصرني أتنصت عليه، فخففت إلى غرفتي..
وأضاف: في غسق الفجر أبصرته من نافذة غرفتي يمرق في فناء الجامع بخطى سريعة وفتية، وحز الظلمة على الأثر كالسيف ضوء بارق، ولما خرجت من الغرفة وجدت طائرا كبيرا بحجم نسر، ذا بياض ساطع وشفاف ونقي، لم أشهد مثله من قبل، يقف على قبة مرقد الحاجة صفية، وهو يطلق غناء فيه شجو رقيق يكسر القلوب ويذيب الحجر، ومع أول خيط من خيوط الشمس تحول إلى بخار وتلاشى في الهواء..
ويقسم: أنه يرى هذا الطائر ما يزال نهايات ليال كثيرات، وأن لديه شعورا يشبه الوحي أن هذا الطائر ما هو إلا الحاج فتاح ذاته أو روحه العاشقة، وأنه يناديه ويسأله ويتبرك به..
……………………………….
لم تدرك الحاجة صفية أن أكبر ذنوبها ليس خيانة الأمانة، أو خيانة الجسد كما وصفته. كانت تنظر للمسالة بنوع من الحس التراجيدي والقدري، فهي مثل جدتها الأولى حواء، ضحية من ضحايا إبليس اللعين. وفي واحدة من تأملاتها العميقة اكتشفت أن ثمة علاقة بين التفاحة في مأساة حواء ونشوات وحاجات الجسد، وأن التفاحة ليست سوى رمز لتلك الأشياء. لم تدرك الحاجة صفية حتى الآن أين وقع أكبر ذنوبها، ومن هو الضحية الأكثر تعاسة وشقاء بين ضحاياها. لم تدرك خطورة ما فعلته بآسو، هذا المخلوق البريء، وأي عرابيد قاتلة أطلقت في جسده، وكيف حولت حياته إلى جحيم..
استيقظ في اليوم التالي لمغادرتها إلى البيت الجديد، ذهب إلى النهر ليغتسل، كان الاغتسال بالنسبة لآسو طقسا يوميا لا علاقة له بالطهارة أو النجاسة، يؤديه في كل الفصول، لا يمنعه برد قارص ولا ثلج يتساقط ولا تجمد مياه. وصعد من ثم إلى قيصرية السوق الدافئة، وقام بكل ما يطلبه منه التجار. في ذلك الصباح بكر الحاج عبد الفتاح في الحضور، هش إليه آسو، فتح المحل وأخرج الأقمشة من الدكان، ورتب عرضها، ثم جلس منتظرا بلهفة موعد الغداء. أرتفع أذان الظهر في جامع عبد آل، وبدل أن يوعز إليه الحاج بالذهاب لجلب الطعام من البيت، طلب منه المكوث في المحل. وحين عاد من الصلاة قال له إئتنا بالغداء اليوم من محل حاج عبد الله القليه جي. لبث آسو متلبكا لم يفهم سر هذا التبدل، أعاد عليه القول بطريقة أوضح، كان يفهم لكنه لم يكن يريد التصديق. حتى في الأكل لم يكن الحاج عبد الفتاح على سجيته المعتادة، ثمة شيء ما يثقل عليه. بعد الغداء قام آسو بنقل طلبات بعض الخياطين من أطوال الأقمشة، وسرعان ما نزلت العتمة، وانصرم النهار. كان مسرعا ربما من شدة البرد. في الليل لم يستطع آسو النوم، كانت صورة الحاجة ورائحة جسدها تحرك فيه عفاريت من الجن. كان لا يتوقف عن ترداد اسمها مسحوقا تحت لسانه الثقيل وصوته المتحشرج: هاجو هاجو هاجو، وأيره منتعظا إلى الآخر. جرب مداعبته كما فعلت صافو به أول مرة، وشعر بلذة غامضة استمر بالمداعبة وفجأة اعترته رعشة، وتدفق السائل المنوي على ملابس.، أطلق على الأثر آهة طويلة. شكى المساكين الذين يشاركون آسو المبيت في الغرفة الأمر إلى مقيم الجامع، كما لاحظ عدد من المصلين، آسو قرب دورة المياه، وهو يعبث بلا خجل بعضوه الكبير المنتصب، وبعد الصلاة طلبوا من الإمام طرد هذا المعتوه. قالوا له هذا ليس معتوها عاديا، هذا مركوب ومركب إبليسي لعين، إذا كان لا يخجل من الناس وهو يمشي في السوق وأيره قائما ألا يخجل من الله في بيت الله. لكن الشيخ طيب خاطرهم بكلمات حكيمة، قال لهم المجانين أولاد الله، سلبهم الإرادة والعقل وهو يدبر أمورهم ويقرر مصائرهم. في ذلك الصباح لم يذهب آسو إلى القيصرية، أغتسل بالنهر وتناول مقرره لدى الحاج أتا الباجه جي، ثم اتجه رأسا إلى بيت الحاج عبد الفتاح القديم. طرق الباب بهدوء، وانتظر متوقعا أن يفتح، كان البيت طامسا في صمت غروي ثقيل. جرب الطرق مرة أخرى بقوة اكبر. التصق بالباب وبدأ يضرب بكلتا يديه بطريقة همجية، وهو يصرخ بأعلى صوته، هاجو هاجو هاجو. كان البيت كبيرا، ويشكل ركنا لزقاقين، وبابه ثقيلا مصنوعا من خشب الجوز. وكان باب أقرب الجيران، يبعد عنه حوالي خمسين مترا. والمحلة هادئة تقطنها عائلات ثرية ومعروفة. لذلك لم توقظ تلك الضجة الصباحية المبكرة أحدا سوى قطة سوداء قفزت من فوقه مذعورة، وبضع حمامات خائفات حلقن في طراوة الهواء. أنهكه الطرق المستمر، وتورمت كفاه من صلابة الخشب. اتكأ على الباب مفترشا الأرض في جلوس مترقب مثل كلب ينتظر مالكه. واستسلم لخيالاته اللذيذة التي تحركها ذاكرة المكان. كان هناك يداعب عضوه حين خرجت الحاجة سعاد إلى الطريق، استوعبت المشهد بنظراتها على مهل، بينما كان المجنون مغمضا عينيه غارقا في الأحلام. وعادت إلى البيت وهي في حالة ذهول، لكن الفضول حملها على الخروج كرة أخرى، اقتربت أكثر من آسو. حين شعر بها نهض من مكانه. سلمت عليه لكنه لم يرد عليها. سألها بالإشارة عن الحاجة، قالت له شالوا من هنا. وبدا لها كأنه لم يفهم أو حتى لم يسمع إذ عاد بسرعة إلى جلسته وأغمض عينيه متكئا على الباب. طرقت باب بيت جيرانها أميمة، وأخبرتها وطلبت منها ارتداء عباءتها على عجل. كان آسو ما يزال يداعب عضوه غير منتبه لما يدور حوله. في البداية أغمضت أميمة عيونها خجلا من المنظر المعيب، لكنها بعد لحظات فتحتهما وأمعنت النظر جيدا. وحين سمعتا وقع خطى في الزقاق، سارعتا للاختباء في بيت سعاد، وظلتا ترقبان مثل فأرتين الطريق من وراء الباب الموارب. كان ذلك العابر هو سيد محمود مؤذن الجامع، المعروف بورعه وتقواه وعذوبة صوته. وقيل أنه لما ذهب إلى مكة حاجا، رأى النبي عليه السلام في منامه، وأخبره أن حجته مقبولة وهو سيد من سلالته عليه السلام. ومن يومها صار لقب السيد عنده أهم من الحاج. تعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو ينظر إلى المعتوه الملتهي عن العالم بمداعبة أيره. كانت الرغبات في جسده تئز مثل خلية نحل، وتوجعه مثل جرح، مثل حكة لا يطيق الصبر عليها. نخس سيد محمود آسو بعصاه وهو يأمره بمغادرة المكان، لكن المعتوه لم يتزحزح من مكانه، ولم يرد عليه إلا بهمهمة غامضة. كرر المحاولة من غير جدوى، كان المعتوه يشير إلى الباب وهو يردد: هاجو هاجو هاجو. فكر سيد محمود أن هذا المعتوه مرفوع عن بصره الحجاب، وأنه ربما يعشق جنية من سكنة هذا البيت اسمها هاجو. ذهب من فوره إلى ملا سبتي المتخصص في أحوال الجن، وعالمهم العجيب. يلجأ الناس إليه، حين يصيبهم مس أو تلبس، فيقوم بإخراج الجن من الأبدان، وطردهم من البيوت. وكان الناس قد اعتادوا منظره في عوجات (أزقة) المدينة وأسواقها، وهو يتحدث إلى خدمه من الجن، محركا يديه، رافعا صوته في كثير من المرات. وكانت النساء تتجنب رؤيته، وتتخيل فيه صورة من صور الشيطان. ويخشى الأطفال الاقتراب منه، ومشاكسته رغم منظره المثير للضحك والفضول. كان رجلا هزيل الجسم، ناحل القوى، لكن بوسعه في تحديقة واحدة، أن يجعل أقوى الرجال يتداعى، وأن يهزم أعتى مردة الجن. ويقال أنه كان قادرا بنظرة منه أن يحرك إذا أراد الأشياء البعيدة. كانت عيونه كبيرة بنحو لا يتناسب مع وجهه، وجاحظة بشكل غير مألوف، ومائلة إلى الاستدارة، يتحرك فيهما بكيفية منفلتة بؤبؤان شديدا الاسوداد، عائمان مثل قطعتي فحم في طستي ماء. لكنه حين يحدق فيهما بتركيز عال، تحمر فيهما شبكة الشرايين الدقيقة، وتبدو كأن العينين تتوهجان وتطلقان موجات مشعة. في الطريق أبلغه سيد محمود رأيه بأن هذا المعتوه موله بجنية من سكنة البيت، خصوصا أن الحاج فتاح اضطر إلى ترك البيت لأن عائلة كبيرة من الجن تسكنه. لما رأى الملا سبتي حالة آسو، وهو يلعب بأيره القائم مغمض العينين، مطلقا خوارا مستمرا هاجو هاجو هاجو، صدق على كلام سيد محمود، وصارت تلك الحكاية معتمدة في تفسير ما يحدث. ما كان بمقدور آسو مقاومة نظرات ملا سبتي المحملقة فيه بقوة، تزحزح من مكانه قليلا وأفلت عيره ثم نهض، قال له الملا سبتي، رح من هنا، هاجو ليست في البيت، دور عليها في مكان آخر. ظلت عيون ملا سبتي تلاحق المعتوه حتى اختفى في منعطف أول عوجة، وهو يخور مثل ثور هائج، هاجو هاجو هاجو، متعجبا من ضخامة وغلاظة أيره، حاكا من غير وعي مؤخرته بتلذذ.
في المحلة تحركت السنة النسوة الحاسدات من جيرانها، كانت الحاجة صفية وهي في حوالي الخمسين من عمرها أجملهن وأنضرهن، وهي فوق ذلك زوجة الحاج فتاح باشي نقيب التجار، الرجل الثري والحكيم، وواحد من وجهاء وعقلاء وأعيان المدينة، وبيتها أكبر وأرفه البيوت. لم تنطل عليهن حكاية البيت المسكون، والجنية معشوقة آسو، قالت الحاجة سعاد، الجنية هي صافو، وهي في الحق ساحرة وجذابة مثل جنية، وهذا المعتوه الأبكم يلفظها هاجو. وقالت أميمة لو صح هذا الكلام، فأنا أعذرها، الحاج فتاح وهو شيخ في الثمانين أغلق دكانه المنزلية، وانصرف بكليته إلى تجارته في السوق. وهي بنضارتها تبدو اصغر وأجمل من بناتها، وهذا المعتوه فرصة هيأها لها القدر. ستكون هي الأخرى معتوهة وهبلة وجذبة لو لم تفعل. كانت الحريم في المدينة تتبادل همسا حكاية المعتوه آسو، والجنية هاجو، بنسختيها الرسمية والنسوية، مع تركيز خاص ودقيق على وصف عضوه الكبير دائم الانتصاب. وكن يسترقن النظر إليه من وراء أبوابهن حين يمر آسو، يسبقه خواره وضجة العجايا من حوله. وتجرأت بعض الزوجات ونقلن بعض ما يدور من أحاديث سرية في عالمهن إلى رجالهن. وشيئا فشيئا تحول وجود آسو إلى تحد لفحولة رجال المدينة. في صلاة الجمعة طالب بعض الرجال بوضع حد لمهزلة آسو، قالوا إن هذا المعتوه قد حول مدينتنا المعروفة بعفتها وهو يخور ماسكا أيره إلى ماخور. وأيده في ذلك جمع كبير من الرجال.
في تلك الليلة ارتفعت المياه في حوض النهر بقوة، وتدفقت غرينية مزبدة محملة بالطمي الثقيل، متجاوزة السدود والحدود في الضفة اليسرى حتى تل قاينجق وجبل النبي يونس، لكنه لم يشكل تهديدا جديا على الضفة اليمنى بسبب وقوعها على هضبة مرتفعة. كان يصدر عن تيارات المياه المتدافعة في النهر والهائجة هزيما مخيفا وغاضبا يشبه رغاء بعير هائج. كان واحدا من الفيضانات التي لم تشهد مثلها المدينة منذ عشرات السنين.
في اليوم التالي لم تطلع شمس المدينة على آسو..
لا احد بعد يسمع خواره في أزقة المدينة وحاراتها، ولا عين تتلصص على أيره من وراء الأبواب المواربة..
قيل أن هاجو الجنية أشفقت عليه وأعادته إلى أحضانها. وقيل أن الأميرة حورية ساكنة قصر سرجيان في سهل نينوى، قد سمعت به وأرسلت من يخطفه، وهو الآن في النعيم يعيش معها كما الطير فلا هو يتعب ولا هي تمل ولا تشبع. وقيل أن واحدة من قحاب الكلجية العتيقات والمهجورات أغرته بدخول بيتها، وأقفلت عليه الأبواب. ورجح العقلاء أن مجموعة من رجال المدينة دبروه في تلك الليلة، ودفنوا جثته في مكان مجهول. وذكر بعض مصلي جامع عبد آل أنهم رأوه فجرا في طريقه للاغتسال في النهر كعادته..
بعد أن هدأت المياه في أول أيار من تلك السنة عثر فجرا ثلاثة من صيادي السمك قرب قرية ألبو سيف على جثة طافية على وجهها، لما حاولوا جرها من شعرها إلى الحافة الضحلة من النهر، جاء الشعر المتهرئ بأيديهم، كانت الأسماك قد أشبعت تلك الجثة نقرا، وتركت في كل جزء منها حفرا صغيرة تشبه بثور الجدري. كانت الجثة تبدو لضخامتها وقد انتفخت بالمياه كأنها تعود إلى فحل من فحول الجاموس. دفعوها برفق إلى الشاطئ ولما قلبوها على ظهرها أذهلهم منظر الأير الكبير فيها. كان هو العضو الوحيد الذي لم تنل الأسماك منه. وتراءى لهم بسبب استطالته وغلاظته ومرونة عضلاته كأنه منتصب. كبروا وحوقلوا وسبحوا، فهم لم يشهدوا قبل الآن ميتا أيره قائما. حفروا لها على عجل قبرا فوق تلة صغيرة تطل على النهر، ولفوها بحشائش نهرية طويلة، واستعانوا ببعض رجال القرية لرفعها وواروها التراب. ظلت رائحة تفسخ تلك الجثة الثقيلة وعفونتها ونتانتها عالقة في الهواء حتى ساعة الزوال. ورغم أنهم تشاءموا من بداية ذلك النهار، إلا أن الصيد كان وفيرا بكيفية غير عادية. قال أحدهم هذه مكافأة لنا من الله جزاء عملنا، لا بد أن لصاحب هذه الجثة مكانة وكرامة عند ربه. بيد أن الليل الذي أعقب ذلك النهار كان هو الأعجب. فقد شعر الثلاثة بطاقة هائلة تتدفق في عروقهم. لم يناموا من ذلك الليل إلا قليله، كانت أيورهم لا تكاد تهدأ لتقوم من جديد. وكانت زوجاتهم في حالة من النشوة والدهشة والعجب، خصوصا زوجة احدهم. كان يعاني منذ سنوات من العنة، سألته وهي في غاية السعادة والامتنان والانشراح عما يجرى، اعترف لها بسر تلك الجثة المدفونة فوق التل. وأخذ الهمس يسري بين النساء حول كرامة تلك الجثة، وما بعثته في أجساد أزواجهن من اللذات والرغبات. أجبرت النساء في القرية أزواجهن على زيارة مقام هذا الولي. كان الرجال يخجلون في البداية من زيارته نهارا خشية التقولات. كانوا يأتون ليلا فرادى، ويقدمون له النذور سرا، وأطلقوا عليه سرا مقام السيد أبو أير، لكن النساء كن يأتينه نهارا جهارا ويطلبن منه تحقيق مراداتهن، وسموه مقام السيد أبو الطيبات. وهو ما يزال هناك فوق تلك التلة الشبيهة بسنام جمل، والمخضوضرة طوال العام، تعلو قبته الخضراء راية خضراء، ويبدو منظره من النهر مثل هرم أخضر مقبب صغير، فوق هرم أكبر منه، ورايته تخفق ملتاعة في الريح مثل طائر فقد أحد جناحيه، يدور في مكانه كلما ازداد خفق جناحه المنفرد، تعذبه نداءات السماء والمياه وأشواق قتيلة..
هامش: لمن يود زيارته الآن، ولا حياء في الدين، ثمة تعديل بسيط على العنوان، فقد تلطف اسمه مع تعاقب الأعوام والأجيال، وصار مرقد السيد أبو خضير، نسبة إلى طائر مائي يكثر هناك. وحين قرأ د.صالح وهو أول من تخصص بالطب من أهل قرية ألبو سيف، عن حبة زرقاء، قادرة على إثارة وتعزيز الطاقة الجنسية لدى الرجال اسمها فياغرا، اقترح تسميته طبقا للوظيفة، مرقد السيد فياغرا، غير أن الاسم الشائع بين الناس ما يزال كما هو مرقد السيد أبو خضير..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : دموع من رمال .

أخرج عن صمتك يا أنا، تحدث فالحزن يتضاعف مع الصمت، أنفث سموم همك فالفقد جلل، …

| نبيـــل عـــودة : حتى ابن الله!! .

لم يعرف أبو رباح طعما للنوم منذ أسبوع.  كان يظهر عليه القلق والشرود الفكري، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *