محمد علوان جبر: كيميادا .. الطريق إلي الحرية

اذا كان بونتيكورفو قد عبر في فيلم – معركة الجزائر – عن ضرورة الكفاح الشعبي المسلح من اجل الاستقلال ، وضرورة التنظيم السياسي من اجل انتصار الكفاح الشعبي المسلح ، فهو في – كيميادا – او جزيرة الجحيم – يعبر عن ضرورة الوعي بان مصالح الشركات الامبريالية الكبري – الاحتكارية – هي التي تحرك الجيوش الاستعمارية ، وبالتالي فالخطر قائم مابقيت هذه الشركات . وبان طريق النضال من اجل الحرية طريق طويل وشاق مملوء بالمنحنيات والتعرجات لان الاستعمار لن يستسلم وسوف يلجأ الي كل الوسائل للابقاء علي وجوده بما في ذلك العمل علي قيام الثورة الوطنية في الوقت الذي يتأكد فيه من فشلها حتي يقطع الطريق علي الثورة الحقيقية . وكما في كل عمل فني عظيم نجد ان الشكل في – كيميادا – هو ذاته المضمون ، اذ يعبر بونتيكورفو عن هذه القضية في فيلمه من خلال احداث عشر سنوات 1845-1855 في جزيرة -كيميادا – التي تعني المحترقة وهي احدي جزر الانتيل في البحر الكاريبي التي استعمرتها البرتغال في القرن السابع عشر وبريطانيا في القرن التاسع عشر . وهذه الاحداث ليست تاريخية كما في فيلم معركة الجزائر بل ان لها اساسا تاريخيا ، فقد قامت في هذه الجزيرة عدة انتفاضات وطنية مسلحة ، ولم تكن السلطات الاستعمارية تجد طريقة اسهل وانجح في مقاومتها غير حرق غاباتها والقري المحيطة بتلك الغابات التي يعتمد الثوار عليها في شن حرب العصابات ، ولهذا سميت بالمحترقة . ويعتمد البناء الدرامي علي شخصية رئيسة هي شخصية سير وليم ووكر الذي يجسد الفكر الاستعماري ، واخري هي شخصية جوزيه دولوريوس الذي يجسد الحلم الوطني بالخلاص ويعتمد المخرج البناء الدرامي الدياليكتيكي وهو مزيج من البناء الملحمي عند – بريخت – خاصة في مسرحيته – القاعدة والاستثناء – حيث يتوجه بريخت الي عقل المشاهد ليدرك علي العكس مما تؤدي اليه الاحداث ان القاعدة هي الاستثناء والاستثناء هو القاعدة ، ومن البناء التسجيلي عند – بيتر فايس – وهو بناء يتأثر الي حد كبير بالبناء السينمائي . اننا في كلا الفيلمين لانتابع قصة فرد ، وانما قصة شعب بأسره في مرحلة تاريخية محددة – سواء كانت تقوم علي احداث تاريخية – معركة الجزائر – ام علي احداث لها اساس تاريخي – كيميادا – ولانتابع صراعا بين فردين ، وانما بين شعب وقوي اجنبية تريد ان تفرض عليه ارادتها . ويعد – كيميادا – هو ذروة النضج الجمالي لعالم بونتيكورفو – علي الصعيد الجمالي لانه يصل فيه علي نحو يفوق – معركة الجزائر – من حيث تطابق الشكل والمضمون . لقد جاء سير وليم ووكر الي كيميادا مكلفا من البحرية الوطنية لتدبير ثورة وطنية ضد الحكم البرتغالي بالتعاون مع الاقلية البرتغالية البيضاء وتحت قيادة زعيم وطني اسود ، وحين يصل سير وليم الي الجزيرة يستقبله تاد سانجينيس زعيم الاقلية البيضاء ونجد سانت جو القائد المنشود للثورة اعتقل وحكم عليه بالاعدام، وفي مشهد يلخص مدي عنف الصراع بين الثورة الوطنية وبين الاستعمار نري اعدام الثائر الاسود علي الطريقة البرتغالية حيث يخنق بوضع رأسه داخل الة حديدية تدور ببطء ، ثم تقطع رأسه وتعلق في ميدان عام حتي يكون عبرة لغيره . ويبدأ سير وليم البحث عن زعيم اخر ، وبعد جهد يعثر عليه : انه الحمال الشاب الذي حمل حقائبه من الميناء ، والذي يراه في احد الميادين يهجم علي جندي برتغالي ويكاد يقتله ، وتتوقف اللقطة عند جوزيه رولوريوس . وبعد اختبارات عديدة منها تعليم جوزيه كيف يقتل البرتغاليين يوهمه سير وليم انه سيسرق مليون ريال ذهب ويدعوه للاشتراك معه ، ويقتل جوزيه احد الحراس ويدرك ان البرتغاليين يموتون ايضا ، وحتي يتعلم كيف يعبئ الجماهير وينشئ جيشا شعبيا يقوم سير وليم بارشاد القوات البرتغالية الي قرية – اللصوص – التي يقيم فيها جوزيه ، وحالما تتحرك القوات نحو القرية يبدأ جوزيه في تعبئة الجماهير ثم في اعداد جيش الدفاع الشعبي . واخيرا يدعو سير وليم الاقلية البيضاء للتعاون مع جوزيه والتخلص من الحكم البرتغالي وضرائبه الباهظة ، ويوافق الجميع فكلهم تجار ماعدا زعيمهم سانجنيس الذي يؤمن ان كيميادا يجب ان تتخلص من الحكم البرتغالي من اجل الحرية والاستقلال ، وليس من اجل التخلص من الضرائب . وتقوم الثورة ، ويتولي الجنرال جوزيه رولوريوس الحكم وسط هتافات الجماهير ، ولكنه يكتشف بعد اسابيع قليلة انه سوف يصبح دمية في يد القنصل البريطاني الذي يرعي مصالح شركة السكر الملكية . وهنا يقرر جوزيه طرد القنصل وطرد البيض جميعا بما فيهم سير وليم ، فيضعه هذا امام الامر الواقع قائلا :- ان الحضارة ليست مسألة بسيطة ، انها حضارة البيض وعليك ان تعلم كيف تستخدمها .. من سيدير الصناعة .. من يتولي التجارة .. من سيعلم الاولاد . ويدرك جوزيه ان سير وليم علي حق فيلقي السلاح ويستسلم قائلا : – ان البيض هم اصحاب الحضارة حقا، ولكن قل لهم ان يحترسوا فاذا كانوا يحسنون بيع السكر ، فنحن نعرف كيف نقطع اشجار السكر ، وبعد عشر سنوات تلتقط شركة السكر الملكية سير وليم من احدي حانات لندن وتبعث به الي كيميادا مستشارا عسكريا لحكومة الاقلية البيضاء وهناك نعرف ان الحكومة التي يرأسها سانجينيس اعلنت النظام الجمهوري بعد استسلام جوزيه ومنحت شركة السكر امتيازا مدته 99عاما قابلة للتجديد وان جوزيه عاد ونظم جيشا شعبيا في الجبال وان مهمة سير وليم القضاء علي هذا الجيش الذي يهدد مصالح الشركة في المنطقة كلها . وكما حدث في القرن السابع عشر عندما اشعلت القوات البرتغالية النار في الجزيرة حتي تقضي علي المقاومة لجأ سير وليم الي الوسيلة نفسها واشعل النار في كل القري الجبلية التي يعتمد الثوار في تموينهم بالغذاء عليها وفي كل الغابات التي يديرون منها حرب العصابات ، ويدير سير وليم مذبحة هائلة ويتمكن من القبض علي جوزيه بعد ان حاصر الجبال بالمدافع وفي الطريق الي السجن يقول احد الحراس لجوزيه : – ربما تركوك تعيش . فيرد عليه جوزيه – اذا تركوني اعيش فمعني هذا ان موتي لايناسبهم ، واني افضل الموت في هذه الحالة .. ان الصياد لايترك الصقر يعيش الا لكي يصيد بدلا منه ثم يقول : ان الحرية التي تعطي ليست حرية .. الحرية الحقيقية تنتزع انتزاعا ويحاول الجنرال برادا بناء علي نصيحة سير وليم ان يشتري جوزيه (حتي لايصبح شهيدا ويتحول الي اسطوره) ولكن جوزيه يسخر منه وفي صباح يوم تنفيذ الاعدام يحاول سير وليم صادقا ان يساعد جوزيه علي الهرب بدافع من العطف عليه ولكن جوزيه يرفض او بالاحري لايصدق . ويمضي سير وليم في طريق العودة الي بلاده بينما يقتادون جوزيه الي المشنقة ويهتف جوزيه (انها حضارة البيض حقا ، ولكن اي حضارة والي متي) وعلي النقيض من البداية ايضا لانري جوزيه وهو يعدم كما رأينا سانتاجو فقد اصبح جوزيه رمزا للثورة التي لن تموت طالما انها قد بدأت البداية الحقيقية الناتجة عن الظروف الموضوعية . وفي الميناء يتقدم احد الحمالين ويعرض علي سير وليم ان يحمل حقائبه ، ويتذكر سير وليم جوزيه ، وقبل ان تتسع ابتسامته متصورا ان الذروة سوف تبدأ من جديد يطعنه الحمال طعنة قاتلة فيسقط علي الارض صريعا .. ان التاريخ لايعيد نفسه ، وانما تتشابه المواقف .. وقد يخدع الشعب مرة ، ولكنه لايخدع مرتين .. وفي لقطة طويلة تتابع امامنا الوجوه السوداء في الميناء تتطلع الي الكاميرا وملؤها التحفز والاصرار وهي تنظر الي عيوننا . ويبرع المخرج في استخدام حركة الكاميرا وخاصة حركة الكاميرا الحرة المحمولة باليد حيث كان يحلل بها في لقطات طويلة وبالمنظرين الكبير والمتوسط العلاقة بين الشخصية والمكان، ان العلاقة بين الشخصية وبين الاحداث التي تقع من حولها كما في اغلب لقطات الفيلم واستخدام الموسيقي التعبيرية ذات الاصول الفولكلورية مع معرفة دقيقة متي يكون الصمت وحده تأثيرا كاملا وكذلك وفق المخرج في اختيار الممثلين ، وقد وفق تماما في اختيار مارلون براندو لاداء دور سير وليم ووكر الذي كان في هذا الدور واعيا طبيعة هذه الشخصية التي تجسد تاريخا طويلا من الدم والنار . لقد كان كيميادا فيلما يكشف عن ” تناقضات قرن كامل وحضارة بأسرها ” انه نموذج للعمل الفني الذي يجعل من صاحبه شاهدا علي عصره .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي …

| صباح الأنباري : ميكافيلية الغزل في حكايات حميمة (*) .

  العنونة (حكايات حميمة) تشي هذه العنونة بوجود مجموعة حكايات أو مرويات ينقلها لنا الحكواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *