الرئيسية » نقد » ادب » حميد الحريزي :

حميد الحريزي :

رواية (( استمراء الألم ))
للروائي
تحسين علي كريدي

إدمان الألم وهيمنة الوهم

بقلم :- حميد الحريزي

(( الابداع الروائي هو خدعة تمكننا من الحديث عن أنفسنا كأننا شخص آخر، وعن آخرين كما لو أننا مكانهم ))
عنوان الرواية يؤشر لنا أن الانسان العراقي بات يستمري ، أي يتقبل طعم مرارة الألم ، فمن يتعرض لأي مؤثر ، أو يعتاد على تذوق أي مادة مهما كانت مرارتها فسيعتاد عليها ويتأقلم معها …
نظرا لقرون من القهر والظلم والظلام ، وحكم الاستبداد الذي تعرضت له أغلبية أبناء العراق ،حتى في ظل حكم الدولة الاسلامية ، كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية ، ناهيك عن حكم الامبراطوريات الغازية ، الرومانية ، والفارسية ، والتركية ، والبريطانية ، والآن هيمنة امبراطورية القهر والاستغلال الإمبريالية الأمريكية وأخواتها …
لم يعش المواطن العراقي حالة من الاطمئنان والحرية المفترضة في ظل الحكومات ((الوطنية )) لا في العصر الملكي ولا في عهد الجمهوريات بعد سقوط الملكية ، وقد كانت جمهورية البعث الصدامية هي الأعنف والأقسى والأشرس، في ظل هيمنة الديكتاتور الفاشي وحاشيته على حكم العراق لأكثر من ثلاثة عقود متوالية ، ناهيك عن فترة حكمه الفاشي الأسود بعد الاطاحة بالجمهورية القاسمية عام 1963…
وكما قال ادغار ألن بو (( ..ان هناك حداً للعار في المستضعف والمسحوق، لا يمكن لهذا الأنسان أن يتجاوزه، انْ يحتمل فوقه حداً سيتقبل بعده ، العار نفسه كمتعة ذاتية هائلة..))
أحلام الشباب ، ومصائد الذئاب :-
أحمد، سامر ، ضياء ، مصطفى ، ساره ،رياض ، مهند، سحر …الخ ، شباب يافع ، متفتح على الحياة ، يعيش أحلام مستقبل واعد يحققه من على مقاعد الدراسة ، مراهقة طافحة بروح العشق والمغامرة ، تريد انْ تعتلي القمر ، وتصنع من النجوم قلائد للحبيب أو الحبيبة ، تغذيهم طبيعة مدينة العمارة الغافية بين أحضان نهر دجلة الساحر ، تغذيهم بالرومانسية وسعة الخيال ، وتؤشر لهم مكامن الجمال مما يؤجج في دواخلهم فورة الشباب والتفتيش عن مراكب الحرية ، رافعين أشرعة التحدي وركوب موجات التغيير من أجل عالم أفضل يرضي تطلعاتهم وآمالهم ، فاختار العديد منهم طريق اليسار الشيوعي كمنهج تغيير وتثوير للمجتمع باعتباره سيحقق لهم حيز الحرية والعيش الرغيد((كسامر وعائلته )) ، في حين ركب البعض مركب الدين السياسي بفعل هبوب رياح ((الثورة الايرانية )) ك((مصطفى )، في حين ركب فصيل آخر طريق البراغماتية الانتهازية لتحقيق طموحاته والافلات من واقعه البائس ك ((رياض)).
استلام ((البعث)) مقاليد السلطة في 1968 وتبنيه للفكر الاشتراكي حد التطرف ، ومزايدته حتى على الأحزاب الشيوعية في ثوريته ، ووعوده بحيز من الحرية ((نابذا)) لتجربته في 1963 ، مدعيا ان عروس الثورات في 8 شباط كانت غير ناضجة ومراهقة ، ستكون شقيقتها ((الثورة البيضاء)) في 17 تموز 1968 ناضجة ومتعقلة ومنحازة لقوى التحرر والاشتراكية في العالم ، وقد توج هذا التوجه بقيام الجبهة الوطنية بين البعث والشيوعي العراقي في تموز 1973 .
ولكن البعث وطبقته البرجوازية الصغيرة الطفيلية ، لعلة بنوية داخلها لا يمكنها أنْ تحقق وعودها في الحرية والاشتراكية وتحقيق الترابط الجدلي بينهما ، فلا حرية بلا اشتراكية ، ولا اشتراكية حقيقة دون حرية كما يقول سمير أمين (( لا وجود لاشتراكية من دون ديمقراطية ، ولكن التقدم في الديمقراطية يستوجب ولوج طريق التحول الاشتراكي))
سيما وقد استهلكت السلطة شعاراتها الزاعقة بالحرية والاشتراكية والوحدة العربية ، في حين تطلب الحراك الاجتماعي المزيد من الحريات والابتعاد عن هيمنة الحزب الواحد ، مما عمق من أزمتها ولم ترى لها حلا ألا بقمع كل القوى خارج خيمة البعث ونزعته للانفراد بالسلطة ، متوجا ذلك بتتويج صدام حسين زعيما للحزب ورئيسا للدولة وقائدا عاما للقوات المسلحة ورئيس مجلس قيادة الثورة .
((أحمد)) تسحره ((شهرزاد)) صاحبة الصوت الغنج الجميل عبر الهاتف ، يكتشف انها ((سارة )) الجميلة خاطفة أبصار كل زملاء الدراسة في باص المصلحة عند الذهاب والإياب ، سارة شقيقة ((سامر )) المدموغ بالشيوعية لأنه من عائلة شيوعية على الرغم من كونه ليس ملتزما تنظيميا في الحزب الشيوعي، يتعرض أحمد نتيجة لصداقته لسامر الى الاعتقال والتعذيب بتهمة الشيوعية ، أحمد الذي استعصى على مدير مدرستهم استاذ ((هادي الشايب )) البعثي المتغطرس الذي كان يبتز الطلبة ويستخدم أساليب قذرة ليجبرهم للانضمام لحزب البعث ،كما فعل مع رياض الذي انخرط في صفوف حزب البعث للحصول على البعض من الامتيازات وتأمين قبوله في كلية الضباط ، فالجيش والقوات الامنية عموما كانت حكرا لحزب البعث فقط.
يعتقل ((ضياء )) بتهمة الانتماء لحزب معارض للسلطة ، يعذب بما لم يحتمله ، يموت بعد أيام قليلة من أطلاق سراحه .
((مصطفى )) ينخرط في التيار الديني ((حزب الدعوة)) ، في ظل تفاقم الأوضاع بين العراق وايران بعد الثورة الايرانية في 1979 واستلام الخميني للسلطة … فأقدمت السلطة بقيادة صدام الى تهجير وترحيل كل من يحمل التبعية الايرانية مستغلة حادث التفجير في الجامعة المستنصرية و القت تبعته على عملاء أيران ، وكان ضمن المسفرين عائلة ((سامر)) و ((سارة)) لأن جدهم أخذ التبعية الإيرانية تخلصا من التجنيد الإجباري زمن الأتراك، وتحويل دارهم الى مقر للحزب بعد مصادرته . فأصيب ((احمد )) بصدمة قوية بسبب ذلك وقد أزداد حنقه وكرهه للسلطة وممارساتها اللا إنسانية ، مما دفعه للارتماء أكثر في احضان ((سعاد)) الشابة زوجة عواد الذي يكبرها بأكثر من عشرين عاما ، والعاجز عن الأنجاب ، مستغلا فقرها المدقع ، مما دفعها الى إقامة علاقات متشعبة مع شباب المنطقة لإرواء شبقها الأنثوي ولتنتقم من ((عواد)) السائق غير الجذاب ، فكان ((احمد )) يمضي أغلب الليالي في حضن جارتهم الشابة ((سعاد)) عند غياب زوجها الذي يعمل بالنقل البري ، على الرغم من علاقته الغرامية السابقة مع ((ساره))، وقد أكتشف بعد هجرانه لها، علاقتها برجل اخر أنجبت منه ولدأ وبنت بعد حين … ومن ثم أكتشف ان شقيقه الاصغر ((مهند)) واقع في غرامها ، طالبا الزواج منها ، فلاقى الرفض القاطع من قبل ((احمد)) لكونه يعرف خفايا ((سعاد)) الذي قتل زوجها في الهجوم والهجوم المقابل بين القوات العراقية والإيرانية بعد انْ استعرت نيران الحرب بين البلدين … وقد قتل ((مهند)) في الحرب مما شكل معاناة كبيرة لأخيه وللعائلة جميعا …
كل ما تقدم دلالة على هشاشة القيم في مجتمع بدأ بالانحلال في ظل سلطة قهرية فاشية ، فبعد انْ عجزت عن القضاء على المعارضة اليسارية والدينية في الداخل ، أشعلت محرقة الحرب بينها وبين أيران ، سعيا منها لعسكرة المجتمع وتطويقه بطوق حديدي لا فكاك منه وهكذا كان إذ دامت الحرب أكثر من ثماني سنوات أحرقت في لهيبها الأخضر واليابس ، المهم سلامة كرسي النظام وأحكام قبضته الحديدية على أبناء شعبه … إنَّ الشاب يتمنى انْ يصاب بالعوق حتى يبقى على قيد الحياة ، وقد عمد العديد منهم على بتر قدمه أو كف يده ليحافظ على روحه كما فعل الشاب ((صالح جواد )) الذي تخلى عن كف يده …
((احمد)) و ((مصطفى )) يسافران الى البوسنة لغرض الدراسة ،وبينما أنغمس ((احمد)) في الحياة الاوربية البوسنية حيث النساء والشراب والمتعة بكافة انواعها((ثور تسفيد)) ، في حين التحق مصطفى بصديقه((ناظم)) محافظا على التزامه الديني …تبنى احمد زوجة صديقه الفلسطيني وحيدا وولدها ياسر وفاء له، رغم علاقاته الحميمة مع معشوقته البوسنية .
يلقي الكاتب نظرة فاحصة على طبيعة الحياة في بلد ((اشتراكي)) عشية انهيار المعسكر الاشتراكي ، وبعد زيارته لألمانيا الشرقية والمانيا الغربية وما وجده من تفاوت كبير في الرخاء والتقدم التقني بين البلدين ، ومن ثم انهيار المعسكر الاشتراكي وهيمنة العالم الرأسمالي ، حتى انَّه أخذ يشعر بالضياع كمن فقد بوصلته كما يصف نفسه أمام هذا التحول الدراماتيكي في للعالم ((أشعر بأنني فقدت هويتي وأصبحت كقافلة تسر بلا بوصلة)).
محاولا نفي مقولة الصراع الطبقي ، فالصراع كما يرى هو صراع ((بين المثل العليا والأنا ، داخل الانسان وليس مهما الى أية طبقة ينتمي ذلك الأنسان أو أي عباءة يرتدي … . ليس مدركا الكاتب ان هذا التحول ناتج عن الصراع غير المتكافئ بين الطبقة العمالية العالمية وانصارها ، وبين الطبقة الرأسمالية وأنصارها وامتلاكها للقوة والمال ووسائل التضليل الكبرى مما رجح كفتها على ما سمي ب((المعسكر الاشتراكي )) مستغلا ضعف بناه التحتية و الاخطاء التي ارتكبتها الاحزاب الشيوعية في ممارسة الحكم آنذاك .
هذا الحال تكرر مع ((مصطفى )) الذي تزوج من باكستانية من أصل عراقي تناغمه في المعتقد ، وقد توصل الى نفس القناعة بهشاشة التنظيمات السياسية وزيف شعاراتها حيث يخاطب ((أحمد )) قائلا :- ((أنا ايضا كدت أفقد أيماني بالبشر كليا لو تلك البقية الباقية منهم انت وناظم وزوجتي ، ولم يبق لي من الايمان شيء راسخ ، سوى ؟أيماني بالله عزت قدرته والذي استطعت تعبده بحرية هنا ، في ظل الغرب الذي نعتناه فيما مضى بالكافر )) .
هذا الحال يدل الى طبيعة الانتماء للأحزاب والأفكار بالنسبة لأغلب العراقيين ؟؟؟، فالانتماء تقليد او اقتداء او بتأثير الوسط المعاش والبيئة وليس خيارا ذاتيا ، أو رسوخا فلسفيا صلبا ، يمكنه ان يصد رياح التحولات والتغيرات في عالم يعج بالصراعات ، وهكذا تحطمت قناعات ((احمد)) اليساري بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وكذلك تحطمت قناعات ((مصطفى)) أما زيف احزاب الاسلام السياسي ، وانبهارهم بعالم الغرب البراق وسراب الحرية الآسر …
يقرر (( احمد)) العودة للعراق بعد انْ أكمل دراسته ، مودعا ((وحيدا)) أم ياسر من زوجها الفلسطيني المفقود ، فعليه انْ يكون صادقا مع خطيبته وقريبته ((سحر))، يساق الى الخدمة العسكرية ويتعرض للسجن بسبب رده لإهانة عريف الفصيل في السماوة ، وهنا إشارة هامة الى طبيعة الخدمة العسكرية في العراق الذي تعني انْْْ يتخلى الأنسان العراقي عن كرامته وإنسانيته ، فيكون عبداً بلا كرامة تحت رحمة العريف والنائب ضابط والضابط ليس له إلا الإذعان وتنفيذ الأوامر دون سؤال !!
ولا يدري الجندي كيف يدافع عن بلد لا يحفظ له كرامته وانسانيته ، ماذا يعني الوطن بلا كرامة ولا احترام لإنسانية الانسان ، وكيف له انْ يقاتل عدوا خشية انْ يحتل أو يعتدي على وطنه المهان هو على تربته ؟؟
إنها محنة الشاب والأنسان العراقي وخصوصا لفرد يحترم ذاته ، ولا يحتمل الذل والمهانة، يصعب عليه حتى لفظ كلمة سيدي المقيتة ، دلالة العبودية والدونية …
يكشف الكاتب طبيعة سجون العسكر في زمن الفاشية البعثية ، حيث الجوع والجرب والقمل والاحتقار ، دون أية رحمة أو إنسانية ، فتبا لك من وطن وما أسخفك من جيش مبنياً على قانون احتقار الأنسان وسحق كرامته ، رغم ذلك تطالبه بأن يبذل حياته مقابل حفظ كرامة (الوطن))!!! ؟؟؟
يكشف الكاتب النرجسية العالية والعظمة التي يشعر بها الضابط العراقي ، ودرجة علوه وتعاليه على الجندي ابن وطنه وحامي أراضيه ، من التعامل الجاف واللامبالاة من قبل صديقه وزميل دراسته ((رياض)) البعثي الانتهازي ، الفاشل ، المتطفل ،الذي ضمن إخراجه من السجن بعد ان أمضى فيه يوما شاقا ً، لا لشيء ألا لكونه ضابط و ((احمد)) المهندس الناجح المثقف المتحضر جندي في جيش ((العراق العظيم )).(( أنا هنا ضابط مرهوب الجانب ، وتنازلي يفقدني هيبتي)) هذا كان عذر رياض لأ حمد!! فالدفاع عن كرامة أنسان مظلوم تمس بهيبة هذا ((الضابط)) حامي حمى الوطن ، وحافظ كرامة الشعب !!! .
((كان دمه يغلي بسبب ذلك الكم الهائل من الشعور بالامتهان والأذلال الذي تجرعه خلال يوم واحد فقط ، لكن غيضه كان أشد بسبب خذلان رياض له …)) فما احقر وأبغض هذه المؤسسة التي لم ترب الأنسان العراقي على الأنفة والعزة والكرامة ، بل حاولت تدجينه ليكون عبداً مطيعاً لا يعرف سوى نعم سيدي !!!
يتزوج أحمد من ((سحر)) ينجب طفلين جميلين ((ياسر وساره ))، يفتح مكتبا للاستشارات الهندسية في بغداد بعد تسريحه من الجيش ، ولكن يقدم الديكتاتور على مغامرة جديدة ، فيغزو الكويت لفك أسره من أزمته المستفحلة بسبب عنجهيته وأسلوبه القمعي الوحشي لأبناء وطنه وهذه مسلمة منطقية فلا يستطيع أي نظام أن يعتدي على استقلال وحرية وكرامة أي شعب قبل أن يدوس استقلال وحرية وكرامة أبناء شعبه أولا ً وهذا ما فعله صدام ونظام البعث ، أحراق ثروة العراق وتكبيله بمليارات الدولارات لمختلف دول العالم وسحق كرامة شعبه حتى كرامة رفاقه من البعثيين الذي يشك في ولائهم لشخصه …
في ظل هذا الواقع للنظام قرر أسياده ((الأمريكان)) الخلاص منه بعد ان ْ كبح جماح الثورة الخمينية ، وافرغ الساحة الوطنية والعربية من قوى اليسار المناهضة للامبريالية والاحتكارات البترولية في داخل العراق والمنطقة العربية ، فأعدت له العدة ليمنى بهزيمة شنيعة أدت الى انفجار انتفاضة شعبية عارمة في أغلب مدن الوسط والجنوب العراقي كادت انْ تطيح بعرشه لولا نجدته من الجيوش الأمريكية التي حالت دون هيمنة إيران على مقدرات العراق عبر قوى الاسلام السياسي الشيعية لا سيما المتصدرة للانتفاضة … فأعطت الضوء الاخضر لحرسه الجمهوري وطائراته السمتية لينتقم من الشعب متهما اياه بالغدر والخيانة في حين هو الأجدر بها في حقيقة الأمر ، متناسيا هزيمته النكراء وتعريضه البلاد والشعب العراقي لانتقام الأمريكان وحلفائهم ، وكان ما كان من مجازر جماعية ، وسجن وتشريد وووو ليثبت حكمه على جماجم أبناء شعبه … قتلت عائلة (( احمد)) زوجته وطفليه أثر قصف الجيش لبستان (( ستار)) في ريف العمارة …
بعد هذا الحادث المأساوي الدال على همجية النظام وبربريته واستهانته بأرواح حتى النساء والأطفال ناهيك عن البالغين من الأبرياء ، يهرب أحمد الى ((ايران))، ليتكفل صديقه ((ناظم)) ويسكن الاهواز …
تشاء الأقدار ان يلتقي بحبيبته ((سارة)) ثانية ، وهي أرملة ولها ولد واحد اسمته ((احمد)) كذكرى لا تغيب لحبها الأول ، الذي طرق بابها على حين غرة بعد سنوات طوال من الفراق والألم ، حيث توفيت والدتها ولحق بها والدها ، وقد تزوجت معارضا من المعارضة ، قتل أيضا في جبهات القتال …
الله موجود من أجل لقاء الأحبة ، ومن أجل أنْ ينال المجرم جزاءه ولو بعد حين ((ليس من العدل انْ ينعم القتلة والمجرمون بالعيش الهني ولا يطالهم العقاب ويموتون في أحضان عاهراتهم وكأس الخمر بأيديهم … لن يكون كافيا ؟أن يلعنهم التاريخ فقط ، ولا بد من وجود آخرة ينال فيها المجرمون جزاءهم )) .
يبدو هنا البطل اليساري يقترب من الشعور الديني الإيماني، ويحاول أنْ يفلسف قناعته الجديدة بطريقة وأخر ى ويأسه من أن الشعب سيثور يوماً ويضع هؤلاء القتلة تحت طائلة القانون لنالوا جزائهم العادل ، وهذه أحدى محن المثقف الشرقي عموما والمثقف العراقي المسلم في تبني منهج تفكير محدد أو تبني فلسفة معينة حينما يشعر بالعجز والفشل في مواجهة معضلة ما …
يلتقي نهرا حبهما الأول وتلتقي روافد الحب لتصب في عش زوجية جديد يجمع الحبيبين بعد طول فراق وقسوة ومعاناة … ينقلهم قطار الحياة من أيران الى كندا للعيش هناك .
و يكتشف ((احمد)) صعوبة الحياة في الغرب الرأسمالي ، ولا إنسانيته ، فالأنسان ، بعد أن كان مبهورا بهذا النظام حين زيارته لألمانيا الغربية والشرقية ..
دائما محاصر بالمزيد من الضرائب ، والقروض وفوائد القروض ، فقرر العودة للعراق ، وكأن الكاتب أراد ان يزيل عن عيون الكثير من الشباب العراقي الذي يحلم بالهجرة الى العالم الغربي ، ليعيش حياة الرفاه والحرية كما يتوهم .
كانت محطته الأولى دمشق ، حيث يلتقي مصادفة بصديقه الضابط البعثي الانتهازي ((رياض)) الهارب من العراق الى سوريا ، وكأن المعارضين العراقيين يتبادلون المواقع ليستقروا في سوريا التي كانت حضنا آمنا للجميع ، ففي الوقت الذي كانت حاضنة للمعارضة العراقية لنظام ((البعث)) من مختلف القوى ، فهي الآن حاضنة للبعث وأنصاره الهاربين من ملاحقة القوى الحاكمة ما بعد الاحتلال ، ((رياض)) يصف الحياة بالمومس (( الدنيا! أنها كالمومس التي لا تعتليها ألا مقابل ثمن ، وما انْ تقضي منها وطرك ، تنقلب عليك وتتنكر لك ، ألا أذا تمكنت من الدفع مجدداً )) .
رغم إفلاسه وهروبه وما حل في العراق ، كان رياض البعثي يتكلم بثقة الى عودة صدام لسدة الحكم ، وانَّ الحزب لازال حيا يعمل ، ولا زال الجيش قائم ،وإن في الشتات ولا زالت سيدي قائمة !!! وقد بين لأحمد بأنَّه (( مستعد لقطع ألف رأس ورأس ليعود الحال لسابق عهده )) ، وقد بانت انتهازيته ولا مبدئيته ((أنا لا أجد أي حرج من استبدال سيد باخر )) . مؤكدا مقولة سلوكية بعثية تقول(( الغاية تبرر الوسيلة ))
تتعرض سيارة أحمد عند العودة للوطن على طريق ال 160 للاختطاف من قبل مفرزة وهمية للإرهابيين ، وقد نحروا أحد الركاب المختطفين واغتصبوا امرأة تعاني من مرض السرطان ، أما هو فتعرض للضرب والإهانة ومن ثم المساومة لدفع فدية لأطلاق سراحه ، من قبل قائد الإرهابين الذي كانت فوق راسه صورة ((القائد صدام حسين ))، أطلاق سراحه مقابل ((100)) الف دولار امريكي.
الصديق يتنكر لصديقه ، هكذا فعل ((مصطفى)) الذي شغل منصبا هاما في الحكم بعد السقوط ، حيث لم يسمح لأم ((احمد)) وأبيه بمواجهته للحصول على دعمه ومساعدته لإنقاذ صديقه …
يرسم الكاتب بالحروف صور لما حل بالشعب والإنسان العراقي من تجريف للقيم ، وتشويه سلوكه وعقليته ، وتخليه عن أعرافه الإيجابية ، كالشجاعة والكرم ونبذ اللصوصية والتسول الأخلاقي ، واحتلال العراق بدعوى التخلص من الأسلحة المحرمة دوليا التي ان وجدت فهم من مكنوه من حيازتها وتصنيعها ، ومن ثم البقاء على أراضيه بدعوى مكافحة الارهاب – المصنع من قبلها – وكأن محاربة الإرهاب بالقوة واحتلال البلدان وتدمير مدنها وقراها وليس بالدعم المادي والتقني ونشر ثقافة العدل والسلام وكما يقول الفيلسوف زيجموند باومان :-
(( الحرب الحقيقي على الرهاب التي لا يمكن الانتصار بها ، لا تشن عندما يجري تدمير مدن العراق وقراه شبه المدمرة بالفعل ، أو مدن افغانستان وقراها شبه المدمرة بالفعل ، بل عندما يتم الغاء ديون الدول الفقيرة ، وعندما يتم فتح أسواقنا الغنية أمام منتجاتهم الرئيسية ، وعندما يكتمل التعليم لمئة وخمسة عشر مليون طفل محروم من دخول المدارس، وعندما نناضل في سبيل اجراءات مماثلة نقرها… الولايات المتحدة التي تخصص 25% للتسليح في مقابل واحد بالمئة للمساعدات الاقتصادية ))
فقد قدم الشعب العراقي من الثروة ومن دماء وأرواح أبنائه ما لا يصدقه العقل ، من جراء حروب الديكتاتور وبطشه وفتكه بشعبه ، ومن جراء الاحتلال ل الأمريكي المتوحش، من جراء تصنيعه ومده وتخادمه مع قوى الإرهاب كذريعة لدوام بقائه على أرض العراق ، ودوام بقاء الزمرة الفاسدة التي نصبها على سدة الحكم ، وضمان استمرار نهبه لثروة العراق وشعبه …
ياسر ربيب أحمد العامل في العراق يتعهد بتدبر امر الفدية ، فيرسل المبلغ للمختطفين ويطلق سراحه كنموذج للوفاء ورد الجميل لرعاية ((احمد ) له ، وكأنه يريد انْ يقول ( إنَّ الدنيا لا زالت بخير) …
يقتل (مصطفى) برصاص مسدس كاتم في بغداد التي تعيش موجة من الإرهاب والفوضى…
في خيمة العزاء يلمح رجلا أشيب ، كان يحشو جيوبه (بقدر ما يمكنه من فواكه وعلب اللبن …) رص172، فقد كان أستاذ هادي الشايب مدير المدرسة البعثي الذي دفعته الفاقة ليعتاش على موائد المناسبات بعد أنْ فصل من عمله وقطع راتبه .
وكأن الكاتب يقدم للقارئ مواعظاً حياتية ، يفترض أنْ يتمثلها الأنسان فلا يطغي ولا يأمن فالزمان متحول لا يستقر على حال .
يتأمل (( منظر سحر بجمالها الآسر وهي تحتضن طفليه …)) انَّها نظرة تأمل للمستقبل ، يوحي من خلاله الكاتب :- انَّ الحياة لا بد انْ تستمر وقطار الحياة لا يتوقف كثيرا عند محطات الألم ولا عند محطات الفرح …
وانَّ للإنسان ذات وقيم جبل عليها ، ومن المستبعد أنْ يغيرها ، الأفكار والشعارات سواء أكانت دينية او دنيوية .
تبدو الرواية متماسكة الحبكة، تسير أحداثها بسلاسة وسيولة يحكمها المعادل الموضوعي ، رغم ما تخللتها العديد من الصدف التي قد لا يجود بها الواقع بمثل هذا الكرم وهذه الاريحية ، كما حصل مع بطل الرواية ((أحمد)).
أشر الكاتب العديد من مواقع القوة والضعف في الذات الإنسانية ، عبر سلوكيات شخصياته وتناقضاتها في مجرى حياتها اليومية ، فلا النقي دائم النقاء ، ولا السيء دائم السوء …(( قيمة الرواية – يجب ان يكون قدرة الرواية على استحضار الشعور بأن الحياة هي التأكيد كما وصفتها الرواية بالطبع)) .
الكاتب لم يجمل أبطاله بتأثيث شخصياته الروائية من حيث الشكل ، ومظاهر الجسد ، ونوعية وشكل الملبس ، والعادات والحركات التي تميز شخصية عن أخرى ، فتبدو لنا الشخصيات أسماء لا ترتسم لها صورة واضحة في مخيلتنا ، سوى بعض التوصيفات البسيطة وكأنها ضوء خافت لا يستطيع ان يظهر لنا كافة ملامح الشخصية .
وأننا نقول ما ن يكتمل الشيء حتى يموت وكما يقول باختين ((كيما أعيش على ألا أكون مكتملا)) انَّ روايتنا محل الدراسة تريد انْ تعيش ، ولا شك أنَّ الروائي قد وفر لها أهم مستلزمات العيش.
نتمنى انْ نكون قد أعطينا الرواية حقها كنص أبداعي ، حاول انْ يستنطق الواقع ، ويوثق اعترافاته من على كرسي الأبداع بعيدا عن مطرقة القاضي الرسمي والاجتماعي ، نتمنى انْ نكون قد استنطقنا النص نقديا كما فهمناه ، وتكلمنا عنه بموضوعية فالنص كما يرى نورثروب فراي اخرس ، والمتكلم هو النقد والناقد
(( ان النقد يستطيع ان يتكلم في حين أن كل الفنون خرساء ))
ربما يوجه لنا النقد لأننا ربما خرجنا عن النص في عملية النقد في دراستنا هذه أو غيرها ، ولكننا نرى أن الناطق المتكلم الناقد يجب أن يسلط مصباح نقده الى ما وراء النص ، والى الحيثيات والظواهر والأسباب الكامنة وراء ما صوره وكتبه الروائي في روايته ، ليبلغ برسالة الكاتب المراد إيصالها للمتلقي ، كما أن من واجب الناقد أن ْ يؤشر للكاتب مواقع ضعف الوعي ، وينير ضبابية الفكرة ، ويصحح خطل الموقف المضمن في النص السردي ، لذلك يفترض أنْ يلعب الناقد دور المادة المظهرة للصورة ال ((النﮕتف)) في شريط السرد ، ويوضح ألوانها وقسمات شخصياتها وخلفيتها في الزمان والمكان المحدد ، والدوافع وراء رسم و التقاط هذه الصورة من قبل الكاتب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *